منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رمضان والقرآن إشراقات فيّاضة

أسماء أدواب

0

رمضان والقرآن إشراقات فيّاضة

بقلم: أسماء أدواب

ها هو شهر القرآن أقبل مدبراً، تمر أيامه على عجل كضيف خفيف الحضور، فطوبى لمن أحسن إكرام الضيف واغتنم هذه الأيام المباركة العظيمة، وطوبى لمن صاحب كتاب الله واستأنس  به في هذه الثلاثين المباركة وخارجها.

نشتكي في أيامنا هذه من ضعف الإرادة، وقلة العزيمة، ونفاذ الصبر، وثيرة الحياة المعاصرة أصبحت مرهقة، وفي وسط هذا وذاك يسترق المؤمن لنفسه سويعات يقضيها في صحبة القرآن، فيتقوى به على فعل الخيرات والابتعاد عن المعاصي، وينفض عنه غبار الحياة الدنيا فتنعتق روحه من طينه كأنها تخرج من بين فرث ودم.

تتخبط النفس في صراعات الأفكار والمنافسات الاجتماعية والتقلبات الاقتصادية، وتعاني قلة الزاد، فيشقى القلب وتتعب النفس، ولا تجد لها راحة إلا في تلك السويعات التي تقضيها مع كلام الله عز وجل. كيف لا ترتاح الأنفس به وتتشرف بمعيته، وقد تشرف به النبي صلى الله عليه وسلم وهو خير خلق الله وسيد ولد آدم، وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟

إن للقرآن الكريم أسراراً غريبة، لا تدرك إلا بكثرة الغوص فيه والتعمق في معانيه. كأنها لآلئ لا تتجلى إلا لمن سبر أغواره بكثرة القراءة والتدبر والملازمة. ولكن من أعجب أسراره أيضاً ذلك التأثير وتلك السكينة التي تغشى النفس وتجعلها تخضع وتخشع لمجرد الاستماع له، فتجد غير المسلمين ومن لا ينطقون ولا يفهمون اللغة العربية يتأثرون بسماعه قبل استيعابهم لمعاني آياته ومفرداته.

فهاهن نساء المشركين وأبناؤهم يتأثرون بقراءة سيدنا أبي بكر رضي الله عنه للقرآن الكريم ويلتفون حوله لينصتوا إلى هذا الكلام الغريب عنهم وإن كان بلغتهم العربية التي برعوا فيها وتمكنوا منها. وها هي الجمادات الصماء تتأثر به حتى تخشع الجبال وتتصدع من خشية الله، أفلا تخشع له قلوبنا الرطبة النابضة بالحياة؟

بل إن تأثير القرآن الكريم تجاوز عالمنا المادي المحسوس إلى عالم الغيب وكائناته التي حجبت عن إدراك البشر؛ فأسلم نفر من الجن لسماعهم تلاوة الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم، وانبهر الملائكة الكرام بتلاوة الصحابي الجليل أسد بن حضير لسورة البقرة في جوف الليل.

إن شهر رمضان، أو ما تبقى منه، فرصة حتى نجدد العهد مع القرآن، ونعمق الصلة بالقرآن. فمنزلته العظيمة ينبغي أن تدفع بنا إلى ترك الكسل والخمول حتى لا نكون ممن هجروا كتاب الله عز وجل في هذا الزمن الفضيل خاصة، وسائر حياتنا عامة.

ونشتكي في عصرنا هذا قلة الوقت وضيقه، فجعل الله عز وجل جميع الأوقات والأماكن الطاهرة كلها مناسبة لتلاوة كتابه رحمة بنا. وإن كانت أسراره تتدفق بغزارة وبروحانية في الليل وسكونه. وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في مواضع كثيرة على تلاوة القرآن الكريم في الليل. ومنه مثلا ثناؤه على الصحابي الجليل شريح الحضرمي حين ذُكر عنده فقال: “ذاك رجل لا يتوسد القرآن”، أي أنه لا ينام بالليل حتى يقرأ حزبه من القرآن. والله عز وجل أيضاً أثنى على من يتحرون هدوء الليل وخصوصيته للتلاوة، فهم أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل.

ونشتكي أيضا نفوسنا الصعبة المراس والانقياد، التي تستثقل الطاعات وتميل إلى المعاصي.  فجعل الله تدبر القرآن الكريم من الرقائق التي تذهب قسوة القلوب وتزيل ما علق منها من درن الذنوب شيئا فشيئا، فهو شفاء لما في الصدور…

قال عز وجل: “ألم يأْنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم”.

فالله عز وجل يخاطبنا عن طريق الوحي دون وسيط. يصف لنا الجنة ونعيمها فنشتاق إلى رؤيتها، ويصف النار وعذابها فنخاف ونستعيذ به منها. وبين هذا وذاك تلين قلوبنا تارة، وتقشعر جلودنا تارة أخرى، فيتأدب القلب ويصقل وترق سجيته. ويستأنس القارئ بأخبار الأمم السابقة، وقصص الأنبياء والصالحين، فتتقوى بذلك عزيمته ويتطلع إلى نيل مراتب الإيمان والإحسان. فكيف يتعلق قلب المحب بمحبوبه إن كان يعرض عن كلامه؟ وكيف يعرف الإنسان إنسانا آخر إن لم يسمع حديثه وأقواله؟ فكيف برب العباد ونحن لا نراه، وحجب عنا نوره، فمعرفته وحبه لا يتحققان إن هجر كلامه وتركت المصاحف على الرفوف يعلوها الغبار، ولله المثل الأعلى.

