أحكام نقل الأعضاء: دراسة فقهية معاصرة
أحكام نقل الأعضاء: دراسة فقهية معاصرة/أحمد ابراهيم محمد
أحكام نقل الأعضاء: دراسة فقهية معاصرة
بقلم: أحمد ابراهيم محمد
مستشار شرعي وقانوني بالمملكة العربية السعودية
ملخص البحث
تحتوي الدراسة على التعريف بمفردات عنوان الدراسة، وبيان أنواع وأقسم نقل الأعضاء وحكمها الشرعي، مع توضيح المقصود بنقل الأعضاء، وتخريجها الفقهي.
وترجع أهمية الدراسة: أن تطور الطب وصل لمراحل عجيبة من هذه العمليات الدقيقة ووصلت إلى مستويات متقدمة عالميا أدت الى إنهاء معاناة كثير من المرضى كمرضى الكبد والفشل القلبي والكلوي والشك أن مثل هذه المستجدات، تحتاج إلى دراسة فقهية شرعية، وذلك لإقبال كثير على البحث عن العالج لإنهاء معاملاتهم، مما يتطلب إلى بيان حكم هذه المعاملات، التي تتعلق بإحدى الضروريات الخمس ألا وهو حفظ النفس .
ومن المتوقع أن تصل الدراسة إلى عدة نتائج من أبرزها: بيان سعة الشريعة لكل زمان ومكان، وأنه لا فصل بين الشريعة وبين حياة وشموليتها وأنها جاءت صالحاً الناس وأن الشريعة قادرة على بيان المستجدات في كل زمن مهما تكاثرت…
مقدمة:
إن الحمد لله نحمده وستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فال مضل له، ومن يضلل فال هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن الشريعة الإسلامية جاءت صالحة لكل زمان ومكان، ولا يخفى أن أحوال الناس تتغير وتتفاوت في كل فترة من الزمن، وهذه سنة كونية، ومن أبرز المجالات التي تتغير وتتفاوت بتغير الأزمنة والعصور، المسائل الطبية ونوازلها ومستجداتها، ومن أبرزها مسألة نقل الأعضاء وأحكام التبرع بها لاسيما وأن هناك تنظيمات داخل البلاد وخارجها تسمع بمثل هذه العمليات في ظل حاجة المرضى لإنقاذ حياتهم، بل قد جاءت الشريعة بحفظه النفس والاعتناء بها، لكونها أحد الضروريات الخمس، فأسال الله جل وعلا التيسير والسداد والاعانة في هذا البحث إنه سميع قريب .
أهمية الموضوع:
- بيان سعة الشريعة في الحكم على المستجدات والنوازل الطبية وغيرها.
- انتشار بعض الأمراض التي لا علاج لها الا عن طريق نقل العضو من انسان لآخر.
- علاقة هذه المسألة بحفظ النفس والتي هي أحد الضروريات الخمس.
الدراسات السابقة: من خلال البحث عن مسألة (نقل الأعضاء)، وجدت عدة دراسات تطرقت لهذه المسألة إما بالتفصيل والاجمال أو ذكرها ضمن بحوث عامة تتعلق بعمليات الجراحة أو التجميل ونحوها ومن جملة هذه الدراسات كالآتي:
-الأحكام الشرعية للأعمال الطبية، لأحمد شرف الدين وطبعت بمصر عام 1407هـ.
– نطاق الحماية الجنائية لعمليات زرع الأعضاء في الشريعة الاسلامية، قدمت هذه الرسالة استكمالًا لنيل درجة الدكتوراه لجامعة الأزهر.
– أحكام نقل أعضاء الانسان في الفقه الإسلامي، د. يوسف بن عبدالله الأحمد، قدمت كرسالة دكتوراه بجامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض لعام 1423هـ .
ووجه الاختلاف بين دراستي والدراسات السابقة: أن هذا البحث سيركز على أنواع نقل الأعضاء وأقسامها وأحكامها بالإضافة لحكم اشتراط المتبرع مبلغا مقابلا تبرعه وحكم أخذ المتبرع مبلغا من بيت المال كما هو معمول به في بالدنا والتكييف الفقهي لهذا المال
النتائج المتوقعة:
- إظهار حرص الشريعة على حفظ النفس وحرمة الاعتداء عليها.
- بيان سعة الشريعة وسماحتها في إباحة نقل أعضاء الانسان لحاجة.
- التعرف على الحكم الشرعي في مسألة التبرع بمقابل وبيع الإنسان لأعضائه اثناء حياته أو بعد وفاته.
- بيان شمولية الشريعة الإسلامية في صالح أحكامها وقواعدها في كل زمان ومكان .
منهج البحث: سيكون المنهج منهجا بحثيا استقرائيا مقارنا لمناسبته طبيعة البحث وسيرا على نظام الكلية في الأبحاث الأكاديمية المقدمة: وتشتمل على أهمية الموضوع وأسباب اختياره والدراسات السابقة وتاريخ نقل الأعضاء بالإضافة لمنهج البحث وخطته التمهيد: وفيه التعريف بمفردات البحث ونطاقه أولًا: تعريف النقل للأعضاء.
ثانيا: التعريف العلمي والشرعي للعضو.
ثالثا: التكييف الفقهي لنقل الأعضاء.
الفصل الأول: أقسام نقل الأعضاء.
المبحث الأول: نقل العضو من متوفي إلى حي.
المبحث الثاني: نقل العضو من مسلم إلى كافر.
المبحث الثالث: نقل العضو من كافر إلى مسلم.
المبحث الرابع: نقل العضو من حيوان إلى إنسان.
الفصل الثاني: نقل الأعضاء وبيعها.
المبحث الأول: نقل العضو بمقابل مادي، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: اشتراط المتبرع بالعضو مقابلا لذلك.
المطلب الثاني: تخصيص ولي الأمر مبلغا لمن قام بالتبرع بأعضائه.
المطلب الثالث: عطاء المريض أو أقاربه المتبرع مقابلًا على سبيل البيع أو الجعالة.
المبحث الثاني: نقل العضو من مهدر الدم، وفيه مطلبان:
الطلب الأول: المقصود بمهدر الدم في المسألة.
المطلب الثاني: أخذ الأعضاء من مهدر الدم دون موافقته أو ورثته.
الطلب الثالث: أخذ الأعضاء من مهدر الدم بموافقته أو بمقابل مادي.
الفصل الثالث: أنواع نقل الأعضاء.
البحث الأول: النقل الذاتي.
المبحث الثاني: النقل للأعضاء أو الأنسجة المتجددة.
المبحث الثالث:
- النقل للأعضاء التناسلية.
- النقل للأعضاء التي تسبب ضرراً في الغالب.
- النقل للأعضاء التي ال تسبب ضرراً في الغالب.
خاتمة.
المصادر والمراجع.
أولًا: تعريف النقل للأعضاء.
نقل الأعضاء يقصد به: (نقل قطعة من جلد إلى مكان آخر من بدنه، أو هو نقل عضو، أو دم من بدن إنسان متبرع به إلى بدن إنسان آخر، يقوم مقام ما هو تالف فيه، أو مقام ما لا يقوم بكفايته، ولا يؤدي وظيفته بكفاءة)([1]).
ويقصد بالعضو أي جزء من الإنسان من أنسجة ومن خلايا ومن دماء وغير ذلك مثل قرينة العين.
ولا يختل الأمر سواء أكان متصلاً به أم منفصلاُ عنه، والمقصود هو انتفاع الإنسان المنقول إليه بهذا العضو، حيث أنها استفادة قد دعت إليها ضرورة المستفيد من أجل استبقاء أصل الحياة أو المحافظة على وظيفة أساسية من وظائف الجسم مثل البصر وغير ذلك، بشرط أن يكون المستفيد يتمتع بحياة محترمة شرعاً([2]).
وقد اشتهر هذا الفعل بلقب: زراعة الأعضاء الإنسانية وكذا غرس الأعضاء، وكذلك انتفاع الإنسان بأعضاء الإنسان، وترقيع الأعضاء، والدم بخصوص اشتهر بلقب نقل الدم والتلقيح بالدم.
- تاريخ نقل الأعضاء:
موضوع نقل الأعضاء ليس أمراً حديثاً يشهده هذا العصر بل هو موضوع قديم قد عرفته البشرية منذ زمن بعيد، ففي العصر البرونزي عرف الإنسان “عملية التربنة”، وهذه يقصد بها إزالة جزء من عظم القحفة وذلك نتيجة إصابة الرأس ثم يجري إعادة العظم المأخوذ بعد فترة([3]).
كما ظهرت عمليات زرع الأعضاء في الإسلام, حيث أنه قد ورد في السنة أن قتادة بن النعمان- رضي الله عنه- أصيبت عينه يوم بدر وقيل أحد، فندرت حدقته، فأخذها في راحته للنبي- صلى الله عليه وسلم- فأخذها النبى – صلى الله عليه وسلم – ثم أعادها لموضعها، فكانت أحسن عينية وأحدهما بصراً([4])، وهي عند الأطباء أول عملية إعادة زرع العين([5])، وقد روي عرفجة بن أسعد قال: أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذت انفاً من ورق، فانتن على، فأمر بي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن أتخذ أنفاً من ذهب([6])، وظهرت عمليات نقل الأعضاء في أوربا، فقد حيث قام الجراح الإيطالي تاجلياكوزي في القرن السادس عشر الميلادي بإعادة تركيب أنف مقطوعة بواسطة رقعة من الجلد أخذها من الذراع لمدة أسبوعين، والتي قد استمرت هذه الطريقة في الاستخدام حتى أواسط القرن العشرين، والتي بقيت معروفة باسم تاجلياكوزي([7]).
ثانيا: التعريف العلمي والشرعي للعضو.
التعريف الشرعي للعضو البشري:
عرفه مجمع الفقه الإسلامي بتعريف شامل على أنه: أي جزء من الإنسان من أنسجة وخلايا ودماء ونحوها سواء كان متصلًا به أو انفصل عنه والدم يعتبر من أعضاء جسم الإنسان المتجددة([8]).
وقد أعطى هذا التعريف مفهوم واسع وفتح آفاق أمام عمليات نقل الأعضاء وزرعها ليشمل كل مكونات الجسم سواء كان نسيجًا أو خلايا أو دماء وكان يجب إضافة لما تسمح به الشريعة الإسلامية حتى لا تفتح مجالات أخرى، والملاحظ أن جل التشريعات العربية لم تعرف العضو البشري.
التعريف العلمي للعضو البشري على أنه:
ذلك الجزء المحدد من الجسم البشري الذي ينهض بأداء وظيفة أو عدة وظائف محددة مثل الكبد أو القلب أو الكلية([9]).
ثالثا: التكييف الفقهي لنقل الأعضاء.
من ميزات الشريعة الإسلامية أنها جاءت بنصوص كلية وقواعد عامة، ولم تنص على الأشياء في كثير من الأحيان بنصوص جزئية تفصيلية، فتركت مجالاً متسعاً للعقل، ليجتهد وفق ضوابط محددة، كما أنها راعت الظروف الطارئة والضرورات العارضة للإنسان، وقدرت لها قدرها، لذلك كانت وعاء يستوعب كل الحوادث الجديدة، وفي عصرنا كثرت المستجدات من النوازل المختلفة في كل المجالات، من ذلك المجال الطبي الذي عرف تقدماً كبيراً، فكان لا بد للفقه أن يواكب هذا التقدم، فالإسلام على مرّ العصور وضع حلولاً لكل ما يرد عليه من مشكلات، ومن هذه المشكلات موضوع زراعة الأعضاء، الذي يتعلق بالتداوي، فالإسلام شرع التداوي، فقد روي عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام) ([10]).
ومن خلال هذا الحديث يتبين لنا أن التداوي شرع بطرق الحلال لا الحرام، ولذلك فالنظر إلى نازلة زراعة الأعضاء يكون من عدة جوانب شرعية.
- بالنظر إلى المصلحة والمفسدة:
تعتبر نازلة زراعة الأعضاء من النوازل المعاصرة الحادثة، التي لم تثبت فيها نصوص قطعية تحكمها، وإنما هي قضية تدخل في إطار الاجتهاد المصلحي، والتي تقبل التعددية في الرأي، والتباين في الحكم يتجاذبها المنع والجواز.
فمن رأي عدم الجواز، فبالنظر إلى المفسدة الحاصلة التي ترجحت لديه، وباعتبار أن جسم الإنسان ملك لله فلا يحق التصرف فيه، ومردّ ذلك “أن في جسم الإنسان أعضاء، تعمل بغير إرادة الإنسان، كما هو الحال في القلب والجهاز العصبي، وغيرهما، مما يدل على أن الله سبحانه وتعالى هو المالك الحقيقي لهذا الجسم، وأما الأعضاء الظاهرة في الجسم، والتي يتمكن الإنسان من إدارتها كيف يشاء، فينبغي أن تكون تلك الإدارة، أو ذلك التصرف، مقيداً بإذن الله سبحانه، الذي هو – في الحقيقة – مالك الجسم ومبدعه”([11]).
أما من رأى الجواز فلترجيحه المصلحة على المفسدة، يقول الدكتور أحمد فهمي أبو سنة: “إن العلاج بهذه الأمور عمل تترتب عليه مصلحة للإنسان، كإنقاذ حياته وإعانته على تأدية مهمته بتكميل منفعة من منافعه، كمنفعة المشي والعمل بزرع الأرجل وزرع الأيدي، والعمل الباطني بزرع الكلية إلخ.. فيكون مباحاً شرعاً([12]).
- بالنظر إلى الكليات الشرعية:
وهي الكليات التي تقوم عليها حياة الناس الدينية والدنيوية، وهي التي لا تستقيم الحياة الدنيا إلا بها، وبها تحصل النجاة في الآخرة، وتندرج تحت المصالح الضرورية التي عليها يقوم نظام الحياة، وبدونها تضيع مصالح الناس، وتعم الفوضى ويحصل الاضطراب في المجتمع.
ويقول الشاطبي: “فأما الضرورية، فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين”([13]).
