منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القراءة… بين الفعل و الأداة والغاية  … في هذه الثلاثة يكمن السر !

عبد الإله الزربة

0

القراءة… بين الفعل و الأداة والغاية … في هذه الثلاثة يكمن السر !

بقلم: عبد الإله الزربة

فمن المعلوم أن البشرية اعترضها عبر الزمان حالة من الظلام الدامس، وعقبات وحواجز، وأخطار ومدلهمات، وجهلا في عقولهم استحكم  تفكيرهم، وطبع سلوكهم؛ مما جعلهم ينسون الفطرة التي أودعها الله فيهم،  والتي كانت علامة تميزهم  عن غيرهم من المخلوقات.

ولقد اشتركت المخلوقات في كثير من الأشياء،  وتمايز بعضها عن بعض  في خصائص  كثيرة، جعلت صنفا من أصنافها ينال التكريم والخيرية، والبشر  هم النوع الذي نال ذلك الشرف، وامتاز به عن غيره بالعقل الذي جعله يميز ويفكر، ويقارن ويحلل، ويجدد ويطور، ويبتكر الحلول ويساير الزمن، على اعتبار أن العقل هو ذلكم  القوة المدركة ومناط التكليف، لكنه رغم كل ذلك أبى إلا  أن يتخلف ويضيع الأمانة ولم يراعها حق رعايتها، وبذلك طمس نور العقل، وحجب شعاعه، وجعل بينه وبين نور خالقه حواجب ووسائط، فكانت الحاجة حينئذ ماسة إلى بعث الرسل حتى ينجلي ذلك الظلام، ويشع النور،  وتشرق شمسه من جديد لتعود الفطرة إلى أصلها، ويهتدي هوَ إلى  صوابه.

لقد تعددت رسائل الله لعباده حسب ما يراه سبحانه أليق بهم، حسب ظروف الزمان، وطبيعة المكان، وحاجة الإنسان، وقد كانت الرسالة الخاتمة حاملة فعلا ممتدا في الزمان و المكان والإنسان، إنها رسالة “اقرأ”.

لقد ابتدأ الله سبحانه وتعالى كتابه المحكم، دستور هذه الأمة وبوصلة تفكيرها،  ومخططها الباني لحضارتها، المرمم لجغرافية نفوس الداخلين في دينها، والمؤسس لأركان وقواعد  عقول أصحابها، ابتدأه عزوجل ببث نور وحيه لعباده بذلك الفعل، بعد أن أصابهم الظلام، فأنار لهم تلك الظلمة التي تركت الأمور تختلط عليهم والموازين تنعكس عندهم.

هذا الفعل هو “اقرأ ” الحامل للمعاني والدلالات، والممتد في الكون منذ البدء إلى الفناء؛ هو الذي قام بهذا التغيير الجوهري في الزمان  والمكان و الإنسان.

يقول الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أصالة وللأمة بالتبع :{ اقرأ باسم ربك الذي خلق} ها هنا دلالة واضحة على البدء عدا لزمان جديد  تتخذه هذه الأمة منطلقا لها في كتابة التاريخ، ومكان جديد منه يبث النور نحو العالم كله ويصير محط أنظار الجميع، وإنسان جديد يزيل من تصورات الآخرين تلك البداوة التي طبعت في أذهانهم، إنه يحمل هم الأمانة ويسعى للإصلاح في الأرض بمنهج إقرأ باسم ربك الذي خلق.

و لعل في ابتداء  الرسالة  بهذا الفعل _اقرأ _ لهو  أمر يعجز عن إدراكه الإنسان، وأما  العلم الشامل الكامل المحيط بكل تفاصيله وجزئياته  فهو موكول لرب الأكوان، وحسبي أن أتلمس بعض ذلك المعاني وأربط بينها.

تلك إذن إشارة إلى أن هذه الأمة هي أمة العلم والمعرفة، ولأن كانت القراءة -كما هو معلوم – تحتاج إلى أداة، فقد كان لزاما الإشارة إليها تصريحا أو ضمنا، وقد جاء الوحي بهما معا؛ و قد عبر عنها المولى سبحانه تصريحا  في  قوله تعالى : { الذي علم بالقلم} وقد سميت سورة بهذه الأداة، والجميل  أنها جاءت الثانية في النزول حسب أحد أقوال العلماء .

والأمر لا يقتصر على ذلك فحسب، أي على جنس القلم، وإنما الأمر يتعداها  إلى الوسائل الأخرى التي توصّل إليها بنو البشر من تلغراف وحواسيب و غيرها…. وهذه التعدية لازمة للفعل “اقرأ” فهو من الأفعال المتعدية وهذا الأمر شمل الأداة أيضا فتأمل!!