ملازمة القرآن الكريم هي إذاً أولى مفاتيح القلب، والقلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله. فلكي ينقاد الإنسان لمشيئة الله في إعمار الأرض وتحقيق العبادة ينبغي أن يكون القلب صالحا غير فاسد. فالقلب المريض مختوم عليه لا تدخله أنوار الهداية حتى يتطهر ويلين، فهو كالحجارة أو أشد قسوة. والقرآن الكريم بسوره المكية والمدنية، وأحكامه الشرعية، وسرده وإعجازه وجميع موضوعاته المتنوعة الغنية، إنما من أهدافه المركزية إصلاح هذا القلب وعمارة هذه النفس وتزكيتها والسمو بها في مراتب الكمال.

بملازمته يستحضر المسلم قيم التوكل على الله والإيمان بالقدر خيره وشره، فيتقوى بذلك على نوائب الدهر وابتلاءات الحياة، وبمعاهدته يتذكر شكر الله على نعمه وإرجاع الفضل إليه فتتأدب نفسه وتتحرر من الكبر والطغيان والإعجاب بالنفس. التوكل والشكر والرضا مسائل مركزية تشقى النفس البشرية بدونها وتتعب فيتخبط الإنسان بين السخط وانعدام القناعة والخوف من المستقبل، وتضيع بوصلته ويضل الطريق فيعيش معيشة ضنكا لا راحة فيها.

كيف لا وهذا القرآن كلام الخالق، والإنسان صنعة الخالق شكله وصوره، فهو العليم بخباياه وأسراره الأكثر عمقا. فمن رحمة الله تعالى بالإنسان أن أنزل له كلاما مناسبا له وموافقا لطبيعته البشرية المعقدة. خطاب مهيمن يختلف عن كلام البشر ويتميز عنه بكونه خطابا فوقيا محيطا بالنفس البشرية خبيرا بخصائصها مترفعا عن نقائصها. فبينما يتأثر كلام البشر بالحالة النفسية للكاتب واختلاف آرائه ومراحل عمره، فيجد فيه القارئ اختلافا كثيرا، يأتي الوحي ليكون مصدر اليقين والمرجع الثابت في زمن المتغيرات، فيشبع تلك الحاجة الفطرية في الإنسان إلى الانتماء والإيواء إلى ركن شديد وقوة عليا.

إلى متى إذاً نبقى شاردين وشاردات عن أنوار الوحي؟ ومتى يكون القرآن النبراس الذي ينير طريقنا كأفراد وكأمة؟

ولعله الوقت المناسب لطرح هذه التساؤلات، ومحاسبة أنفسنا، وتدارك تقصيرنا، فحظنا مع القرآن تلاوة، وترتيلا، وتدبرا، وحفظا، ومدارسة، وعملا، هو حظنا مع الله. هذا الوقت الأنسب، لأن جميع الأوقات مناسبة للقرآن، لكن اختص شهر الصيام لكونه الظرف الزماني لنزول الوحي: “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن”.  وفيه ليلة خير من ألف شهر، وهي ليلة نزوله خاصة (إنا أنزلناه في ليلة القدر)”. فشرف الشهر وشرف الليلة من شرف الوحي الذي أنزل فيهما. كما أن مراجعة جبريل للقرآن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في ليالي رمضان، دليل آخر على خصوصية الشهر الفضيل بكونه أشرف الأزمنة وأليقها بكلام الله. ولذلك اختص شهر رمضان بالصيام حتى تتهيأ النفس لتلقي أسراره التي تتلقاها الأجسام الروحية لا الطينية، فكان لزاما تنزه الإنسان عن متعه الحسية وشهواته البدنية بالصيام عن الطعام والشراب والملذات، وترك المعاصي والآثام. فأي مناسبة أعظم من هذه حتى نعقد عهدا جديدا مع القرآن؟

إن النفس البشرية مجبولة على حب الدنيا، والقرآن هو الذي يذكرها بالدار الآخرة. وكلما كانت قلوبنا في غربة عن القرآن، كلما استنكرته وصعب نفاذ أسراره إليها. ومن المفاتيح المساعدة على إعادة فتح هذه البيوت المهجورة الدعاء والتضرع إلى الله والاستعانة به كي يتيسر على القارئ فهم القرآن والعمل به. ولن تتجلى أنواره إلا بتعهده، فيكون للمسلم ورد يومي للتدبر الشخصي مع الاستعانة بالتفسير عند الحاجة. كما يساعد التذاكر والتباحث ومدارسة القرآن الكريم في المجالس ومع الأهل على إعادة إحياء القلوب ورفع منسوب التركيز والفهم وتجديد العلاقة بالله وكلام الله. فمجالسة الصالحين اقتباس من أنوارهم وتشجيع على الاستدامة والاستمرار عندما تبدأ شعلة العزيمة بالفتور.

فاللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، واجعلنا من أهل القرآن حتى نكون من أهلك وخاصتك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.