والمصالح الضرورية تتجلى في خمسة أمور، يقول الشاطبي: “ومجموع الضروريات خمسة، وهي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وقد قالوا إنها مراعاة في كل ملة”([14]).
وما يهمنا هنا هو كلية حفظ النفس، فالله تعالى جعل النفس الإنسانية عزيزة، بتكريم الإنسان على سائر المخلوقات، يقول تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) ([15])، ولقد شرع الله سبحانه وتعالى من الأحكام ما يحفظ شهوه النفس، ويحميها من كل عدوان بالقتل أو غيره، لذلك كانت جريمة القتل من أكبر الكبائر، قال سبحانه وتعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) ([16]).
كما نهى الله تعالى عن التسبب في إتلاف النفس بقوله: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ([17])، وقد جعل الله التداوي وسيلة لعلاج الأمراض اللاحقة بالذوات حماية لها من الهلاك، وحفظ الجسد من الإتلاف بمنزلة حفظ النفوس، فلا يحق لأحد أن يقطع جزءاً من أطرافه إلا أن تثبت مصلحة في ذلك، كما في قطع الأعضاء المتآكلة، أو قطعها في قصاص، لحرمة إلحاق الضرر به.
وقد اختلف الفقهاء في مسألة قطع الأعضاء من جسم لزرعها في آخر، قصد التداوي حيث اعتبر البعض أن في ذلك مصلحة حفظ النفوس والضرورة تقتضي ذلك، بينما اعتبر الطرف الرافض أن المحافظة تقتضي إبقاء العضو في مكانه.
- بالنظر إلى الضرورة:
من القواعد: “الضرورات تبيح المحظورات”، والمراد بالضرورة الحاجة الملحة التي تلجئ الإنسان إلى فعل الممنوع لينقذ نفسه من الهلاك، ومعنى القاعدة أنه في حال الاضطرار يجوز الإقدام على فعل المحرّم نحو تناول الميتة، والدم، والخمر، والخنزير، لقوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) ([18])، وساقها تاج الدين السبكي في “الاشتباه والنظائر” بهذا اللفظ (الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها) أي بشرط أن تكون الضرورة أكثر من المحظور وأن تكون في نظر الشرع، قال “ومن ثم جاز بل وجب – على الأصح – أكل الميتة للمضطر، إلا أن يكون نبياً، لأن حرمته أعظم من مهجة المضطر غير النبي“([19]).
ومرد ذلك في نازلة زراعة الأعضاء إلى أن الضرورة أو الحاجة قد تقتضي هذا النقل، لإنقاذ شخص مريض أو مصاب في حادثة، مع وجود استعداد لدى هذا النقل، لإنقاذ شخص مريض أو مصاب في حادثة، مع وجود استعداد لدى شخص سليم يقبل هذا النقل ويرضى به.
يقول الدكتور أحمد فهمي أبو سنة: “ومعلوم أن الله تعالى أمر بالمداواة، وجعل خلاص الإنسان من مرضه المخوف ومن اشتداده وامتداده ضرورة تستباح لها المحرمات، بشرط أن تكون إزالة هذه الضرورة بالمحرم مقطوعاً بها أو غالبة على الظن، وبشرط ألا يزال الضرر بضرر أعظم منه أو مساوٍ له، وبشرط أن يتعين العمل الممنوع لإزالة هذه الضرورة”([20]).
الفصل الأول:أقسام نقل الأعضاء
المبحث الأول: نقل العضو من متوفي إلى حي.
اختلف العلماء المعاصرون في حكم نقل الأعضاء من الإنسان الميت للإنسان الحي، وذلك على اتجاهين:
الاتجاه الأول: ذهب فريق من العلماء لجواز نقل الأعضاء من الأموات للأحياء وفق شروط.
وقد قال بهذا الرأي جمع كبير من العلماء، على رأسهم الدكتور محمود السرطاوي([21])، والدكتور محمد نعيم ياسين([22])، والدكتور أحمد شرف الدين([23]).
إلا أن هؤلاء العلماء قد اشترطوا لجواز نقل الأعضاء من الأموات للأحياء مجموعة من الشروط، هي:
- تحقيق الضرورة([24]).
- أن يكون الاقتطاع لإنقاذ الغير، بحيث لا يغني عنه سواه من أعضاء حيوان أو من أي عضو صناعي([25]).
- كذلك أن تتم عملية أخذ العضو وكذا نقله بشكل رفيق وذلك من أجل أن تكون هناك محافظة على كرامة الميت ثم يعاد رتق المكان الذي قد أخذ منه([26]).
- كذلك يشترط وجود أو حصول موافقة من قبل الميت قبل موته وتبرعه بأعضاء جسمه، أو من خلال موافقة من قبل ولي الدم على جراحة قطع العضو من الجثة([27]).
- كذلك يشترط عدم بيع الأعضاء، أو أخذ بدل مادي من قبل الميت قبل وفاته أو من قبل ورثته([28]).
- كذلك يلزم التحقق من الموت: فتظهر أهمية ذلك بالنسبة للأعضاء الضرورية للحياة مثل القلب مثلاً، وهي التي لا يجوز استقطاعها أثناء الحياة وإلا أدى استقطاعها للموت([29]).
- كذلك فإن مصلحة المريض المتلقي لا بد من توافرها، وأن يكون مكلفاً([30]).
- كذلك يلزم أن تؤمن الفتنة ممن أخذه ممن أخذه منه([31]).
- ويلزم أيضًأ أن تكون العملية من خلال طبيب ماهر([32]).
- يلزم كذلك ألا يترتب على الإذن بعد الوفاة تمثيل([33]).
- يجب أن يتم استقطاع الأعضاء، وزرعها في جسم المريض في مؤسسات رسمية توكل إليها هذه المهمة من قبل الدوائر الصحية المعنية، مع الاهتمام بأجهزة الرقابة للتأكد من موت الإنسان وعدم حصول المعارضة([34]).
واستدل القائلون بالجواز بالأدلة التالية:
- أولاً: القرآن الكريم:
قوله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) ([35]).
وجه الدلالة: الآية عامة في جميع أنواع المحرمات وهي التي قد يضطر إليها الإنسان، ولا يوجد فرق بين ما كان لضرورة التغذي وبين التداوي، وكذا بين عملية زرع الأعضاء من باب التداوي ([36]).
- ثانياً: السنة المطهرة:
أ-ما روى عن أبي الدرداء-رضي الله عنه-أنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: (إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداوا ولا تتداول بحرام) ([37]).
وجه الدلالة: أن الحديث قد أباح التداوي لجميع الأمراض، ولا شك أن عملية زرع الأعضاء هي من قبيل التداوي، والتداوي بالمحرم ممنوع في الأحوال العادية، وأما في حالات الضرورة فالمحرم يصبح فيها مباح([38]).
ب-عن عرفجة بن أسعد-رضي الله عنه-قال: أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذت أنفاً من ورق، فأنتن على، فأمرني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن أتخذ أنفاً من ذهب) ([39]).
وجه الدلالة: أن استعمال الذهب محرم على الرجل، وقد اعتبر النبي-صلى الله عليه وسلم- التشويه من الوجه من الضرورات([40]).
- ثالثاً: قاعدة الضرر الأخف يتحمل لدفع الضرر الأعظم([41]).
- رابعاً: الموازنة بين المصالح والمفاسد، وبين المنافع وبين المضار، حيث أن مصلحة الحي برعاية إنقاذ حياته أعظم من مصلحة الميت بانتهاك حرمة بدنه وقد فارقته الحياة وأذن به ([42]).
- خامساً: القول بالجواز يتفق مع ما رآه جمهور الفقهاء وهم القائلين بجواز لحم الميتة بشكل مطلق في حال الضرورة([43]).
- سادساً: لا منافاة بين زرع الأعضاء من الأموات، ولا بين الكرامة الإنسانية، والسبب في ذلك هو احتجاج الفقهاء بالكرامة الإنسانية والمحمول في زمانهم من أن التداوي بالميت من الممكن أن يكون عن طريق أخذ جزء من لحم الميت أو عظمه ثم طبخه ثم تناوله أو نحو ذلك([44]).
- سابعاً: كما أن الفقهاء الأقدمين قد أفتوا بجواز شق بطن الميت في حوادث اضطرارية:
ورد في المجموع: (وإن بلغ جوهرة لغيره وطالب بها صاحبها شق جوفه وردت الجوهرة له) ([45]).
وقال: (…. وإن مات امرأة وفي جوفها جنين حي شق جوفها، لأنه استبقاء حي بإتلاف جزء من الميت، فأشبه إذا اضطر إلى أكل جزء من الميت) ([46]).
الاتجاه الثاني: ذهب فريق من العلماء إلى عدم جواز نقل الأعضاء من الميت إلى الحي.
وممن قال بذلك: الشيخ حسن السقاف ([47])، والشيخ محمد برهان السنبهلي([48])، وقد استدل المانعون لنقل الأعضاء من الميت بما يلي:
- أولاً القرآن الكريم:
قوله تعالى: (لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ) ([49]).
وجه الدلالة: أن النقل من الميت إلى الحي ينافي الكرامة البشرية بصفة عامة وتكريم الإنسان الميت بصفة خاصة([50]).
- ثانياً: السنة النبوية:
- قوله-صلى الله عليه وسلم: (كسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الإثم) ([51]).
وجه الدلالة: أن احترام الإنسانية يشمل الحي والميت، كليهما على السواء وإن عظم الميت له حرمة عظم الحي، فكان كاسره في انتهاك الحرمة ككاسر عظم الحي ([52]).
أحاديث النهي عن المثلة:
ومنها أنه كان رسول-صلى الله عليه وسلم-إذا أمر أميرا على جيش أو على سرية فإنه يوصي في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: أغزوا باسم الله في سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، وأغزوا ولا تغلوا، ولا تغدوا ولا تمثلوا([53]).
وجه الدلالة: أن الحديث دل على أن المثلة محرمة شرعاً، وهي تشويه لصورة الإنسان، ونقل الأعضاء مثله([54]).
- ثالثاً: المعقول:
- النقل من الميت للحي هو من قبيل التصرف الذي لا يجوز، والسبب في ذلك أنه يعد في غير ملكه ولأن الوديعة أو الأمانة لديه، فالإنسان لا يملك جسده بل هو وديعة الله([55]).
كما أن درء المفاسد مقصود شرعاً، وفي التبرع مفاسد عظيمة تربو على مصالحه إذ فيه إبطال لمنافع أعضاء الجسم المنقولة مما قد يؤدي إلى الهلاك أو على الأقل إلى التقاعس عن أداء العبادات والوجبات([56]).
- رابعاً: سد الذرائع([57]).
فالقول بإباحة نقل الأعضاء من الميت:
- يؤدي ذلك لتفويت واجب شرعي وهو دفن الميت وأعضائه بالتالي فيكون حرام.
- يؤدي ذلك شيوخ التجارة بالجثث وأعضاء الأموات، حيث يتخذ الفقراء والمساكين من ذلك موردا لهم.
وبعد المناقشة المستفيضة بين أعضاء مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته الثامنة رأي المجلس أن استدلالات القائلين بالجواز هي الراجحة، ولذلك فقد انتهى المجلس للقرار التالي:
أولاً: إن أخذ عضو من جسم الإنسان حي، وزرعه في جسم إنسان آخر مضطر إليه لإنقاذ حياته، أو لاستعادة وظيفة من وظائف أعضائه الأساسية هو عمل جائز لا يتنافى مع الكرامة الإنسانية بالنسبة للمأخوذ منه، كما أن فيه مصلحة كبيرة وإعانة خيرة للمزروع فيه، وهو عمل مشروع وحميد إذا توافرت فيه الشروط التالية:
- ألا يضر أخذ العضو من المتبرع به ضرراً يخل بحياته العادية، لأن القاعدة الشرعية أن الضرر لا يزال بضرر مثله ولا بأشد منه.
- أن يكون إعطاء العضو طوع من المتبرع بدون إكراه.
- أن يكون زرع العضو هو الوسيلة الطبية الوحيدة الممكنة لمعالجة المريض المضطر.
- أن يكون نجاح كل من عمليتي النزع والزرع محققاً في العادة أو غالباً.
ثالثا: تعتبر جائزة شرعاً بطريق الأولوية في الحالات التالية:
- أخذ العضو من إنسان ميت من أجل إنقاذ آخر مضطر إليه، وذلك بشرط أن يكون المأخوذ منه مكلفاً وقد أذن بذلك حال حياته.
- أن يؤخذ العضو من حيوان مأكول مذكي بشكل مطلق أو غيره في حال الضرورة من أجل زرعه في إنسان مضطر إليه.
- أخذ جزء من جسم الإنسان لزرعه أو الترقيع به في جسمه نفسه، مثل أخذ قطعه من جلده أو عظمه لترقيع ناحية أخرى من جسمه بها عند الحاجة إلى ذلك.
- وضع قطعة صناعية من معادن أو مواد أخرى في جسم الإنسان لعلاج حالة مرضية فيه كالمفاصل وصمام القلب وغيرهما.
ومن خلال الاستقراء للآراء ولأقوال العلماء وأقوال الفقهاء نرى أن الشريعة قد أجازت تشريح الميت وأجازت كذلك نقل عضو من أعضائه سواء كان حي أو كان ميت للأخر الحي من أجل حفظ حياته أو حفظ سلامة أعضائه، حيث أن هذه من المسائل المستجدة التي لم تكن معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا من خلفه لذلك يؤخذ الحكم من عموميات القواعد والأدلة الشرعية، والذي يرى أن التشريح ونقل الدم جائز شرعا، ويستدل على هذا:
- أولاً: أن حفظ الكليات الخمس (النفس، العقل، الدين، الشرف، المال) واجب شرعاً عند العلماء، ومن ذلك حفظ النفس بإنقاذ حياة مسلم أو سلامة عضو من أعضائه بنقل من حي أو ميت.
- ثانياً: يستدل بروح الشريعة وقواعدها العامة التي تقول: (الضرورات تبيح المحظورات) ([58])، (والضرورة تقدر بقدرها) ([59]).
