بسم الله الرحمن الرحيم
من الحقائق المقررة أن نهضات الأمم لا تكون إلا بعقول أبنائها واجتهاداتهم الخلاقة، وأن تجديد العلوم والمعارف ليس له إلا طريق واحد هو أن نعمل عقولنا في هذه العلوم والمعارف وأن نستخرج من مضمونها المضمرات في كلماتها.
إصلاح الفكر الديني هو السبيل إلى إصلاح الفكر بصفة عامة، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس بدوره على أحوال الأمة في شتى أنحاء العالم الإسلامي، والتجديد في الفكر الديني عمل يقوم به الإنسان الذي يرتاد الطريق لقومه فيرى ما لا يرون، والذين يرتادون الطريق ويتقدمون الصفوف ويكشفون معالم الطريق هم الرواد في كل أمة وهم المجددون، وقد شهد تاريخ الفكر الإسلامي العديد من هؤلاء الرواد الذين أثروا الحياة الإسلامية والفكر الإسلامي برؤاهم السديدة وأفكارهم الرشيدة، واعتمادا على المأثور النبوي المشار إليه وجدنا العديد من مفكري الإسلام المستنيرين يبذلون جهودهم في سبيل تجديد الفكر الديني، وفي هذا الاتجاه وجدنا الشيخ أمين الخولي في كتابه المجددون في الإسلام، يعود بنا إلى المؤلفين القدامى الذي كرسوا جهودهم في قضية التجديد، ومن هؤلاء جلال الدين السيوطي في كتابه التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة، والمراغي الجرجاوي في كتابه بغية المقتدين ومنحة المجدين على تحفة المهتدين.[1]
وفي إطار البحث والتفتيش في أسباب تجمد الفكر الديني وتجمد الاجتهاد، وقفت عند مدونة شخصية مقدمة بمراقبة وتحليل ودراسة مسارات التغيير التي تمر بها المناطق العربية وما يرافقها من ظواهر، كلام نفيس في هذا الباب: “فلو أتيح لنا الاطلاع مثلاً على إحدى خطب الجمعة قبل 400 عام، ومقارنتها بخطب الجمعة اليوم، ما هي نسبة الاختلاف في المضمون والشكل؟ أكاد أجزم أن الاختلاف سيكون محدوداً جداً في المضمون وأقل من ذلك في الشكل. مع العلم أن العالم تغير على كافة المستويات: المعرفية، والاجتماعية والسياسية بشكل هائل، حتى السياق السياسي والدولي اختلف بشكل كامل عما كان عليه قبل مائة عام، كذلك يمكن الادعاء بأن جمود الخطاب الديني وحجر كافة محاولات تطوير فهم النص أدت إلى تجميد كامل الثقافة العربية الإسلامية في المنطقة العربية وقدرتها على التأقلم والتطور؛ لأن الفهم الديني يشكل جزءاً أساسياً جداً من الثقافة العامة.
بمعنى أن قعود علماء الأمة ومجتهديها عن تحمل مسئولياتهم فتح الباب على مصراعيه للغلاة والمتشددين والمتعصبين والجاهلين، الأمر الذي عم بلاؤه واشتدت وطأته، وتم اختزال الدين في بعض الشكليات التي خرجت به عن جوهره الحقيقي في كونه دينا للحياة.
والأجدر بذكره في هذا المقام أن الاجتهاد في الإسلام مبدأ مستمر على مدى الأزمان، وليس خاصا بفترة زمنية معينة والفقهاء في كل العصور مطالبون بالاجتهاد دون توقف، وإذا كان صاحب الشريعة فتح لنا باب الاجتهاد على مصراعيه فليس من حق أحد كائنا ما كان
أن يغلق هذا الباب فإغلاقه يعد إغلاقا لرحمة الله، وإغلاقا للعقول ومصادرة على حقها في الفهم والتفكير، وهذا يعني ترك الأمور للتقليد، تقليد الأسلاف فيما توصلوا إليه من فهم كان ملائما تماما لعصورهم وملبيا لحاجاتهم.[2]
يقول طه جابر العلواني: ” إن التجديد أمر أصيل في معارفنا وثقافتنا وديننا، فإننا نؤمن بتعرض كل شيء ما عدا الله جل شأنه لقواعد القدم والبلى وآثارها وسننها، لأن الزمن سائر على النقطة التي يفنى بها كل شيء ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام؛ لكن لابد من مقاومة ذلك بسنن إصلاح ما رث وتجديد ما تقادم، حتى يبلغ كل شيء أجله.”[3]
بهذا نقول أنه لابد أن يكون لنا مشروع فكري متكامل يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويدعو إلى إيقاظ الهمم وعودة الوعي الحضاري، وهو أمر لابد منه من أجل بناء تصورات واقعية تعكس الصورة الحقيقية للعالم الذي نعيش فيه اليوم.
[1] -الفكر الديني وقضايا العصر، محمد حمدي زقزوق ص:12-13 بتصرف.
[2] -الفكر الديني وقضايا العصر، محمود حمدي زقزوق، ص: 31 بتصرف.
[3] -مقالات في التجديد، تقديم أحمد الطيب ، ص: 52 بتصرف.