منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الهزيمة النفسية: ما وراء “الاستعراض الرياضي” في العلاقات المغربية الفرنسية

منتصر عبد الغني

0

الهزيمة النفسية: ما وراء “الاستعراض الرياضي”

في العلاقات المغربية الفرنسية
بقلم: منتصر عبد الغني

لم تكن مباراةُ المنتخب المغربي ونظيره الفرنسي مجردَ نزالٍ رياضيٍّ خاضعٍ لقوانينِ اللعبةِ وموازينِ القوى التقنية في المستطيل الأخضر؛ بل كانت “مشهديةً رمزيةً” مكثفةً، تداخلت فيها خيوطُ السياسةِ الدوليةِ مع آلياتِ الوعيِ الجمعي. إنَّ ما شهدناهُ يتجاوزُ مفهومَ “الخسارة” كحدثٍ رياضي، ليطرحَ تساؤلاتٍ جوهريةً حولَ طبيعةِ العلاقةِ بين “المركز” الاستعماري وبين محاولاتِ “الأطراف” لانتزاعِ اعترافٍ بالندية.

المقايضةِ السياسية

إنَّ توقيتَ المباراة، الذي تلا زيارةً رئاسيةً فرنسيةً رفيعة المستوى، لم يكن بمعزلٍ عن “منطقِ المبادلةِ الرمزية”. ففي رقعةِ السياسةِ الواقعية، تُعدُّ الرياضةُ إحدى أهمَّ أدواتِ ضبطِ الإيقاعِ الشعبي. لقد بدا الأداءُ المغربيُّ في تلكَ المواجهةِ “بروتوكولياً” بامتياز، افتقرَ إلى تلك “النديةِ الخشنة” التي اعتدنا رؤيتَها في مواجهاتِ المنتخبِ ضدَّ القوى العظمى. وكأنَّ لسانَ حالِ المشهدِ كان يقرُّ بأنَّ “الاعترافَ السياسي” بالصحراءِ المغربية، والاتفاقياتِ الاقتصاديةِ المهمة، تتطلبُ “تهدئةً” في الميدانِ الرياضي، لضمانِ خروجِ “العرسِ السياسي” دونَ منغصاتٍ تُعكرُ صفو “السيادةِ الفرنسية” الرمزية.

استدعاءُ التاريخِ

لقد استحضرت فرنسا -بشكلٍ لا واعٍ أو ربما مقصود- تراثَها الاستعماري في توظيفِ “المستعمَرين” لخدمةِ أجندتِها، حين استقوت بلاعبين من أصولٍ إفريقيةٍ لتواجهَ بهم طموحاً مغربياً بدأ يكسرُ حاجزَ الخوف. إنها “الهيمنةُ بوجوهٍ مألوفة”؛ حيثُ يتمُّ إشعارُ الشعوبِ المقهورةِ بأنَّ انتصارَهم على “السيد” هو انتصارٌ مستحيل، لأنَّ السيدَ يملكُ حتى أدواتِ إخضاعِنا (أبناؤنا المهاجرون في منظومتهم).

أزمةُ “القميص”: انتحارُ الوعي

إنَّ أخطرَ تداعياتِ هذه الهزيمةِ لم تكن في شباكِ حكيمي، بل في شباكِ الوعيِ المغربي. تلك الأصواتُ التي روجت لمقولة “لو تبادلنا القمصان لفاز القميص الفرنسي” هي تجسيدٌ لمأساةِ “الاستلاب النفسي”. إنَّ تحولَ المشجعِ من “مُحفزٍ” إلى “مُبشرٍ بالهزيمة” هو دليلٌ على نجاحِ المركزِ في زرعِ عقدةِ النقصِ داخلَ الوجدانِ الشعبي. هذا الوعيُ المهزومُ لا يقفُ عند حدودِ كرةِ القدم؛ فمن يقتنعُ باستحالةِ التفوقِ في “لعبةٍ” كروية، سيجدُ مُبرراتٍ جاهزةً لتبعيةِ بلدهِ في التعليم، البحثِ العلمي، والقرارِ السياسي، معتبراً أنَّ “التبعية” هي القدرُ المحتومُ الذي لا مفرَّ منه.

خاتمةٌ

إنَّ هزيمةَ أمسِ كانت “عمليةَ إجهاضٍ” لكلِّ أملٍ في التحررِ النفسي من وهمِ “التفوقِ الغربي”. لقد أرادوا إفهامنا أنَّ السقفَ قد حُدِّد، وأنَّ “السيد” لن يسمحَ لـ “التابع” بأن يتجاوزَ أدوارَه المرسومة. إنَّ استعادةَ كرامتِنا لا تبدأُ في الملاعب، بل تبدأُ بكسرِ “وثنِ النديةِ المفقودة” في عقولنا، وبإدراكِ أنَّ التبعيةَ السياسيةَ ليست مجردَ توقيعاتٍ على أوراق، بل هي سلسلةٌ من الانكساراتِ اليوميةِ التي نبدأُ نحنُ بفرضِها على أنفسنا قبل أن يفرضها الآخرون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.