يرى أن جواز النقل يجب أن يكون مقيداً بالشروط الآتية، لحفظ كرامة الميت ولئلا يتخذ للعبث والإهانة:
- أن تكون هناك موافقة خطية المتبرع في حياته ثم موافقة أبويه أو وليه بعد وفاته أو موافقة ولي الأمر المسلم إذا كان المتوفى مجهول الهوية.
- أن يكون المتبرع له محتاجاً أو مضطرا إلى العضو المتبرع به، وأن تتوقف حياة المنقول له على ذلك العضو وتتوقف سلامة أحد أجهزة الجسم عليه، وذلك بتقرير من لجنة طبية موثوقة في دينها وعلمها وخبرتها.
- إن كان المنقول منه العضو أو الدم حيا فيشترط ألا يقع النقل على عضو أساسي للحياة إذا كان هذا النقل قد يؤدي لوفاة المتبرع ولو كان ذلك بموافقته.
- ألا يحدث النقل تشويها في جثة المتبرع.
- لا يجوز أن يتم التبرع مقابل بدل مادي أو بقصد الربح.
هذا وإن اللجنة تذكر بأنه لابد من الاحتياط والحذر في ذلك أي أن التشريح أو نقل الأعضاء من حي إلى حي أو ميت إلى حي أو نقل الدم من حي إلى آخر. حتى لا يتوسع فيه الناس بلا مبالاة وليقتصر فيه على قدر الضرورة إذ هي علة الحكم الذي يدور معها وجوداً وعدماً وليتق الله الأطباء الذين يتولون ذلك وليعلموا أن الناقل بصير والمهيمن قدير والله يتولى هداية الجميع([60]).
المبحث الثاني: نقل العضو من شخص لآخر سواء كان مسلم أو غير ذلك
للعلماء المعاصرين قولين مشهرين([61]).
- القول الأول: المنع مطلقاً سواءً كان حياً أو ميتاً:
ممن قال بهذا القول: لشيخ عبد الله بن الصديق الغماري – الدكتور حسن علي الشاذلي، ومما استدل به:
عموم آيات حفظ النفس منها
– قوله تعالى: (ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ) البقرة: 195
– قوله تعالى: (ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) النساء: 29
وجه الدلالة: أن الله نهى عن قتل النفس، وبتر العضو منها لغير مصلحتها قتل للعضو قد يؤول إلى قتلها.
قوله تعالى: (ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) الإسراء: 70
وجه الدلالة: التكريم يقتضي المحافظة على أبدانهم على نحو ما أمر به الشرع
قوله تعالى: (وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) المائدة: 45
وجه الدلالة: أعطيت جوارح الإنسان من الحرمة ما أعطته النفس.
أخرج مسلم: أن رجل مرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتى مات فرآه الطفيل بن عمرو في منامه فرآه وهيئته حسنة ورآه مغطياً يديه فقال له ما صنع بك ربك فقال غفر لي بهجرتي إلى نبيه – صلى الله عليه وسلم – فقال ما لي أراك مغطياً يديك قال قيل لي لن نصلح منك ما أفسدت([62]).
وجه الدلالة: من تصرف بعضو من جسده فإنه يبعث يوم القيامة ناقصاً.
أخرج الترمذي: نظر بن عمر يوماً إلى البيت أو إلى الكعبة فقال ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب([63]).
وجه الدلالة: عظيم حرمة المؤمن عند الله.
يفهم من هذه الأدلة وغيرها أن نفس الإنسان ليست ملكاً له يتصرف فيها كيفما شاء.
- القول الثاني: جواز النقل ولهم في ذلك تخصيص أحوال دون أحوال:
جواز النقل من المسلم الحي دون الميت، ويستثنى من هذا القول نقل الخصيتين والمبايض وهي نازلة لم تبحث إلا منذ سنوات قريبة وسوف أجعلها في مسألة مستقلة.
جواز النقل من الحي إذا كان المنقول شيئاً يسيراً لا تضعف بسببه الصحة كالجلد.
قصر الجواز على نقل الكلية.
جواز نقل ما يمكن نقله من أعضاء الإنسان لإنقاذ المسلم من الموت، بشرط ألا يؤدي إلى تهلكته.
مما استدل به المجيزون:
آيات الضرورة ومنها: قوله تعالى: (إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنزِيرِ ومَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ولا عَادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) البقرة: 173 وقوله تعالى: (إلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ) الأنعام: 119
آيات الإيثار: قوله تعالى: (ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) الحشر: 9
من السنة: بما رواه النسائي وغيره من حديث عرفجة بن أسعد بن كريب قال وكان جده قال حدثني أنه رأى جده قال أصيب أنفه يوم الكلاب في الجاهلية قال فاتخذ أنفاً من فضة فأنتن عليه قال فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذه من ذهب([64]).
وجه الدلالة: لا يجوز استخدام الذهب فمن اضطر إليه جاز له، وأعضاء الآدمي كذلك.
أخرج مسلم من حديث جابر بن عبد الله يقول لدغت رجلاً منا عقرب ونحن جلوس مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم -. فقال رجل يا رسول الله أرقي قال “من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل([65]).
وأخرج مسلم من حديث أبي موسى قال قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً”([66]).
من القواعد الفقهية: قواعد شرعية معتبرة مستنبطة من النصوص الشرعية، فيها تيسير على عباد الله
الضرورات تبيح المحظورات.
الضرر يزال.
المشقة تجلب التيسير.
الحاجة تنزل منزلة الضرورة.
إذا ضاق الأمر اتسع.
ومما اتفق عليه أصحاب القولين أن نقل الأعضاء الفردية التي يؤدي نقلها إلى قتل الشخص المنقولة منه لا يجوز قولاً وأحداً فيما وقفت عليه.
المبحث الثالث: نقل العضو من حيوان إلى إنسان.
اتفق العلماء المعاصرون على جواز نقل الأعضاء من الحيوان إلى الإنسان ومن هؤلاء العلما، مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابط العالم الإسلامي، والدكتور محمود السرطاوي([67])، والدكتور محمد الشنقيطي ([68]).
فإن كان الأخذ من حيوان مأكول ومذكي فيجوز مطلقاً، أما إن كان من حيوان نجس فلا يجوز إلا بشرطين:
الأول: أن يكون الشخص المريض في حاجة إلى نقل عضو الحيوان النجس إليه، ويتحقق الشرط بشهادة الأطباء المختصين بهذه الحالة. وشدد البعض فاشترط الاضطرار إلى عضو الحيوان النجس.
الثاني :أن لا يوجد العضو الطاهر الذي يمكن أن يقوم مقامه([69]).
واستدل العلماء على جواز نقل العضو من الحيوان الطاهر إلى الإنسان من القرآن الكريم، والقياس.
أولا: من القرآن الكريم:
- قوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) ([70]).
- وقوله تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) ([71]).
- وقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) ([72]).
وجه الدلالة من الآيات: (إن حل الحيوان وإن كان الغرض الأكبر منه الأكل، إلا إن إضافة الحكم إلا الصيد يؤذن بحل سائر طرق الانتفاع، مما يعم ما نحن فيه من نقل أعضائه إلى أحد الناس المحتاجين إليه)) ([73]).
- وقوله تعالي: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) ([74]).
- وقوله تعالي: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) ([75]).
وجه الدلالة من الآيتين: (إن من معاني التسخير الانتفاع كما يؤيده حرف اللام في ” لكم” أي: لانتفاعكم به، ويقتصر هذا الانتفاع على المباح شرعاً في حالة السعة والاختيار) ([76]).
ثانياً: القياس:
عموم الأدلة الدالة على مشروعية التداوي والندب إليه كما في حديث “تداووا”، والتداوي بأعضاء هذا الضرب من الحيوان يعتبر كالتداوي بسائر المباحات بجامع طهارة الكل، وإذن الشرع في الانتفاع بها([77]).
واستدل العلماء على جواز أخذ العضو من الحيوان النجس للحاجة، وعدم وجود ما يقوم مقامه: (أن أبيح أكل المحرمات الشرعية عند الضرورة، والنقل أقل من الأكل شأناً إذ ليس فيه استهلاك) ([78]).
وفي هذه الحالة لا حرج في قيام الطبيب بنقل العضو النجس وجزئه، ولا يعد وجود العضو النجس في جسم المريض مؤثراً في صلاته وعبادته التي تشترط لصحتها الطهارة ([79]).
يتضح مما تقدم جواز نقل عضو الحيوان الطاهر إلى الإنسان مطلقاً، أما العضو الطاهر لا يجوز نقلة إلى الإنسان إلا الحاجة والضرورة ونقول أن اكل الحيوان الطاهر لا يجوز إلا بعد ذبحه ذبحاً شرعياً والنقل يتم والحيوان حي. فحكم من فصل من الحيوان مما تحله الحياة فهو حرام ونجس باتفاق استناداً لقوله تعالى (حرمت عليكم الميتة والدم) وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-إن الله انزل الداء والدواء. وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام) ([80]).
وعن طارق بن سويد الحضرمي، قال: قلت يا رسول الله! إن بأرضينا أعناباً نعتصرها فشرب منها؟ قال لا، فراجعته، قلت: إنا نستشفي به للمريض. قال: إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء) ([81]).
الفصل الثاني:نقل الأعضاء وبيعها
وهذا الفصل نتعرض لمبحثين الأول في نقل العضو بمقابل مادي، والثاني لنقل العضو من مهدر الدم، وذلك على النحو التالي:
المبحث الأول: بيع العضو بمقابل مادي
أجمع الفقهاء على حرمة بيع الإنسان الحر وبطلانه حيث لم يعتبروه مالا، لما صح عن الرسوم عليه السلام انه قال: “قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا واكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً، فأستوفى منه ولم يوفه أجره”([82]).
وإجماع فقهاء الشريعة الإسلامية على عدم جواز بيع الآدمي فيه تكريم من الخالق عز وجل لمخلوقه، حيث وان كان هذا الأخير له سلطان على جسده البشري إلا أنه مستأمن فيه، إذ الرقبة للخالق سبحانه.
ومقابل هذا الإجماع الفقهي على عدم جواز بيع الآدمي أو أجزاء منه([83])، ثار خلاف حول لبن المرضعة فالحنفية تذهب إلى القول بأنه لا يجوز التعاقد على بيع لبن المرضعة إذا كان في إناء ويستوى في ذلك كله الحرة والأمة، بل إن من الفقهاء من يذهب إلى القول بأنه مكروه بيع لبن المرضعة مطلقا([84])، لأنه جزء من الآدمي، وهذا الأخير مكرم شرعا فكذلك جزؤه([85])، إلا أن هناك من يقول بصحة هذا القول ومسندهم في ذلك قوله تعالى: ” فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ “([86]).
كما لم يجز الفقهاء بيع شعر الآدمي لورود النص في ذلك حيث قال عليه السلام: “لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة”([87]).
كما وقع تحريم بيع جلد الإنسان وعظمه لعدم إمكان الانتفاع بهما إلا بأساليب تتعارض مع التكريم الذي خصه الله تعالى للإنسان فببيع أعضاء الإنسان بغرض الربح والتجارة وعلى سبيل التداول وتحقيقا للكسب المادي، فيه من المهانة والازدراء ما يتنافى والقيم الإنسانية.
لذلك فمن اشترى عضوا آدميا اكتسب عليه حق بالانتفاع لكنه مقيد بمشروعية استخدامه واستعماله في غير ما أنيط به، أو تداوله والاتجار به فهو حرام .
المبحث الثاني: نقل العضو من مهدر الدم
المطلب الأول: المقصود بمهدر الدم في المسألة:
يرى بعض الفقهاء أن غير معصوم الدم وهم الذين حكم عليهم بالإعدام قصاصا، أو حدا مثل: المرتد، الزاني المحصن، والمحارب، وتارك الصلاة…، يجب أن يؤخذ إذنهم، أو إذن عصبتهم الشرعيين بما يراد أخذه من أجسامهم بعد الإعدام، فإن أذنوا أخذنا، وإلا فلا، لأن الحكم عليهم بالإعدام لا يعني التصرف في أجسامهم بعد موتهم بغير إرادتهم([88]).
أما النقل إلى غير معصوم الدم فقد تباينت فيه الآراء، فبعضهم يرى أنه لا يجوز نقل العضو إليه، لأن نقل العضو إنما جاز لإنقاذ حياة المريض المضطر من الهلاك، ومهدور الدم حياته مستحقة الإزالة شرعا، وهو في نظر الشرع في حكم الميت، لأنه آيل لا محالة إلى الموت، وعليه فلا يجوز نقل العضو إلى الكافر الحربي، والمرتد، وتارك الصلاة، والزاني المحصن، الذي وجب الحد الشرعي، وقاطع طريق قاتل، وقاتل متعمد استحق عليه القصاص ولم يسقط بسبب من أسباب السقوط.
وبعضهم يرى أن المهدر دمه إذا وجب تأخير تنفيذ الحكم فيه لعذر شرعي كالغامدية([89])، فإنه يجوز التبرع لها استثناء، وذلك رعاية لمصلحة الجنين والرضيع، ولأن في إقامة الحد عليها إتلافا لمعصوم، وقد اتفق الفقهاء([90])، على أنه لا يقام الحد على حامل حتى تضع، ولا تقتل إذا ارتدت، ولا ترجم إذا زنت، فالشرع قد أعطاها الحق في الحياة إلى أن تحين اللحظة التي يجب التنفيذ فيها، وذلك لارتباط حياة الجنين باستمرار حياتها إلى أوان الوضع، فلها الحق أن تعيش بصحة وعافية، وأن لا تحرم من العلاج والمداواة حتى ولو كان العلاج هو زرع عضو في جسدها.
المطلب الثاني: أخذ الأعضاء من مهدر الدم.
فإذا طالعنا أقوال علماء العصر في المسألة فسنجد أن الذين تكلموا في موضوع نقل وزراعة الأعضاء كثير، لكن لم يتطرق إلى مسألة نقل الأعضاء من المحكوم عليه بالقتل إلا قلة صرحت بذلك، وهم مختلفون بين مانع ومجيز، وقد أثارت مجلة الأطباء المصرية([91])، هذا الموضوع، واختلاف الأطباء فيه بين مؤيد لذلك ومعارض له.