تلك إذن كانت إشارة إلى الأداة، أما عن الغاية فهو ما سنحاول بيانه بحول الله تعالى فيما يجيء بعد.

لقد ختمت  السورة _ سورة العلق_ بقوله تعالى { واسجد واقترب } وهي دلالة على  الغاية والمقصد من القراءة وهي القراءة المحققة للعبودية لله عزوجل، أضف إلى ذلك تكرر فعل القراءة مقرونا بالغاية { اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } وتكرار ذلك فيه لطيفة عجيبة تشمل أمر الإنسانية جمعاء، ولا تقتصر على فئة بعينها وهي القطع مع الجاهلية والجهل،  والإعلان على أن المفتاح الذي يكسر كل أبواب العبودية لغير الله ينبغي أن يكون منطلقه العلم، والعلم نور والجهل عار  كما يقال،  وفي التكرار أيضا تنبيه وتذكير للغاية من هذه القراءة، وهو ما جاء في آخر السورة حاملا معان جديدة لعلاقة العلم بخالق الوجود جل جلاله { واسجد واقترب}  أي الارتباط الدائم بالله جل جلاله ظاهرا وباطنا؛ قراءة للكتاب المسطور، ونظرا في الكتاب المنظور تحقيقا للفعل الذي من أجله وجد الإنسان وهي العبودية بمعناها الشامل.

وتأكيدا لما سبق فإن القراءة المطلوبة منا إنما هي القراءة المحققة لمقصد العبودية، وهي التي تحقق تزكية النفس، وتأخذ بالإنسان إلى المعرفة الصافية لله ولرسوله ولدينه ولرسالته، تحقيقا لنفع كل خلقه،  وهذه المعاني عند التأمل في سورة العلق تجدها حاضرة، فالسورة بمجموعها تنسجم مع  الغاية من الخلق المعبر عنها في قوله عزوجل: {وما خلقتُ الجنّ والإنْسَ إلا ليعبُدُون}سورة الذاريات، الآية56، فالقراءة في الفكر الإسلامي لا تقتصر  على تحصيل معارف الأمور الدنيوية المادية فقط، وإنما هي أكبر من ذلك بكثير، فهي خادمة لكل جوانب الإنسان الروحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية… ، أو باختصار فهي  مرتبطة بالزمان والمكان والإنسان مسيجة بقيم النفع والصلاح،  وكل هذا مصمم بدقة متناهية، ومبثوث في كتاب الله بقواعد كلية شاملة منظمة لكل شؤون البشرية، وإنما تحتاج من الإنسان الإعمال  والتوظيف في جزئيات حياته حتى تحقق مقاصد الشريعة من الخلق، لأن موجدها هو الله فهو العالم سبحانه بكل ما يحتاجه هذا الإنسان{ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [ الملك: 14] .

وبهذا كان البدء والسير والمنتهى باسم الرب سبحانه وتعالى، والإشارة إلى الأكرمية في مقام الدعوة إلى العلم إشارة واضحة إلى أن الدائرة التي يجد فيها الإنسان كرامته هي دائرة العلم والمعرفة، وهي التي تسيجه من براثن الجهل والأمية، وتصعد به إلى مقام الرفعة.

ولا شك أن الإنسان يشرف بالعلم  ويحقق به التقوى المحققة بدورها للأفضلية {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}الزمر،الآية6.

ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} سورة الحجرات، الآية13.

وقال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} سورة الإسراء، الآية 70.

وللعلماء كلام لطيف ودقيق في مسألة التكريم فهم يعنون به ” تخصيص الشيء بالعناية وتشريفه بما يختص به، ولا يوجد في غيره”١- الميزان في تفسير القرآن- ١٣/152.

وهذا التكريم الذي حازه الإنسان هو الذي خصه بالاختصاص على مستوى النفس بقوة عاقلة مدركة لحقائق الأشياء كما هي، وهي التي ينجلي فيها نور معرفة الله تعالى، و يشرق فيها ضوء كبريائه..” مفاتيح الغيب١٢\21.

والقراءة داخلة  بلا شك في هذا التكريم وهي التي تبدد الظلام وتجلي نور المعرفة، يقول ابن القيم في معرض حديثه عن تكريم البشر ” فسبحان من ألبسه خلع الكرامة كلها، من العقل والعلم والبيان و النطق والشكل و الصورة الحسنة والهيئة الشريفة والقد المعتدل واكتساب العلوم بالاستدلال والفكر و اقتناص الأخلاق الشريفة الفاضلة من البر والطاعة و الانقياد ” ٢-٢مفتاح دار السعادة١/٢٦٣ .

