تربية الأطفال على القيم بين الواقع والمأمول
تربية الأطفال على القيم بين الواقع والمأمول/ الأستاذ هشام شرنوبي
تربية الأطفال على القيم بين الواقع والمأمول
بقلم: الأستاذ هشام شرنوبي
من المغرب
لنوضح بداية أهمية وضرورة اللجوء لقنوات بديلة عن المدرسة لتنشئة الطفل وتربيته على القيم، وللتدليل على ذلك أحيلكم على أبرز الجامعات التي درست مدى فشل *مشروع ترسيخ القيم* عند مسيري أكبر المؤسسات العالمية.
ففي عدد شهر نونىر 2002 لمجلة HBR هافرد يتطرق لأسباب إخفاق رجال ونساء متميزين في مجال عملهم (المثال كان يتصدى لمصادقة خبراء التدقيق المالي على إنجازات أكبر الشركات في مجال الطاقة ENRON والتي أفلست وكادت تهوي بالأسواق ومصداقيتها والأمر يمكن أن نسقطه على جميع المجالات)… كيف أخفق هؤلاء في أداء مهامهم؟
البحث كان عميقا ومفصلا…كيف أن هؤلاء لم يصمدوا أمام الإغراءات؟ كيف تم تفضيل المصالح الشخصية على المبادئ التي تدرس؟
فقاموا بتجارب ميدانية منها إضافة دروس خاصة للطلبة وأخرى للخبراء كي يستدركوا ما قد فات بخصوص القيم.
النتيجة، أنهم وجدوا في آخر بحث، أن الأمر مستعص ولم يؤتي تدريس أو توجيه الطلبة والخبراء أكله المطلوب.
ومما يجب أن نؤكد عليه أن هؤلاء ليسوا لصوصا، كما تؤكد الدراسات. فالأمر أقوى من ذلك وهناك ما هو أعمق من قرار يؤخذ في لحظة ما أبيض أو أسود.
إذن فالمؤسسات التعليمية الرائدة في التعليم والشركات الرائدة في مجالها بخبراتها وميزانياتها ومختبراتها، وقفت عاجزة أمام تلقين وترسيخ القيم.
لذلك فإني أقول بأن كل القنوات والوسائل المتاحة للقاء الطفل مهمة ويجب انتهازها كفرصة نلتقي فيها بالأطفال…وهذا حاصل ومتاح في كثير من بلداننا…
لكن بأي برنامج، بأي رؤية، بأي تعامل مع الواقع وبأي تعامل مع مصادر قيمنا؟
يجب أن نقحم أطفالنا في برامج متنوعة ومنفتحة على جميع العلوم والرياضات والمواهب….فهذا ما ينقص الشباب…رؤية واضحة لدورهم
مستقبلا….والبرنامج المتنوع في هذه القنوات يجب أن يراعي هذا التوازن بين الواقع ومصدر قيمنا بحلة يحبونها وبنماذج تجذبهم.
وهنا أذكر مثالين نستخلص منهما عبرة كيف نتعامل مع واقع أطفالنا
الأول لكاتب في إحدى المجلات الإلكترونية كتب مقالا يوجه فيه الشباب المسلم في أمريكا كيف يتعامل في مدرسته خلال شهر رمضان في مدارس يختلط فيها المسلمون مع غيرهم.
وأوغل المقال في التحذير والتنبيه لعدم الإختلاط مع غيرهم في أماكن الأكل والأخذ برخص عدم الحضور للدرس بحجة المعتقد الديني (انتهى كلام الكاتب).
فبهذا الشكل من التوجيه والوجهة لا تربي إلا جيلا ضعيفا خائفا ينكمش ويحذر مما تعج به ساحة عصرهم، أما المثال الثاني فللاعب كرة السلة المسلم Kyrie Irving الذي سجل عدد أهداف قياسي في مباراة واحدة وهو صائم، ولما انتهت المقابلة تلقى سؤالا من صحفية سألته كيف أنجز كل هذا وهو صائم؟
سؤال جاء بعد قوة إنجاز وتشبت بما يصل بالله….وباب عظيم يفتح ليصير قدوة.
إذن فكل ما نراه خطورة ونرى أنه يجب علينا الدفاع والإحتياط منه…علينا أن نبرزه كفرصة وباب لاكتساب قوة يجب اقتحامه.
انظروا معي إلى هذا اللاعب حين فتح له باب المداخلة كيف استغل إنجازه الذي شد إليه الأفواه والعيون المبهورة ليعبر عن صلة ذلك بتشبته بأمر رباني يكسبه القوة وينصره.
فالإعلام قنوات يجب علينا اقتحامها بكوادر تجمع بين الواقع والقيم،كل من باب تخصصه وإتقانه له، حتى يكون قدوة للطفل.
وهنا يطرح سؤال ثان أعمق وأدق، ما الذي يجعل أطفالنا يميلون إلى برامج غيرنا؟
سبب ذلك أن برامجهم مغرية، وبرامجنا قد تصدع بالمواعظ أو تكثر من الخطاب الجدي أكثر مما يلزم أو يناسب طفلا، فنتكلم عن القيم والإتقان غائب أو إننا غائبون عن الساحة في مجالات كثيرة.