فالمجيزون يرون ضرورة الاستفادة بأعضاء من أهدر دمه وتيقن قتله، لأنها ستعود إلى التراب، ومن الأحياء من أشرف على الهلاك وهو في حاجة إليها. وفي المقابل عارض هذا الرأي كثيرون من أساتذة الطب وغيرهم، وبينوا أن الإنسان ليس بآلة أو سيارة تفك ويعاد تركيبها، وتباع مستعملة أو جديدة، ولكنه أعظم ما خلق الله تعالى في هذا الوجود، فهذا القول غير مقبول شرعاً ولا أخلاقاً، ويتعارض مع صريح قول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَم…َ) ([92]).
وقد قال بالجواز في هذه المسألة، أي جواز نقل الأعضاء من المحكوم عليه بالقتل جماعة من أهل العلم من المعاصرين نذكر منهم، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي([93])، والدكتور محمد نعيم ياسين([94])، والدكتور صالح بن عبد الله بن حميد([95])، وآخرون([96])، وهؤلاء منهم من أطلق القول بجواز نقل أعضاء المحكوم عليه بالقتل، وجاءت عبارته مجملة تحتمل قبل القتل وبعده، ومنهم من فصل في المسألة.
قال الدكتور محمد نعيم ياسين: “المتبرع إذا كان فاقداً لتلك العصمة، بأن كان محكوماً عليه بالإعدام لا محالة، فإن هذا يعتبر في عملية الوزن، ويترتب على اعتباره إغفال جميع المصالح الصحية للمتبرع عند القيام بتلك العملية، ويبقى في الميزان الاعتبارات والمصالح الأخرى للمتبرع، كحقه في عدم تعذيبه والتمثيل به”([97]).
وقال الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد: يجوز نقل أجزاء من حي حل قتله كالحربى، والزاني المحصن، والمرتد، ومن فعل فعل قوم لوط، أخذاً مما صرح به الشافعية وبعض الحنابلة من جواز أكل المضطر من جسم إنسان مهدر الدم، ومستند ذلك: يتحمل الضرر الأخف لدرء الضرر الأشد. وإذا جاز أكله عندهم فجواز اقتطاع عضو منه ليزرع في جسم معصوم مشرف على الهلاك من باب أولى”([98]).
وقال الدكتور عارف على عارف: “إذا كان المحكوم عليه بالإعدام لن يستفاد من نقل أعضائه بعد تنفيذ الحكم، فلا ارى مانعاً من نقل أعضائه بعد تخديره، دون أن يمسه أدنى ألم أو تعذيب، ويتم بعد ذلك إكمال تنفيذ الحكم فيه بأي وسيلة تنهي حياته باعتباره مهدر الدم، وحياته مستحقة الإزالة شرعا”([99]).
وعن تعارض ذلك مع الكرامة الإنسانية، يقول الدكتور محمد سعيد البوطي: فمن المعلوم أن هذه الكرامة تصبح مهدرة بتحقق موجب القتل وإلا لما أوجبت الشريعة الإسلامية قتله، وقد تبين من صريح قول الله عز وجل: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ([100])، أن الكرامة التي ميز الله الإنسان بها ليست نابعة من جوهر بشريته حتى تكون ملازمة له في كل الحالات، وإنما هي وصف يلازمه ما كان متجاوباً مع فطرة عبوديته لله عز وجل، مستقيماً لأمره وسلطانه”([101]).
يتضح من هذه النقول التي نقلناها عن بعض أهل العلم الذين قالوا بالجواز في المسألة:
- أن مهدر الدم فاقد للعصمة وحياته مستحقة الإزالة شرعاً، وهذا يسوغ القول بجواز انتزاع أعضائه للاستفادة منها.
- الأصل في ذلك ما صرح به الشافعية وبعض الحنابلة من جواز أكل المضطر من جسم إنسان مهدر الدم، ومستند ذلك: يتحمل الضرر الأخف لدرء الضرر الأشد. وإذا جاز أكله عندهم فجواز اقتطاع عضو منه ليزرع في جسم معصوم مشرف على الهلاك من باب أولى.
- لا يتعارض هذا الحكم مع الكرامة التي ميز الله الإنسان بها، لأن هذه الكرامة أصبحت مهدرة بتحقق موجب القتل، لأنها وصف ملازم له بلزومه الطاعة لله تعالى ويزول بزوالها.
- تتفق الأقوال على أن حق مهدر الدم المحكوم عليه بالقتل في هذه العملية هو عدم تعذيبه والتمثيل به.
القول الثاني: في مسألة بحثنا، وهو القول بعدم جواز نقل أعضاء المحكوم عليه بالإعدام يدخل في عموم المنع، ويمثل هذا الاتجاه عدد من علماء العصر.
ومن المعاصرين من نص على تحريم نقل الأعضاء من المحكوم عليه بالقتل، ومن هؤلاء الدكتور وهبة الزحيلي، والدكتور علي محيي الدين القرة داغي، والدكتور محمد فوزي فيض الله، وآخرون([102]).
قال الدكتور وهبة الزحيلي: “كذلك نرى أنه لا يجوز استئصال عضو من إنسان يوشك أن يموت كالعين والقلب، لإعطائه إلى إنسان آخر تحت ستار الضرورة والرحمة المزعومة بالإنسانية، إذ أن أجزاء الإنسان ليست مملوكة له، ولا يمكن القطع بموت المريض، إذ إنه لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه([103]).
وقال الدكتور علي محيي الدين القرة داغي: “لا يجوز نقل الأعضاء التي لا يعيش الإنسان المحكوم عليه بالإعدام بدونها، سواء أذن أو لم يأذن. ولكن يجوز له أن يوصي بأعضائه لأي شخص كان بعد إعدامه مباشرة – ما عدا الأعضاء المسؤولة عن التوريث، مثل الخصيتين والمبيض – وكذلك يجوز له التبرع إلى أي شخص كان، سواء لأهل الجاني أم المجني عليه أو غيرهما، والله أعلم”([104]).
وقال الدكتور محمد فوزي فيض الله: “ليس لمجرد قرب الوفاة – كالمحكوم عليه نهائياً بالإعدام – أثر في حل الاقتطاع، بل هو حينئذ كالانتحار إن كان بإذنه، وقتل للنفس بغير حق إن كان بغير إذنه، وكلاهما حرام، والآخر يستوجب الضمان عند الفقهاء”([105]).
وقال مجلس الدولة المصري: “القيام بنقل عضو من جسم المحكوم عليه بالإعدام قبل إعدامه يعني قيام جريمة قتل، إذ يجب ان يستوفى المجتمع والقانون قصاصهما منه بما لا مزيد عليه”([106]).
القول الثالث: قال بالتفريق بين الكافر والمسلم، فيجوز نقل الأعضاء من المحكوم عليه بالقتل إذا كان كافراً، ولا يجوز في المسلم. وقد قال بهذا الرأي بعض أهل العلم، لأن الكافر ليس من الجنس الذي قصد الشرع تكريمه، بل إن إهانته مقصودة شرعاً، والتمثيل بجثته إنما يحرم على وجه لا تدعو إليه حاجة، أما لو وجدت الحاجة فإنه لا حرج فيه.
قال الدكتور محمد المختار الشنقيطي: “الذي يترجح في نظري – والعلم عند الله – هو القول بجواز نقل الأعضاء الآدمية من الحي والميت، ولكن بشرط أن يكون الشخص المنقول منه العضو كافراً”([107]).
وقال الدكتور كمال الدين جمعه بكرو: “أما إذا كان مهدر الدم كافراً حربياً وقد وقع بأيدي المسلمين فعلى إمام المسلمين أن يسلك معه ما يراه مصلحة المسلمين … فإن اهتدى إلى قتله، ووجد المضطر في رعيته، فإنه لا حرج عليه والله أعلم في أن يأذن بنزع عضو منه هلاكه على أن يتحقق في ذلك شروط الإحسان في القتل … ومن مسوغات القول بالجواز أن الكافر الحربي كان همه هدم بدون المجاهد المسلم بالقتل فلما وقع بأيدي المسلمين عومل بعكس ما أراد فكان سبباً في بناء ما أشرف على الهلاك من أبدان المسلمين”([108]).
وقال الدكتور يوسف الأحمد: “وبعد هذا العرض يتبين والله أعلم حواز نقل الأعضاء من مهدر الدم إذا كان كافراً لإنقاذ المعصوم المضطر”([109]).
هذا عن اختلاف العلماء في مسألة نقل الأعضاء من مهدر الدم، ولكل رأي أدلته في تدعيم قوله، وقد استدل المجيزون والمانعون بأدلة عامة في نقل الأعضاء عموماً، وبأدلة خاصة بمسألتنا موضوع البحث، وسنقتصر على أهم هذه الأدلة.
أولاً: أدلة المجيزين:
- التخريج على قول من قال من الفقهاء القدامى (وهم جمهور الشافعية والحنابلة): بجواز أكل المضطر لحم الآدمي مهدر الدم، لأنه لا عصمة له، وذلك بناء على أن مناط الحكم في أكل لحم الآدمي حال الاضطرار هو العصمة وعدمها “فلو وجد المضطر من يحل قتله كالحربى، والزاني المحصن، وقاطع الطريق الذي تحتم قتله، واللائط، والمصر على ترك الصلاة، جاز له ذبحهم وأكلهم، إذ لا حرمة لحياتهم، لأنها مستحقة الإزالة، فكانت المفسدة في زوالها أقل من المفسدة في فوات حياة معصوم”([110]).
قالوا: “إذا جاز أكله عندهم فجواز اقتطاع عضو منه ليزرع في جسد معصوم مشرف على الهلاك من باب أولى”([111]).
وقد اعترض على التخريج بأنه تخريج مع الفارق، فأكل الآدمي المضطر لحم الآدمي أثر الغذاء وسد حرارة الجوع فيه قطعي، بخلاف نقل العضو فهو نوع من التداوي قابل للشفاء وعدمه([112]).
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن ما وصل إليه العلم اليوم من نتائج وتقنيات حديثة في الفحوصات والتحاليل يجعل الأمر في دائرة اليقين بإذن الله تعالى أو الظن الراجح، وهذا يكفي لبناء الأحكام عليه.
- استدلوا أيضاً، بأن القول بجواز نقل الأعضاء يتفق وقواعد الشريعة التي استنبطها الفقهاء واستدلوا بها، ومنها (الضرورات تبيح المحظورات) (الضرر يزال) (الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف) (إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمها ضرراً بارتكاب أخفهما) (يختار أخف الضررين) (الضرر يدفع بقدر الإمكان) (المشقة تجلب التيسير) (إذا تعارض المانع والمقتضى يقدم المانع إلا إذا كان المقتضى أعظم) ([113]).
فنقل عضو سيعود إلى التراب لإنقاذ مريض مشرف على الهلاك أو رفع المعاناة عنه أمر تؤيده قواعد الشريعة واصولها، فمصلحة النقل راجحة على المصلحة الأخرى. والتعارض هنا بين مفسدتين: مفسدة أخذ عضو من حي تيقن قتله، ومفسدة هلاك نفس معصومة، ولا شك أن مفسدة هلاك نفس معصومة أعظم في ميزان الشرع من نقل عضو من مهدر الدم سيؤول أمره إلى التراب.
- تبين من صريح قول الله عز وجل: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (التين: 4 – 6) أن الكرامة التي ميز الله الإنسان بها ليست نابعة من جوهر بشريته حتى تكون ملازمة له في كل الحالات، وإنما هي وصف يلازمه ما كان متجاوباً مع فطرة عبوديته لله عز وجل، مستقيماً لأمره وسلطانه، فإذا تحقق موجب القتل فهذه الكرامة تصبح مهدرة([114]).
- قوله تعالى: (إِلَّا عَلَيْكُمْ حَرَّمَ مَا لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (الأنعام: 119)، وقوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة: 173).
فأبيحت بعض المحرمات لضرورة حفظ النفس البشرية عن الهلاك، فإباحة جزء من الآدمي أولى بجامع حفظ النفس البشرية([115])، ولا شك أن المريض الذي أشرف على الهلاك حالة ضرورة وهو في حكم المضطر.
- وقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر) (البقرة: 185)، (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (النساء: 28)، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: 78).
فهذه الآيات وغيرها تدل على أن مقصود الشارع التيسير على العباد لا التعسير عليهم، وفي القول بإجازة نقل الأعضاء من المحكوم عليه بالإعدام تيسير على المرضى الذين أشرفوا على الهلاك والقول بمنع ذلك فيه حرج ومشقة يتنافى مع مدلول النصوص الشرعية.
- أن هذا الفعل نوع من الإيثار، وهو محمود شرعاًن لقوله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر: 9). قال الرطبي: “الإيثار تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية ورغبة في الحظوظ الدينية”([116])، ولقد آثر أبو طلحة – رضي الله عنه – النبي – صلى الله عليه وسلم – على نفسه وعرضها للخطر والفناء، وذلك في غزوة احد قائلاً نحرى دون نحرك، حتى غدا ظهره من كثرة السهام كظهر القنفذ([117])، قال ابن القيم: “إذا اشتد العطش بجماعة وعاينوا التلف ومع بعضهم ماء فآثر على نفسه، واستسلم للموت كان ذلك جائزاً، ولم يقل إنه قاتل لنفسه، ولا أنه فعل محرماً، بل هذا غاية الجود والسخاء”([118]).
- قتل المحكوم عليه بالإعدام تحت وطاة المخدر وانتزاع الأعضاء يتحقق فيه معنى الإحسان في القتل المأمور به في الحديث، وهو قوله – صلى الله عليه وسلم – : ” … فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته”([119])، قال النووي في شرحه: “قوله – صلى الله عليه وسلم – : (فاحسنوا القتلة) عام في كل قتيل من الذبائح، والقتل قصاصاً، وفي حد، ونحو ذلك، وهذا الحديث من الأحاديث الجامعة لقواعد الإسلام”([120])، والقتل بنقل الأعضاء تحت تأثير مخدر عام من المحكوم عليه بالقتل فيه إحسان بالقتل.