ولقد أحسن الشاعر إذ يقول:

ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم **على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقدر كل امرئ ما كان يحسنه** و الجاهلون لأهل العلم أعداء

ففز بعلم تعش حيا به أبدا ** الناس موتى وأهل العلم أحياء.

حاجة النفس للقراءة

إن الحديث عن حاجة النفس للقراءة ضبطا وتوجيها واتزانا وعروجا  بها من عالم الطين إلى عالم التأمل وسيرا بها من حديث السفسفة إلى حديث الغاية أمر أبدع فيه علماؤنا، و لذلك   فالحديث حوله بذلك العمق  يطول و يتشعب، و قد ألفت فيه دراسات قيمة، و مقالات نيرة، يضيق الوقت للعودة إليها كلها وإيراد كل ما فيها، ونحن هنا  نجمل أهم  النقاط التي أشارت إليها هذه الدراسات، و الفوائد التي تعود على النفس بالفائدة عند قراءة الكتب فهي  :

– تجعلك مشعرا بافتقارك لخالقك، و أنك عبد له اختيارا  كما أنك عبد له اضطرارا.

– تشعرك بإحساس الانتماء لهذا العالم.

–  توفر  الغذاء الروحي  الذي يحتاجه كل البشر، فإذا كانت الأجسام في حاجة للطعام فإن الروح في حاجة إلى القراءة، يقول يحي بن معاذ : قوت الأجسام المطاعم و قوت النفوس الهوى و قوت القلوب الذكر، ووقت العقول الفكر” تاريخ بغداد،ص136/2.

– القراءة جيدة لصحة الدماغ وتساعد على العيش لسنوات حياة أطول بحول الله .

– قراءة الكتب الجيدة تمنح نوعاً من الحرية النفسية .

حاجة المجتمع للقراءة

لعل من الأمور البدهية التي لا تحتاج إلى كثير عناء للاستدلال عليها حاجة المجتمعات للقراءة، ذلكم  أن القراءة هي المحرك الأساس لنهوض الأمم ورقي المجتمعات، والانتقال بها من أسفل الدركات  إلى أعلى الدرجات، سواء على مستوى الاستقرار المادي لأفرادها أو الرقي الأخلاقي القيمي الذي ينظم شؤونهم، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المجتمعات التي استوعبت  جوهر العلم، تلكم التي جعلت من  المادة والأخلاق جناحان  متوازيان لا يطغى أحدهما عن الآخر، فطغيان الأول ينتج مجتمعا منحلا  أخلاقيا متجاوزا للإنسانية  الإنسان من حيث يظن أفراده  أنهم يهتمون بالإنسان، وطغيان تبتل أفراد  المجتمع يؤدي إلى فوات تقدمها الحضاري و رقيها  المادي واستحكام ذلك والجهل به يؤدي إلى  قابلية تلك المجتمعات للاستعباد من غيرها، وفوات التقدم العلمي شيء لا يمكن التبرير له، لأن قيام حياة الناس المادية تقوم به وهو جزء من  مقتضى الاستخلاف وحمل الأمانة التي ذكرها ربنا عزوجل في كتابه، يقول ابن القيم : ” إن أصل كل خير هو العلم والعدل.. و أصل كل شر هو الجهل و الظلم” إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ص:479.

يقول صاحب التحرير والتنوير إن” الخلافة في الأرض هي القيام بحفظ عمرانها و وضع  الموجودات فيها في مواضعها، و استعمالها فيما استعدت إليه غرائزها” التحرير و التنوير 22\127.

على سبيل الختم نقول إن حاجتنا للقراءة الواعية الممتدة في الزمان و المكان و المؤطرة لسلوك الإنسان كحاجتنا للطعام والشراب بل أكثر ، ورحم الله الشيخ محمد الإبراهيمي إذ يقول في كلمة دقيقة: إن ” احتياج الحيّ إلى العلم في هذا الزّمن أصبح قرينَ احتياجه إلى الطّعام”، و لإن كان الطعام الذي لا يهضمه  صاحبه مضرا بصحته، فكذلك القراءة التي  لا يعطيها صاحبها حقها من إعمال للفكر و حيزا من النظر ومساحة من التأمل فهي مضرة أيضا بالعقل والجوارح والإنسانية جمعاء ، و قد أحسن الصينيون حين قالوا : ” القراءة بلا تأمل كالأكل بغير هضم” .

والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.