لذلك يجب على برامجنا أن تكتسي حلة العصر، يجب أن تغطي الدنيا بكل مجالاتها واختصاصاتها، ينبغي للطفل أن يعيش الدنيا مع إعلامه بالخطوط الحمراء، لأن أطفالنا كثيرا ما يرون هذا الخوف الزائد عليهم كمن يريد أن يغلق عنهم وعليهم أبواب الدنيا.
وللأسف فإن كثيرا من التيارات الدينية والحركات الدعوية من ينهج هذا النهج فينفر ويدفع بالأطفال إلى الإعجاب بمن يبهره ويعرض عليه بضاعة مغرية مع غياب القيم.
أدرج هاهنا مثالا لطريقة تعاملنا مع الطفل لمواجهة مع تحفظي على هذا المصطلح لأن المواجهة فيها جهد مرهق وسلبية في التعامل، وأفضل بدلا عنها مصطلح الإندماج والتعامل الإيجابي مع الإعلام أو غيره.
المثال الذي أريد أن أدرجه هو من يريد تعليم الطفل السباحة، فقد يدفع الخوف الشديد المعلم أو الأب إلى أن يقرر عدم المغامرة أو يقرر التراجع عن تعليم السباحة لكي يسلم الطفل من كل خطر وهذا خطأ، أما الصواب فهو تعليم الطفل بمراحل كيفية التعامل مع الماء في أجواء شوق والأفق أن يصبح سباحا ماهرا، فهذا التدرج وهذا التعليم عبر مراحل وتبيان ما يجب أن يحذره وكيف؟ هو العمل الذي يجب علينا القيام به دون تهويل ولا تهوين وبأفق واضح. ما أريد أن أؤكد عليه أننا نريد إعداد ربانيين ذاكرين توطدت علاقتهم بربهم عبودية، وبرسولهم محبة، وبأمتهم حضورا مسؤولا في جميع مجالات تخصصهم ومواهبهم إتقانا وريادة،لا مجرد أجيال مدافعة منكمشة يحذرون كل ريح تهب بجوارهم.
ختاما أحب أن نتكلم عما يمكننا الإستفادة منه من الغرب الذين سبقونا في كثير من المجالات يجب علينا استدراكها، فالعلوم اليوم وغيرها من المجالات في يدهم يجتهدون فيها ويبتكرون لكنهم يفسدون بها ولا يصلحون، ودورنا اليوم مع هؤلاء الأطفال الذين نربي أن نسترجع هذا المستوى مستوى الإجتهاد في كل مجال كي نكون ممن آمن وعمل صالحا، نسترجع الاجتهاد للأيادي المتوضئة الذاكرة التي تخاف ربها فتعمل عملا صالحا، فمثلا الدول الاسكندنافية التي تركز في تعليم الطفل خلال السنوات الأولى على إنشاء شخصية قوية واثقة من نفسها وتكتشف ميولاتها ومواهبها، هذا مما يجب الإستفادة منه، وهناك أمر آخر مع هذا ألا وهو تلقين محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والسير إلى الله من خلال كل ما يراه الطفل أمامه من نماذج تجمع بين الاجتهاد في السير إلى الله والحظ من الدنيا إتقانا لمجال التخصص واستمتاعا بكل ما لا ينافي الشرع، وهو ولله الحمد كثير، عكس ما يريد الترويج له الأعداء كأننا عاكفون على العبادة إلى أن يحين موعد الرحيل.
وإلى جانب هذا المثال الدولي أختم لكم يمثال محلي عملي فقد كانت لنا تجارب مع أطفال قمنا بها في المغرب، حيث نظمنا دورات لرياضات بحرية، يستمتع بها الأطفال ويرون بأعينهم نماذج مؤطريهم.
فإن كانت هناك مدارس تجمع الأطفال لتعلمهم هذه الرياضات ويتعلمون من خلالها الكثير من العادات السيئة فهذا ليس داعيا أو دافعا لننسحب منها ونرفض الكل.
تجربتنا مع هؤلاء الأطفال تفتح الباب للأطفال ليعلموا أن العيب في تلك السلوكات، لا في الرياضة في حد ذاتها، وليروا نموذج مؤطرهم الذي يؤطرهم في وقت فراغه من عمله الأصلي في اختصاص ما يتقنه، يقوم لله مصليا ذاكرا، له حظ من الله خلال اليوم والليلة، والأطفال يرون، فلا يقحمون إلا في بعضها القليل كي يكون فعلها كتلك القطرة من الماء وما تفعله بالحصى أو الحجر مع مرور الوقت.
إذن فبدل التجديد أطرح فكرة الحضور حيث نحن غائبون ونخرج مما يرسخ عند أطفالنا أن الدين ضد كل ما هو جميل أو ضد *متاع الدنيا*.