ثانياً: أدلة المانعين:
- التخريج على قول من قال من الفقهاء بعدم جواز أكل المضطر من لحم الآدمي مهدر الدم. وقد ذهب إلى الرأي فقهاء الحنفية والمالكية، وسيأتي تفصيل القول في هذا الرأي، قال ابن جزي: “لا يأكل المضطر ميته ابن آدم خلافاً للشافعي”([121])، وقال ابن نجيم: ولا يأكل المضطر طعام مضطر آخر، ولا شيئاً من بدنه”([122]).
ونقل الأعضاء من المحكوم عليه بالإعدام من هذا الباب فلا يجوز.
- قول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء: 70).
فقد دلت الآية على تكريم الله تعالى للآدمي، وانتزاع العضو منه يتنافى مع هذا التكريم الذي دلت عليه الآية، سواء في حال الحياة أو بعد الموت([123]).
- قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة 229). ونقل أعضاء المحكوم عليه بالقتل تعد على حدود الله تعالى، لأنها زيادة على الحد الشرعي، وهذا ظلم منهي عنه، فالإسلام “لم يبح من المرتد، والمحصن، وتارك الصلاة، ومن عليه قصاص إلا قتلهم، فالقول بالزيادة على ذلك كتقطيعهم لأكل أو دواء أو غير ذلك زيادة على نص الشارع من غير دليل يصرح بذلك، والزيادة على امر الشارع موقوفة مردودة”([124]).
حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما هاجر النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة فمرض فجزعن فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنه، ورآه مغطياً يده، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه – صلى الله عليه وسلم -، فقال : ما لي ادراك مغطياً يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “اللهم وليديه فاغفر([125]).
وجه الدلالة: أن الحديث دل على أن من تسبب بذهاب شيء من جسمه جاء يوم القيامة ناقصاً منه ذلك العضو([126])، قال النووي: “الحديث فيه إثبات عقوبة بعض اصحاب المعاصي، فإن هذا عوقب في يده([127]).
- من شروط صحة التصرف أن يكون الإنسان مالكاً للشيء المتصرف فيه (أو المتبرع به)، أو مفوضاً في ذلك من قبل المالك الحقيقي، والإنسان ليس له على جسده ملكية الرقبة، بل له حق الانتفاع فقط، لأن الملكية لله تعالى([128]).
- استدلوا أيضاً بأحاديث النهي عن المثلة، ومنها قوله – صلى الله عليه وسلم -: “اغزوا بسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزو ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا”([129])، قالوا: إن النهي عن المثلة في هذا الحديث وغيره شامل لقطع أي جزء من الآدمي حياً أو ميتاً([130]).
- قالوا: إن نقل الأعضاء التي تتوقف عليها الحياة إن كان بإذن المحكوم عليه بالقتل فهو انتحار منه، وطلب لنهاية الحياة الإنسانية، وإن كان بغير إذن منه فهو قتل متعمد، وكلاهما محرم بنص القرآن، قال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) (النساء: 29)، (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (النساء: 93). وعلى ذلك فنقل الأعضاء التي تتوقف عليها الحياة محرم على كل حال([131]).
هذا عن أدلة المجيزين والمانعين. اما الذين خصوا الجواز بالكافر الحربي، فقد أخذوا بأدلة المجيزين والمانعين، وعملوا على توجيهها، توجيه أدلة الجواز إلى الكافر الحربي، وأدلة المنع إلى مهدر الدم من غير الكافر الحربي، من باب التوفيق بين الأدلة، وخروج من الخلاف.
واستدلوا – أيضاً – باتفاق الفقهاء على جواز قتل الكافر الحربي لإنقاذ معصوم الدم عند الضرورة. قال النووي: “يجوز للمضطر أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب البول، وغير ذلك من النجاسات، ويجوز له قتل الحربى والمرتد وأكلهما بلا خلاف. وأما الزاني المحصن، والمحارب، وتارك الصلاة ففيها وجهات”([132]).
وإذا جاز للمضطر قتل الحربى والمرتد وأكلهما للضرورة فمن باب اولى القول بجواز نقل أعضائهما حال الحياة بعد تخديرهما، مع ما في الأكل من بشاعة، وما في التخدير والنقل من إحسان.
وقالوا – أيضاً – إن الكافر الحربى كان همه هدم بدن المجاهد المسلم بالقتل، فلما وقع بأيدي المسلمين عومل بنقيض قصده، فكان سبباً في علاج من اشرف على الهلاك من المعصومين([133]).
والراجح عندنا في المسألة قول من قال بالجواز، لقوة ما استدل به هؤلاء من ادلة، وضعف أدلة المانعين عند المناقشة، وفيما يلي مناقشة لأدلة المانعين:
من اهم ما استدل به القائلون بالمنع هو التخريج على قول من قال من الفقهاء القدامى بعدم جواز أكل المضطر من لحم الآدمي مهدر الدم، وعللوا ذلك بأن “الآدمي مكرم شرعاً ولو كان كافراً، فإيراد العقد عليه وابتذاله به وإلحاقه بالجمادات إذلال له، وهو غير جائز”([134]).
وفي نظرنا أن هناك فرقاً بين الحالتين، وأكل المضطر من لحم الآدمي مهدر الدم مع ما فيه من بشاعة تنفر منها الطباع السليمة لا يقابل بقتل المحكوم عليه بالقتل تحت وطأة مخدر لانتزاع أعضائه، لما فيه من راحة وإحسان في القتل، بل وتكريم يفوق القتل بالسيف أو الشنق، أو اي وسيلة أخرى من وسائل القتل المطبقة اليوم. ونقل عضو من جسد سيعود إلى التراب إلى مسلم يعيش تحت وطأة الألم ليحيي حياة طيبة يقيم فيها شعائر الله وتكاليفه لهو أعظم في ميزان المصالح الشرعية من بقاء ذلك العضو في جسده ومواراته التراب.
واما القول بأن انتزاع العضو من المحكوم عليه بالقتل يتنافى مع تكريم الله تعالى لبني آدم، في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ) (الإسراء: 70) فهو مردود بما قاله أهل العلم من أن هذه الكرامة تصبح مهدرة بتحقق موجب القتل، وإلا لما أوجبت الشريعة الإسلامية قتله، لأن الكرامة التي ميز الله الإنسان بها ليست نابعة من جوهر بشريته حتى يكون ملازمة له في كل الحالات، وإنما هي وصف يلازمه ما كان متجاوباً مع فطرة عبوديته لله عز وجل، مستقيماً لأمره وسلطانه([135]).
وأما القول بأن نقل أعضاء المحكوم عليه بالقتل تعد على حدود الله تعالى، لأنها زيادة على الحد الشرعي لأن الإسلام لم يبح من مهدر الدم إلا القتل، وارى زيادة على ذلك كتقطيعهم لأكل أو دواء زيادة على نص الشارع من غير دليل. فهذا القول يكون صحيحاً في غير حال الضرورة، أما في حال الضرورة والاضطرار فهو من باب الترجيح بين المصالح، وهو إعمال لمقاصد التشريع في الحفاظ على النفس المعصومة. ومصلحة المريض أرجح من مصلحة بقاء أعضاء مهدر الدم معه بعد قتله، وقد أباح الشرع ارتكاب بعض المحرمات لضرورة حفظ النفس عن الهلاك وصيانتها عن التلف، وإباحة جزء من الآدمي أولى بجامع حفظ النفس البشرية.
وأما حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما (في قصة الرجل الذي قطع براجمه فمات، وقد استدل به على أن من تسبب بذهاب شيء من جسمه جاء يوم القيامة ناقصاً منه ذلك العضو)، فقد خصص بعض أهل العلم دلالة هذا الحديث، بأن الرجل أقدم على قطع البراجم للتخلص من الآلام، وهي مصلحة لا تبلغ مرتبة الضرورات، بل هي في مرتبة الحاجيات، ومن ثم فإنه يصلح دليلاً على منع نقل القرنية أو الجلد ونحوها، من الأعضاء التي يقصد من نقلها مصلحة حاجية. اما النقل الضروري المقصود منه إنقاذ النفس المحرمة فإن الحديث لا يشمله([136]).
ونص الحديث لا يصلح دليلاً في المسألة فنقل الأعضاء نوع من الإيثار، وهو مبني على وجود الضرورة والحاجة الداعية إلى فعله، والمصلحة فيه (وهي حفظ النفس) أعظم من المفسدة، أما الحديث فيقصد به ما جاء على وجه الجزع وعدم التصبر دون أن تكون هناك ضرورة تدعو لذلك فهو إلقاء النفس إلى التهلكة، لأن المفسدة فيه (وهي فوات النفس) أعظم من المصلحة المترتبة على هذا الفعل، وهي التخلص من الآلام.
وأما القول بأن الإنسان لا يملك جسده حتى يتصرف فيه، وإنما المالك الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، ونقل الأعضاء لا يكون إلا بالتصرف بالجسد، وهذا لا يجوز، لأنه تصرف. فقد أجيب عن ذلك بأن الإنسان مأذون له بالتصرف في جسده بما فيه الخير لذلك الجسد في الدنيا والاخرة كإصلاحه ومداواته وقطع ما فيه الآكلة. وكالجهاد به لمصلحة الدين ومصلحة المسلمين، وعلى ذلك فالجسد وإن كان ملكاً لله تعالى غير أن الإنسان مستخلف فيه كموضوع المال، فيجوز له التصرف وفق ما يرضى الله تعالى في المال والنفس، والإذن بنقل الأعضاء للمرضى الذين يحتاجون لذلك فيه أجر وثواب عظيم لما فيه من تفريج كربة مسلم([137]).
وأما القول بأن نقل الأعضاء فيه مثله، وهي محرمة منهي عنها كما جاء في الحديث. فقد اجيب عنه بأن المثلة هي ما تكون بدافع الانتقام والتشفي الذي يحصل في الحروب كبقر البطون، وتجديع الأنوف، وصلم الأذان، وما يصاحب ذلك من تشويه شنيع تنفر منه الطباع السليمة. أما نقل العضو فدافعه الإيثار والرحمة والعطف والشفقة فالمثلة غير واردة فيه، وإنما هو نوع من التداوي، يتم برفق ورحمة وبدون ألم وبإشراف طبي، ويتبع بعمليات التجميل وإخفاء الآثار. وهذا يحصل يومياً بين الأطباء في عموم المستشفيات، فما أكثر العمليات التي تجري يومياً، ولم يقل أحد انها مثلة، وإنما هي نجاح كبير في عالم الطب([138]).
وعلى فرض أنها مثلة “ولكن ضرورة المستفيد المستنقذ أرجح في ميزان المصالح الشرعية من مجرد المثلة”([139]).
إن علماء المسلمين أجازوا شق بطن المرأة الميتة في حال وجود مصلحة محققة أو راجحة، وذلك في الحامل إذا ماتت وفي بطنها جنين حي، فإنه يشق بطن أمه لإخراجه حياً، والتمثيل في الميت التمثيل في الحي من حيث الحرمة، كما أن شق بطنها وهي حية لإخراج الطفل أصبح أمراً عادياً، ويلجأ إليه عند تعسر عملية الولادة أو للتخلص من آلامها([140]).
وأما القول بأن نقل الأعضاء التي تتوقف عليها الحياة إن كان بإذن المحكوم عليه بالقتل فهو انتحار منه، وإن كان بغير إذن منه فهو قتل متعمد، وكلاهما محرم. فهذا القول يكون صحيحاً إذا كان موجب القتل هو نقل الأعضاء وفي مسألتنا فإن موجب القتل غير نزع الأعضاء، وإنما نق الأعضاء جاء بعد إهدار دمه وتحتم قتله يقيناً، وعلم يقيناً أن هذه الأعضاء ستؤول إلى التراب.
أما أصحاب الرأي الثالث الذين قصروا الجواز على الكافر الحربى، فمستندهم فى ذلك هو أن ضرورة النقل يمكن دفعها بالكافر الحربى، لاتفاق الفقهاء على جواز قتله لإنقاذ معصوم عند الضرورة، ولأن الكافر كان همه هدم بدن المجاهد المسلم بالقتل، فلما وقع بأيدي المسلمين عومل بنقيض قصده، كما يمكن دفع الضرورة في حالات الفشل الكلوي بأساليب العلاج المتعارف عليها، وهى الغسيل الكلوي قال الدكتور محمد المختار الشنقيطي: “هذه الضرورة يمكن دفعها بالكفار، وأما حالات الفشل الكلوي فإنها تعالج بالغسيل كما هو معروف، وبوجود هذين البديلين تضعف الحاجة والضرورة عن بلوغ المقام الذى يوجب التوسع إلى المسلمين، سواء كانوا أحياء أو ميتين”([141]).
وهذا الرأي لا يستقيم مع واقع المجتمع الآن لعدة اعتبارات: أولها: أن القول بقصر جواز نقل الأعضاء على الكافر الحربي فقط فيه تضييق قد يوقع في حرج شديد، لأن الكافر لا يتيسر الحصول عليه في أغلب الأحيان مع الازدياد المتنامي في حالات المرض الشديد التي تحتاج إلى نقل الأعضاء.
وعلى فرض تيسر الحصول على الكافر فإنه في الغالب الأحيان لا يكون متطابقاً ومتوافقاً مع المريض المسلم في فصيلة الدم أو الأنسجة، لأن احتمالات نجاح الزراعة من القريب تفوق بمراحل عديدة احتمالات النجاح إذا كان المنقول منه بعيداً في القرابة، وهذا التضييق الذي يوقع في الحرج ينافي ما دلت عليه نصوص الشريعة في رفع الحرج، وهي كثيرة تكون بمجموعها أصلاً عاماً من أصول الشريعة.
