منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تدبر وعبرة من يوم العسرة

الدكتور رضوان ابن شقرون

0

تدبر وعبرة من يوم العسرة
الدكتور رضوان ابن شقرون

انطلاقا من قول الحق سبحانه وتعالى في سورة التوبة 9/ 120: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الاَعْرَابِ أَن يَّتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً اِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾

تعالج هذه الآية الكريمة بعض نتائج غزوة تبوك، وهي آخر غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقعت في رجب من السنة التاسعة للهجرة (أكتوبر 630 م) والمسلمون في قحط شديد وبلاء عظيم وعسر عسير حتى أطلق على هذه الغزوة (يوم العسرة)، وكان الجو شديد الحرارة، وليس عند المسلمين ما يجهزون به الجيش، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإنفاق، فتسابق أهل الإيمان في تجهيز الجيش وأنفق كل مؤمن ما عنده، وأسهم عثمان بن عفان رضي الله عنه بمبالغ كبيرة وبسخاء نادر، فكان أنموذجاً فريداً للإيمان الصادق، والجود الواسع.

وتخلف عن هذه الغزوة بعض المسلمين، فنزلت آيات من سورة التوبة تستنكر ذلك، وتنهى المؤمنين في كل زمن عن التخلُّف عن الجهاد في سبيل الله إذا اضطر المسلمون، مهما قل عددهم أو ضعفت عُدتهم. فقَوله جل شأنه: ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفسِهِم عَن نَفسه﴾ مَعْنَاهُ مَا كَانَ ينبغي لمن تخلفوا عن الخروج للجهاد في (يوم العسرة) أن يختاروا الدعة والراحة، ويتركوا المجاهدين فِي العسر وشدة الحرب وقسوة الظروف، أو كما نرى المجاهدين اليوم يتعرضون للغدر والقتل والتهجير القسري والضغط الشديد لإخلاء الأرض والتخلف عن الجهاد وترك أسلحتهم ومغادرة ديارهم، وما ينبغي ذلك لأي مسلم في أي زمان. وأما ما يصيب المجاهد في سبيل الله من جوع وعطش أو تعب ومحنة، فإن الله سبحانه يأجره على كل ما يعانيه في تنفيذ الأعمال المأمور بها؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة يوما: ﴿أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِك﴾ أي إن الأجر يكون على قدر المشقة، وإن المجاهد ليؤجَر أيضا على ما يصيب به العدو قتلاً أو أسراً أو هزيمةً أو غنيمةً.

إن لجميع الأجيال في غزوة تبوك وفي مواقف الرسول القائد صلوات الله وسلامه عليه ومواقف الصحابة المجاهدين منهم والمتخلفين دروساً قيّمةً، ما أحوج المسلمين اليوم وفي خضم هذه المعارك الضارية والظروف القاسية والمؤامرات الدولية أن يتدبروها ويصححوا في أضوائها قناعاتهم ونظراتهم وعلاقاتهم ومواقفهم من دول الظلم والغدر والمكر، ومما يعانيه المجاهدون المرابطون الصامدون في مواقع الدفاع عن البلاد والعباد والعقيدة والشريعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.