وأما البديل الآخر الذى قدمه أصحاب هذا الرأي في حالات الفشل الكلوي، وهو الاعتماد على أجهزة الغسيل، فإن واقع الحال يدل على أن الضرورة لا تنتقى بطريقة الغسيل، بل ربما زادت حالة المريض سوءاً مع ما يصاحب ذلك من الألم الشديد أثناء عملية الغسيل وتعطل مصالحه، لأن المريض يظل ساعات طويلة تحت وطأة الأجهزة معظم أيام الأسبوع، ويظل المريض على هذه الحال طوال عمره المتبقي، ولا ترتفع هذه المعاناة إلا بزراعة هذا العضو التالف، فعندها فقط يعود المريض بإذن الله تعالى إلى سالف عافيته ويمارس حياته، ويقوم بتكاليفه المنوطة به.
المطلب الثالث: أخذ الأعضاء من مهدر الدم بإذنه أو عدمه.
- مدى اعتبار إذن المحكوم عليه وبالإعدام قبل النقل:
القائلون بجواز نقل أعضاء المحكوم عليه بالإعدام اختلفوا في اعتبار إذن المحكوم عليه بالإعدام ورضاه على قولين:
الأول: لجمهور القائلين بالجواز، وعندهم: أن رضا المحكوم عليه في انتزاع أعضائه وإذنه بذلك شرط لانتزاع أعضائه([142])، لاعتبارات عدة:
أولها: أن استئصال الأعضاء زيادة على ما قرره الشرع من العقوبة، لأن النصوص الشرعية أوجبت القصاص في النفس ولم تنص على استئصال الأعضاء، فالعقوبة الشرعية هي انتزاع الحياة فقط، فلا يزاد على هذه العقوبة عقوبة أخرى بانتزاع أعضائه إلا بإذنه “لأن انتزاع الأعضاء منه دون إذنه إنما يمس بالضرر شعور المحكوم عليه إذا علم بذلك قبل موته بسبب إهدار حقه، ويمس شعور ورثته من بعده باعتبار أن للجثة قيمة معنوية عند الورثة([143]).
قال الدكتور محمد الراوي: “إن المحكوم عليه بالإعدام أهدر دمه وبذلك برئت ذمته بتنفيذ الحكم عليه والذي هو على قدر الظلم والجريمة التي ارتكبها، وإن أي شيء آخر زيادة في العقوبة لا يرضى عنه الشرع ([144]).
وقال الدكتور محمد فوزي فيض الله: “ينبغي أن يكون الاقتطاع مقيداً بهذه الشروط التالية: أن يكون بإذن مطلق من المقتطع منه، فلو كان بغير إذنه حرم”([145]).
ثانياً: أن عدم اعتبار إذن المحكوم عليه بالإعدام في نقل أعضائه يتنافى مع الكرامة الإنسانية التي خص الله بها بني آدم، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ) (الإسراء: 70)، وإهدار الحياة لا يعني إهدار الكرامة الآدمية باستلاب أعضاء المحكوم عليه بالإعدام قهراً.
فمالك بن ماعز رضي الله عليه لما اعترف على نفسه بالزنا وثبت إقراره على نفسه أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – به فرجم، ولما تكلم الناس فيه قال فيه النبي – صلى الله عليه وسلم -: “استغفروا لماعز بن مالك” وقال: “لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم”([146]).
وقال النبي – صلى الله عليه وسلم – في الغامدية – لما زنت ورجمت – : “فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له” ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت([147])، وفي رواية قال – صلى الله عليه وسلم -: “لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من اهل المدينة لو سعتهمن وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى”([148]).
فاستغفاره – صلى الله عليه وسلم – لماعز وإخباره بإخلاص توبته والغامدية، ونهيه عن سبهما وامره بالصلاة عليهما – دليل واضح على أن كرامة المحكوم عليه بالقتل لم تهدر بإهدار حياته.
قال النووي: “وفي هذا الحديث دليل على سقراط إثم المعاصي الكبائر بالتوبة، وهو إجماع المسلمين …” وقال: “إن تحصيل البراءة بالحدود وسقوط الإثم متيقن على كل حال …“ ([149]).
القول الثاني في المسألة ذهب إليه بعض المعاصرين([150])، وعندهم: أن إذن المحكوم عليه بالقتل غير معتبر قياساً على جواز قتل مهدر الدم وأكله بدون إذنه عند الاضطرار أو الضرورة ، ولأن حرمته أو كرامته مهدرة بتحقق موجب القتل.
قال العز بن عبد السلام: “لو وجد المضطر من يحل قتله كالحربى، والزاني المحصن، وقاطع الطريق الذي تحتم قتله، واللائط، والمصر على ترك الصلاة جاز له ذبحهم وأكلهم؛ إذ لا حرمه لحياتهم، لأنها مستحقة الإزالة، فكانت المفسدة في زوالها أقل من المفسدة في فوات حياة المعصوم”([151]).
قال الدكتور عارف علي عارف: النصوص الفقهية تقرر جواز قتل المحكوم عليه بالإعدام والأكل من لحمه بالنسبة للمضطر إلى ذلك، ولو بدون إذن السلطان، مع ما في ذلك من افتيات عليه، لأن إقامة الحدود أمر منوط بالسلطان لا يجوز للأفراد الاستبداد به، وعليه فإذا جاز ذلك فإن جواز نقل عضو منه ولو بدون رضاه لزرعه في جسد مريض معصوم الدم مشرف على الهلاك ينبغي القول بجوازه من باب أولى”([152]).
وفي الأزهر صدرت فتوى بإباحة الاستقطاع من الجناة الذين يحكم عليهم بالإعدام قصاصاً([153]).
والراجح عندنا القول باعتبار إذن المحكوم عليه بالإعدام لقوة أدلة من اشتراط إذنه ورضاه وصحتها، وابرزها: أن العقوبة الشرعية المقررة بالنسبة للمحكوم عليه بالإعدام هي انتزاع الحياة فقط، وتبرأ ذمته بتنفيذ الحكم عليه أما انتزاع أعضائه، فهو شيء آخر يتوجب فيه ورضاه، وإلا كان زيادة في العقوبة لا يرضى عنها الشرع.
الفصل الثالث: أنواع نقل الأعضاء
المبحث الأول: النقل الذاتي:
النقل الذاتي: هو نقل جزء من أجزاء الإنسان غلى جزء آخر في نفس جسده ([154]).
والعمل في الطب الحديث أن يجري النقل الذاتي بأن تؤخذ قطعة من لحم شخص أو جلده من مكان خفي فيه لا خطر فيه لترقيع موضع آخر من جسده ([155]).
وقد جاء التصريح بجواز النقل الذاتي في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي، وقرار مجمع الفقه الإسلامي لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وقرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، وهو قول الدكتور محمد السرطاوي([156])، والدكتور محمد الشنقيطي([157])، هذا الجواز ليس مطلقا, بل بشروط نص عليها المصرحون بالجواز وهي ([158]).
- أن تكون الحالة الداعية إلى النقل الذاتي ضرورية أو حاجيه.
- ألا يضره النقل الذاتي ضرراً بليغاً، بحيث تترجح مصلحة النقل على عدمه.
- أن يغلب على الظن نجاح النقل الذاتي.
- ألا يوجد دواء آخر من معدن أو حيوان يقوم مقام هذه العملية.
- أن يؤخذ إذن المريض أو ولية في غير الحالات الملحة التي يكون لعامل الزمن تأثير كبير على نجاح العلمية.
واستدال العلماء على جواز النقل الذاتي بما يلي:
أولاً: بقواعد الشريعة العامة منها:
- مقاصد الشريعة في حفظ النفس والأعضاء.
فإذن في النقل الذاتى مراعاة لهذه القاعدة العامة، فقد تتعرض نفس المريض لخطر الموت، إذا لم تتوفر له قطع الغيار من جسده يستبدل بها العضو أو الجزء التالف كما يحصل في انسداد بعض شرايين وصمامات القلب([159])، وقد يكون النقل الذاتي لأغراض التجميل فقط.
- تقديم أقوى المصلحتين تحقيقاً لزيادة المصلحة. ففي النقل الذاتي إزالة ضرر عن المحل المنقول إليه، كما أن الضرر الذي يحدث في المحل الذي نقل منه الجزء قد يزول وذلك بنموه عند تناول الأغذية ونحوها ([160]).
ثانياً: إن النقل الذاتي من مكان من بدن الإنسان إلى مكان آخر فيه، هو في حكم إجراء عملية له كالفتق والزائدة الدودية وقطع اليد المتآكلة، وذلك لأن مصلحة العلاج هنا راجحة على مفسدة أخذ جزء من جسم المعالج، فهي بمنزلة جراحة واحدة املاج مصلحة شخص آخر ([161]).
ثالثاً: إن النقل الذاتي من التداوي، وله حكمة وهو الجواز ([162]).
رابعا: إن ما قطع منه ليعود إليه يجوز قياسا على من قطع منه عضو ثم أعيد إليه، فإنه يجوز لأنه إعادة جزء نفسه إلى نفسه، وهو إكمال للنفس وإعادة إلى حالتها الطبيعية فكيف يكون الحكم في النقل الذاتي حيث يخشى أن تهلك النفس جميعها إذا لم تنقذ بمثل هذا الجزء([163])، وقد لا يخشي الهلاك كالتجميل.
خامساً: القياس أيضاً لأنه إذا جاز قطع العضو وبترة لإنقاذ النفس، ودفع الضرر عنها، فلأن يجوز أخذ جزء منه ونقله لموضع آخر لإنقاذ النفس أو دفع الضرر فيها أولى وأحرى، ووجه ذلك أن الأصل جازت فيه الإزالة والبتر للعضو دون استبقاء له طلباً لإنقاذ النفس ودفع الضرر عنها، والفرع يزال فيه جزء من العضو والجزء المزال في موضع آخر إضافة المنقول يتعوض بجلد جديد بدلاً من الجلد المنزوع، فهو أولى بالاعتبار والحكم بجوازه من الأصل ([164]).
المبحث الثاني: النقل للأعضاء أو الأنسجة المتجددة.
خلق الله سبحانه وتعالى في جسم الإنسان بعض الأجزاء يمكن للجسم أن يعوضها بسهولة وهذه تعرف بالأعضاء المتجددة، وهي بدورها لا تؤثر على الصفات الوراثية، مثل الدم، والجلد، والشعر…، وهذه الأشياء وأشباهها يجوز نقلها بلا خلاف؛ إذا توافرت الشروط اللازمة لجواز النقل؛ لأن نقل هذه الأجزاء لا يخلف أضرارا مستديمة لجسم المنقول منه، بل على العكس من ذلك؛ لأنها تجدد الخلايا وتنشطها.
أما نقل الأعضاء غير المتجددة، وهي التي لا تؤثر على الصفات الوراثية مثل: الكبد، والقلب، والبنكرياس، والكلية لمن لا يملك في جسمه إلا كلية واحدة، والرئة لمن لا يملك في جسمه إلا رئة واحدة؛ فنقل مثل هذه الأعضاء محرم باتفاق العلماء، إذ إن نقلها يؤدي إلى موت المنقول منه يقينا، فنقلها إذًا يساوي نقل الحياة؛ وأصل الحياة حق خالص لله تعالى، لا يملك الإنسان هبتها لأحد، وليس له أن يؤثر بها أحدا، ويستوي في حكم التحريم انتزاع العضو بدون رضا صاحبه، أو مع رضاه، لكن انتزاعه بدون رضاه يترتب عليه استحقاق القصاص، أما مع وجود الإذن والرضا فإن التحريم باق، وهذا الإذن باطل لا يعتد به شرعا، ويدخل هذا التصرف في حكم قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ([165])، عليه فالقتل مع الإذن لا يسقط التحريم، ولكن الخلاف حدث بين الفقهاء في سقوط القصاص، فذهب الجمهور إلى أن رضا القتيل بالقتل يسقط القصاص([166])، ومع سقوط القصاص فإن الفعل يبقى في حيز التحريم، فالقتل برضا المجني عليه يعد معصية تستوجب التعزيز، إذ الأولى بالجاني أن يستجيب لأمر الله في النهي عن القتل، أما إسقاطهم للقصاص؛ فذلك راجع إلى رضا المجني عليه بالقتل وهذه شبهة تدرأ القصاص.
وذهب بعض المالكية، ونفر من أصحابِ أبي حنيفة إلى أن الرضا بالقتل لا يسقط القصاص؛ وحجتهم في ذلك: أن النفس ليست مباحة؛ وهي محرمة حتى على صاحبها، إذ لا يجوز له قتل نفسه، فيكون إذنه للغير بقتله غير جائز من باب أولى، وعصمة الناس مما لا تحتمل الإباحة([167]).
المبحث الثالث: مسائل متفرقة
المطلب الأول: النقل للأعضاء التناسلية:
ثار جدل واسع حول هذه القضية، ولكن الذي يبدو بوضوح أن الفقهاء قد اتفقوا على تحريم نقل الخصية؛ لأنها مخزن المني الذي ينقل الخصائص الوراثية إلى الرجل وذريته…؛ لأنها تستمر في حمل وإفراز (الشفرة الوراثية)، للمنقول منه حتى بعد زرعها في متلق جديد، وهذا يعد لونا من ألوان اختلاط الأنساب، الذي منعته الشريعة بكل الوسائل، ومثل الخصية في الرجل المبيض في الأنثى؛ لأن المبيض ينقل صفات صاحبته، وصفات أصولها إلى ذريتها، فكلاهما المني والبويضة يحتويان على الشفرة الوراثية للشخص([168])، وكذلك نقل مخ إنسان إلى آخر- إذا أمكن ذلك- لأنه يترتب عليه خلط وفساد كبيرين باعتباره مصدر العمليات العقلية كلها من التفكير، والذاكرة، والتخيل، فجميعها أساس التكليف، ولنا أن نتخيل حال إنسان مؤمن قد زرع له مخ كافر، أو امرأة عفيفة، زرع لها مخ كافرة، أو إنسان صالح زرع له مخ مجرم…، فينبغي أن تكون القاعدة المتبعة في هذه المسألة-إذا ثبتت- أن كل ما يؤدي إلى حرام فهو حرام.
وهذه القضية حتى تكيف فقهيا، ويلقى عليها الحكم الذي يضبطها ينبغي للأطباء أن يقولوا قولهم فيها، أهذا ممكن، أم غير ممكن؟.
يقول الشيخ الدكتور محمد الشنقيطي في نقل الخصيتين: إن الكلام فيها لم يقع إلا منذ وقت قريب جداً قد لا يتجاوز السنتين… اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال([169]).
القول الأول: لا يجوز مطلقاً.
ممن قال به: اللجنة الدائمة لإفتاء – مجلس مجمع الفقه الإسلامي، الدكتور محمد الطيب النجار، الدكتور عبد الجليل شلبي، الشيخ محمد أحمد جمال، الدكتور خالد الجميلي، الشيخ محمد الشنقيطي.
أدلة أصحاب هذا القول:
– زراعة الأعضاء التناسلية من العمليات الخطيرة التي لا تجوز إلا في الضرورة، وعلاج العقم ليس من الضرورة الشرعية لأفراد الناس.
– إن عمليات زراعة الأعضاء التناسلية قد هجرت من الناحية الطبية بسبب عدم نجاحها في الجملة، وبسبب إمكان علاج المريض بغير الزراعة في كثير من الأحوال.
– وتعظم الحرمة إذا كان العضو هو العورة المغلظة، أو مما ينقل الصفات الوراثية (الخصية والمبيض) لما في نقل العورة المغلظة من امتهان ظاهر للمتبرع والمتلقي.
– أن نقل الخصيتين يعتبر تشويهاً لخلقة الإنسان.
– أن نقل الخصيتين من الحي يؤدي إلى حرمانه من النسل وهو أمر محرم شرعاً.
– أن هذا النقل لا توجد فيه الضرورة.
– أن جوازها يؤدي إلى اختلاط الأنساب.
– أن المعتبر قوله في هذه المسائل من الناحية الطبية هم أهل الاختصاص والمعرفة من الأطباء، وقد شهدوا بأن نقل الخصيتين يوجب انتقال الصفات الوراثية.
القول الثاني: يجوز نقل الخصيتين مطلقاً.
ممن قال به: الشيخ سيد سابق – محمد سليمان الأشقر.
- أدلة أصحاب هذا القول:
– أن الحيوانات المنوية خارجه في الأصل من الرجل الثاني وأن الخصية ليست إلا مجرد آلة.
-أن الشخص الثاني المنقولة إليه الخصية قد ملك تلك الخصية… نقول إنها خصية الرجل الثاني سواء أدى ذلك إلى انتقال الصفات أم لم يؤدي.
– أنه لا تأثير للجينات الوراثية، ولا خوف من تطابقها بدليل أن الأخوين ينجب أحدهما الأنثى وينجب الآخر الذكر، وكلا الأخوين من أصل واحد انتقلت إليهما صفات وراثية واحدة، ومع ذلك لم يحرم زواج ابن أحدهما بابنة الآخر.
القول الثالث: التفصيل يجوز نقل إحدى الخصيتين من الحي إلى الحي.
ممن قال به: مشيخة الأزهر – الشيخ عبد القديم يوسف.
- أدلة هذا القول:
– أن نقل الخصيتين يؤدي إلى قطع النسل، بخلاف نقل إحداهما وترك الأخرى.
– يجوز نقل إحدى الخصيتين وترك الأخرى، كما يجوز نقل إحدى الكليتين والرئتين بجامع الحاجة في كل.
الراجح: الذي يترجح عندي هو القول الأول بحرمة نقل الخصيتين والمبيض لقوة أدلة أصحاب هذا القول وعدم وجود المعارض، ونطبق القاعدة الفقهية درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، والرجوع لأهل الاختصاص في الطب وقولهم بأنها تحمل صفات وراثية.
المطلب الثاني: النقل للأعضاء التي تسبب ضرراً في الغالب.
ذهب الفقهاء إلا أن العضو إن كان منفردا لا يجوز نقله وإن لم يؤدِ إلى الموت سواء أكان هذا العضو وحيدا بالتكوين الخلقي مثل اللسان، والبنكرياس، أم بسبب تلف المكرر من العضو كالذي فقد عينا وبقيت الأخرى، وحجتهم في ذلك؛ أن الضرر لا يزال بمثله، ومن هنا أيضا جاء تحريم نقل القضيب من آدمي حي إلى آخر لأنه آلة الجماع ومجرى البول، وكذلك اللسان فديته كاملة كدية النفس، واختلف الفقهاء في إزالة جزء من اللسان هل يستوجب الدية كاملة، أم تقسم الدية على عدد حروف الهجاء، أي يجب من الدية بقدر ما فات من الحروف([170])، وخلاصة الأمر أن نقل أي عضو من هذه الأعضاء وأشباهها لا يجوز لأنه يعادل نقل عضو يؤدي إلى الموت.
أما الحكم في نقل الأعضاء المكررة مثل نقل العينين معا، وكذلك الأذنين، والكليتين، وما يشابههما لا يجوز لأن يؤدي إلى تعطيل وظيفتهما، وإبطال منفعتهما، وهذا يعني: أن الضرر إنما أزيل من المنقول إليه بإيقاع مثله بالمنقول منه، والقاعدة الفقهية تقول: (إن الضرر لا يزال بمثله)، والشريعة الإسلامية لا تجيز للإنسان سلامة عضوه على حساب أعضاء الآخرين، وحكم كل ذلك مثل حكم سابقه، الدية كاملة.
خاتمة:
لقد تبين لي من خلال دراسة هذا الموضوع مدى أهميته لارتباطه بكلية من الكليات الشرعية الأساسية والمتمثلة في حفظ النفس، وقد توصلت إلى عض النتائج الخاصة في النقاط التالية:
- إن إلحاق الضرر بالنفس أو الغير، منهي عنه شرعاً، وفاعله آثم يعاقب على فعله.
- إن الفقهاء قديماً لم يتناولوا مسألة نقل الأعضاء بصورة مباشرة، وإنما تطرقوا إليها في حدود ما كان معروفاً لديهم، من زرع الأسنان أو وصل العظام، وتحدثوا عن ذلك من خلال نصوص فقهية تشير إلى مدى إمكان التصرف في الجسد الإنساني، أو الانتفاع بأجزاء منه.
- أن الفقهاء المعاصرين سلكوا اتجاهين في تقرير حكم نازلة نقل الأعضاء، بين مجيز ومانع، ولكل اتجاه دليله الخاص به.
- أن نقل الأعضاء البشرية من إنسان إلى آخر، فيه تعسف على الذات، وتعدّ على حق غير مخول التصرف فيه، وفيه إتلاف لأجزاء منها، وسبب مؤد إلى هلاك النفس بغير وجه حق.
- إن الراجح في هذه النازلة هو القول بمنع نقل الأعضاء سواء من حي إلى حي مثله، أو من ميت موتاً دماغياً إلى حي، ولو أثبت الطب القدرة على نقل الأعضاء من محقق الموت لصح، لما في ذلك من رجحان لمصلحة الحي على مصلحة الميت ولخفة الضرر الواقع بالميت، في مقابل الضرر الواقع بالحي، أما نقلها ممن غلب الظن على موته، فهذا أمر غير جائز لأن أجل الوفاة لا يعلمه إلا الله.
المصادر والمراجع:
- القرآن الكريم.
- كتب السنة الصحيحة المسندة.
- مسلم، ابن الحجاج القشيري النيسابوري، الجامع الصحيح، بيروت: دار إحياء التراث العربي، بيروت
- سنن أبي داود، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة، رقم الحديث: 3378، دار الفكر – دمشق – ط 1 / دون ذكر سنة النشر
- اخرجه النسائي في سننه، سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي، دار البشائر الإسلامية بيروت، 1416، 1986، ط2
- بكر بن عبد الله أبو زيد، فقه التوازل، قضايا فقهية معاصر، مكتبة الصديق، ط1، 1409ه- 1988م
- محمود محمد عبد العزيزالزيني، مسئولية الأطباء عن العمليات التعويضية والتعويضية والرتق العذري في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، دون طبعة، 1993م
- حمد علي الباز، الموقف الفقهي والأخلاقي من قضية زرع الأعضاء، دار القلم دمشق، الدار الشامية، بيروت ط1 1414- 1994
- زهير أحمد البار السباعي، الطيب أدبه وفقه، دار القلم، دمشق، ط2 1418ه- 1997م
- محمد حماد مرهج الهيتي، التكنولوجية الحديثة والقانون الجنائي، عمان، الأردن، دار الثقافة للنشر والتوزيع، طبعة أولى، 2014
- كمال الدين يكرر، مدى ما يملك الإنسان من جسمه، مقال بمجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد: 7، السنة الخامسة، ص201
- د. أحمد فهمي أبو سنة، حكم العلاج بنقل دم للإنسان أو نقل أعضاء أو أجزاء منها، مجلة الجمع الفقهي الإسلامي، السنة الأولى – العدد الأول، ط 5 / 1424 هـ – 2003م
- الشاطبي، الموافقات، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان ط 1 / 1417 هـ – 1997 م
- الأشباه والنظائر، تاج الدين عبد الوهاب بن علي ابن عبد الكافي السبكي، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد عوض، دار الكتب العلمية – بيروت – ط 1 / 1411 هـ – 1991 م
- محمود شرف الدين، الأحكام الشرعية للأعمال الطبية، الطبعة الثانية 1407ه
- أبو زكريا النووي، يحيى بن شرف، المجموع شرح المهذب، دار لفكر دون طبع، دون تاريخ.
- محمد أمين ابن عابدين، حاشية رد المختار على الدار المختار، دار الفكر، دون طبعة، دون تاريخ
- أحمد السقاف، الإمتاع والاستقصاء لأدلة تحريم نقل الأعضاء، مرجع سابق، ص15.
- مجلة البحوث الإسلامية العدد الرابع – لعام 1398 – مجلة المجمع الفقهي – 1408 – مجلة الجامعة الأردنية – العدد الثالث – 1984م
- عبد العزيز خليفة، حكم تشريح الإنسان بين الشريعة والقانون، دار ابن حزم، بيروت، ط1 1420ه 1999م
- محمود السرطاوي، زرع الأعضاء في الشريعة الإسلامية، مجلة دراسات الأردنية، مجلد 11، العدد 3، تشرين أول 1984م.
- محمد بن محمد المختار الشنقيطى، أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها، مكتبة الصحابة، الأمارات، ط2 1415ه- 1994
- عبد الرزاق أحمد السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني الجديد نظرية الالتزام بوجه عام الإثبات- أثار الالتزام المجلد الثاني دار النهضة القاهرة ت .و.ع.ط.غ.م.
- محمد رياض، أحكام المواريث بين النظر الفقهي والتطبيق العملي وفق مدونة الأحوال الشخصية المغربية مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء الطبعة الأولى 1418/1998م
- يونس البهتوتي، كشاف القناع على متن الإقناع الجزء 14 مكتبة النصر الحديثة الرباط ع.و.ت.ط.غ.م
- علاء الدين الكاسانى: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع دار الكتب العلمية بيروت السنة 1986م
- عارف علي داغي، قضايا فقهية في نقل الأعضاء البشرية، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1433هـ- 2012م.
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد المقدسي ابن قدامة، المغني، القاهرة: مكتبة القاهرة، (بدون)، 1388هـ- 1968م
- الدسوقي، محمد بن عرفة. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، بيروت: دار الفكر، (بدون).
- مجلة الأطباء الصادرة عن جمعية النقابة العامة لأطباء مصر العدد (111) السنة (37) ربيع الآخر 1413هـ أكتوبر 1992م.
- مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الدورة الثالثة مؤتمر نقل وزراعة الأعضاء البشرية. جريدة الشرق الأوسط الثلاثاء 20 ربيع الأول 1430هـ / 17 مارس 2009م العدد 11067.
- مجلة الدراسات الإسلامية (الجامعة الإسلامية العالمية – إسلام أباد) العدد الثاني 1424هـ المجلد (38)
- مجلة الوعي الإسلامي. العدد 276، ص 47، ذو الحجة 1407هـ الكويت
- مجلة حصاد الفكر، مصر، العدد 113 سبتمبر 2001م
- يوسف الأحمد، أحكام نقل أعضاء الإنسان في الفقه الإسلامي رسالة دكتوراه، كلية الشريعة الرياض: رسالة دكتوراه، كلية الشريعة الرياض
- مجلة المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي مكة المكرمة العدد (1) 1408هـ / 1987م.
- مجلة المجمع الفقهي العدد (1) السنة الأولى 1408هـ/ 1987م، جريدة الشرق الأوسط العدد (11067) 17 مارس 2009م، جريدة المسلمون العدد (646) 20 يونيه 1997م، مجلة المصور 28/7/1989م
- مجلة الدراسات الإسلامية (باكستان) العدد (2) مجلد (38) ربيع الثاني 1424هـ.
- جريدة المسلمون العدد (646) ص16، يونية 1997م.
- مجلة الوعي الإسلامي. العدد 276، ص 46، ذو الحجة 1407هـ وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية -الكويت
- مجلة مجمع الفقه الإسلامي منظمة المؤتمر الإسلامي العدد الرابع 1/ 318 جريدة الشرق الأوسط العدد (11067) 17 مارس 2009، مجلة المصور 28/7/1989 ص 28، صحيفة الأهرام 24/2/1989م.
- مجلة الدراسات الإسلامية (باكستان) العدد (2) م38
- الفتوى رقم 173/150 لعام 1972م مجلة الأزهر 2/ 744 عام 1368هـ.
- أحمد بن قاسم عنيسي، التاج المذهب في أحكام المذهب، صنعاء: دار الحكمة اليمنية، (بدون)، 1993م، 4/ 285، والجزيري، عبد الرحمن. الفقه على المذاهب الأربعة، القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، (بدون)، 5/ 278.
[1] بكر بن عبد الله أبو زيد، فقه التوازل، قضايا فقهية معاصر، مكتبة الصديق، ط1، 1409ه- 1988م، ص 37.
[2] محمود محمد عبد العزيز الزيني، مسئولية الأطباء عن العمليات التعويضية والتعويضية والرتق العذري في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، دون طبعة، 1993م، ص51.
[3] حمد علي الباز، الموقف الفقهي والأخلاقي من قضية زرع الأعضاء، دار القلم دمشق، الدار الشامية، بيروت ط1 1414- 1994، ص 41
[4] اخرجه النسائي في سننه، سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي، دار البشائر الإسلامية بيروت، 1416، 1986، ط2 ج2/45
[5] زهير أحمد البار السباعي، الطيب أدبه وفقه، دار القلم، دمشق، ط2 1418ه- 1997م، ص250
[6] اخرجه النسائي، سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطي، دار البشائر الإسلامية، الطبعة الثانية 1406ه بيروت، ج 2/45
[7] أحمد علي البار، الموقف الفقهي والأخلاقي من قضية زرع الأعضاء، مرجع سابق، ص 45.
[8] محمد حماد مرهج الهيتي، التكنولوجية الحديثة والقانون الجنائي، عمان، الأردن، دار الثقافة للنشر والتوزيع، طبعة أولى، 2014، ص20
[9] نفس المرجع السابق، ص18-19
[10] سنن أبي داود، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة، رقم الحديث: 3378، دار الفكر – دمشق – ط 1 / دون ذكر سنة النشر، ص: 759
[11] كمال الدين يكرر، مدى ما يملك الإنسان من جسمه، مقال بمجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد: 7، السنة الخامسة، ص201
[12] د. أحمد فهمي أبو سنة، حكم العلاج بنقل دم للإنسان أو نقل أعضاء أو أجزاء منها، مجلة الجمع الفقهي الإسلامي، السنة الأولى – العدد الأول، ط 5 / 1424 هـ – 2003م، ص49
[13] الشاطبي، الموافقات، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان ط 1 / 1417 هـ – 1997 م ، 2/18
[14] المصدر نفسه، 2 / 20
[15] سورة الإسراء: 70.
[16] سورة المائدة: 34.
[17] سورة البقرة: 194.
[18] سورة البقرة: 172
[19] الأشباه والنظائر، تاج الدين عبد الوهاب بن علي ابن عبد الكافي السبكي، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد عوض، دار الكتب العلمية – بيروت – ط 1 / 1411 هـ – 1991 م، 1 / 62
[20] حكم العلاج بنقل دم للإنسان أو نقل أعضاء أو أجزاء منها، د. أحمد فهمي أبو سنة، ص: 49.
[21] محمود السرطاوي، زرع الأعضاء في الشريعة والإسلامية، ص 137
[22] أحمد ياسين، أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة، ص 186.
[23] محمود شرف الدين، الأحكام الشرعية للأعمال الطبية، الطبعة الثانية 1407ه، ص148.
[24] المرجع السابق نفسه، ص 154.
[25] أحمد النتشه، نقل الأعضاء وأحكامه الشرعية، ص 76.
[26] المرجع السابق نفسه، ص76
[27] محمود شرف الدين، الأحكام الشرعية للأعمال الطبية، ص 156.
[28] المرجع السابق نفسه، ص 156
[29] محمود شرف الدين، الأحكام الشرعية للأعمال الطبية، ص 156.
[30] المرجع السابق، ص 155.
[31] محمود النتشة، نقل الأعضاء وأحكامه الشرعية، ص 77.
[32] المرجع السابق، ص 77
[33] المرجع السابق، ص 77
[34] المرجع السابق نفسه، ص 77.
[35] سورة الأنعام: آية 119.
[36] محمود النتشة، نقل الأعضاء وأحكامه الشرعية، ص 77.
[37] مشكاة المصابيح حديث رقم 4538- ط3 1405ه المكتب الإسلامي، ص 1282
[38] محمود النتشه، نقل الأعضاء وأحكامه الشرعية، ص 78.
[39] صحيح سنن النسائي حديث رقم 5176- 5177م3-ط1 1419 ه، ص 379.
[40] ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص107.
[41] المرجع السابق نفسه، ص 109.
[42] أحمد شرف الدين، الأحكام الشرعية العمال الطبية، ص 149.
[43] محمود النتشة، نقل الأعضاء وأحكامه الشرعية، ص 78.
[44] المرجع السابق نفسه، ص 79.
[45] المرجع السابق نفسه.
[46] أبو زكريا النووي، يحيى بن شرف، المجموع شرح المهذب، دار لفكر دون طبع، دون تاريخ، ج 5/301.
[47] محمد أمين ابن عابدين، حاشية رد المختار على الدار المختار، دار الفكر، دون طبعة، دون تاريخ, ج2/238.
[48] أحمد السقاف، الإمتاع والاستقصاء لأدلة تحريم نقل الأعضاء، مرجع سابق، ص15.
[49] أحمد السنبهلي، قضايا فقهية معاصرة، ص65.
[50] سورة الإسراء: آية 70.
[51] الشنقيطي، أحكام الجراحة الطبية، مرجع سابق، ص 336.
[52] مشكاة المصابيح حديث رقم 1714-ط3 1405 ه المكتب الإسلامي ج1، ص 537.
[53] السنبهلي، قضايا فقهية معاصرة، مرجع سابق، ص 65
[54] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب من آفاد بالحجر، رقم الحديث 6879، ص1311.
[55] السنبهلي، قضايا فقهية معاصرة، مرجع سابق، ص 65.
[56] التنشئة، نقل الأعضاء وأحكامه الشرعية، مرجع سابق، ص 81.
[57] الشنقيطي، أحكام الجراحة الطبية، مرجع سابق، ص 341.
[58] التنشئة، نقل الأعضاء وأحكامه الشرعية، مرجع سابق، ص 82.
[59] السيوطي، الاشباه والنظائر، مرجع سابق، ج1/ 211
[60] انظر هذا الموضوع – مجلة البحوث الإسلامية العدد الرابع – لعام 1398 – مجلة المجمع الفقهي – 1408 – مجلة الجامعة الأردنية – العدد الثالث – 1984 -رسالة للغماري باسم تعريف أهل الإسلام بأن نقل العضو حرام.
[61] نقل نص الفتوى من كتاب القضاء: عبد العزيز خليفة، حكم تشريح الإنسان بين الشريعة والقانون، دار ابن حزم، بيروت، ط1 1420ه 1999م، ص 87-88
[62] الجامع الصحيح سنن الترمذي – (ج4/ص202).
[63] السنن الكبرى للنسائي – (ج5/ص395)
[64] صحيح مسلم النيسابوري –ج7/ص18
[65] صحيح مسلم للنيسابوري –ج8/ص20
[66] نفس السابق.
[67] محمود السرطاوي، زرع الأعضاء في الشريعة الإسلامية، مجلة دراسات الأردنية، مجلد 11، العدد 3، تشرين أول 1984م، ص 131، وما بعدها.
[68] محمد بن محمد المختار الشنقيطى، أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها، مكتبة الصحابة، الأمارات، ط2 1415ه- 1994، ص 374.
[69] انظر قرارات مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي، ص 147 الشنقيطي، أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة، مكتبة الصاحبة الإمارات، الطبعة الثانية 1415، ص377- 378
[70] سورة المائدة آية 1.
[71] سورة النحل: آية 5.
[72] سورة المائد: آية 4.
[73] محمد عبد الجواد التنشئة، نقل الأعضاء وأحكامه الشرعية، عدد 15 ص 29 عدد 15 بدون تاريخ
[74] سورة البقرة: آية 29
[75] سورة الجاثية: آية 13
[76] محمد عبد الجواد التنشئة، نقل الأعضاء وأحكامه الشرعية، ص 30، عدد 15 بدون تاريخ.
[77] الشنقيطي، أحكام الجراحة الطبية، ص 377.
[78] التنشئة، نقل الأعضاء وأحكامه الشرعية، ص 30
[79] الشنقيطي، أحكام الجراحة الطبية، ص 374.
[80] ابي البركات مجد الدين، المتنقى من أخبار المصطفي ح 4804 ج2 ط1 1351ه ص 904.
[81] عبد الرزاق أحمد السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني الجديد نظرية الالتزام بوجه عام الإثبات- أثار الالتزام المجلد الثاني دار النهضة القاهرة ت .و.ع.ط.غ.م.ص 2 .
[82] البخاري 1/142
[83] محمد رياض . أحكام المواريث بين النظر الفقهي والتطبيق العملي وفق مدونة الأحوال الشخصية المغربية مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء الطبعة الأولى 1418/1998 ص 42.
[84] يونس البهتوتي، كشاف القناع على متن الإقناع الجزء 14 مكتبة النصر الحديثة الرباط ع.و.ت.ط.غ.م ص 154
[85] علاء الدين الكاسانى: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع دار الكتب العلمية بيروت السنة 1986 ص 145.
[86] سورة الطلاق الآية 6.
[87] رواه مسلم 2/142
[88] انظر: عارف علي داغي، قضايا فقهية في نقل الأعضاء البشرية، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1433هـ- 2012م، ص(216)، وما بعدها.
[89] مسلم، ابن الحجاج القشيري النيسابوري، الجامع الصحيح، بيروت: دار إحياء التراث العربي، بيروت، (بدون)، كتاب: الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنا، حديث رقم (1695) 3/ 1321.
[90] أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد المقدسي ابن قدامة، المغني، القاهرة: مكتبة القاهرة، (بدون)، 1388هـ- 1968م، 9/ 46، الدسوقي، محمد بن عرفة. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، بيروت: دار الفكر، (بدون)، 4/ 322.
[91] مجلة الأطباء الصادرة عن جمعية النقابة العامة لأطباء مصر العدد (111) السنة (37) ربيع الآخر 1413هـ أكتوبر 1992م.
[92] راجع السابق.
[93] قضايا فقهية معاصرة ص 117.
[94] مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الدورة الثالثة مؤتمر نقل وزراعة الأعضاء البشرية. جريدة الشرق الأوسط الثلاثاء 20 ربيع الأول 1430هـ / 17 مارس 2009م العدد 11067.
[95] أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة ص 159.
[96] الجامع في فقه النوازل ص 112.
[97] أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة ص 159.
[98] الجامع في فقه النوازل ص 112.
[99] مجلة الدراسات الإسلامية (الجامعة الإسلامية العالمية – إسلام أباد) العدد الثاني 1424هـ المجلد (38) 196.
[100] سورة التين: 4 – 6.
[101] قضايا فقهية معاصرة ص 117.
[102] مجلة الأطباء العدد (111) أكتوبر 1997م.
[103] نظرية الضرورة الشرعية، ص 81.
[104] وقع: garadghi.com
[105] مجلة الوعي الإسلامي. العدد 276، ص 47، ذو الحجة 1407هـ الكويت
[106] مجلة حصاد الفكر، مصر، العدد 113 سبتمبر 2001 ص 20.
[107] أحكام الجراحة الطبية، ص 289.
[108] حكم الانتفاع بالأعضاء البشرية والحيوانية، ص 238.
[109] يوسف الأحمد، أحكام نقل أعضاء الإنسان في الفقه الإسلامي رسالة دكتوراه، كلية الشريعة الرياض: رسالة دكتوراه، كلية الشريعة الرياض، 287
[110] قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/81.
[111] الجامع في فقه النوازل، ص 112.
[112] حكم الانتفاع بالأعضاء البشرية والحيوانية، ص 237.
[113] الأشباه والنظائر للسيوطي ص 87، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 85، الأشباه والنظائر للسبكي 1/121.
[114] قضايا فقهية معاصرة ص 117.
[115] مجلة المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي مكة المكرمة العدد (1) 1408هـ / 1987م.
[116] الجامع لأحكام القرآن 18/ 26.
[117] رواه البخاري في صحيحه كتاب المغازي باب: إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما.
[118] زاد المعاد 3/505.
[119] أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصيد والذبائح باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة 1955
[120] شرح صحيح مسلم 13/ 107.
[121] القوانين الفقهية ص 151.
[122] الأشباه والنظائر ص 87.
[123] أحكام الجراحة الطبية ص 360.
[124] أحكام نقل أعضاء الإنسان في الفقه الإسلامي ص 109.
[125] الحديث أخرجه: مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على ان قاتل تفسه لا يكفر 116
[126] نقل وزراعة الأعضاء الآدمية للسكري ص 111.
[127] شرح النووي على صحيح مسلم 2/131.
[128] نقل وزراعة الأعضاء الآدمية للسكري ص 110.
[129] الحديث أخرجه: مسلم في صحيحه في الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث رقم 1731
[130] أحكام الجراحة الطبية ص 361.
[131] مجلة الصور، مصر 28/7/1989 ص 36.
[132] المجموع 9/46.
[133] حكم الانتفاع بالأعضاء البشرية والحيوانية، ص 239.
[134] حاشية ابن عابدين 5/85.
[135] قضايا فقهية معاصرة ص 117.
[136] التصرف في جسم الآدمي الحي ص 162.
[137] التصرف في جسم الآدمي الحي ص 164؛ المسؤولية الجسدية في الإسلام ص 197، أحكام الجراحة الطبية ص 387.
[138] راجع: المسؤولية الجسدية في الإسلام، ص 198.
[139] الجامع في فقه النوازل ص 112.
[140] المسؤولية الجسدية في الإسلام ص 199.
[141] أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها، ص 389.
[142] راجع: مجلة المجمع الفقهي العدد (1) السنة الأولى 1408هـ/ 1987م، جريدة الشرق الأوسط العدد (11067) 17 مارس 2009م، جريدة المسلمون العدد (646) 20 يونيه 1997م، مجلة المصور 28/7/1989م ص 36.
[143] مجلة الدراسات الإسلامية (باكستان) العدد (2) مجلد (38) ربيع الثاني 1424هـ ص 188.
[144] جريدة المسلمون العدد (646) ص16، يونية 1997م.
[145] مجلة الوعي الإسلامي. العدد 276، ص 46، ذو الحجة 1407هـ وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية -الكويت
[146] الحديث أخرجه: مسلم في صحيحه كتاب الحدود باب من اعترف على نفسه بالزنا.
[147] السابق.
[148] السابق.
[149] شرح النووي على صحيح مسلم 11/199.
[150] راجع: مجلة مجمع الفقه الإسلامي منظمة المؤتمر الإسلامي العدد الرابع 1/ 318 جريدة الشرق الأوسط العدد (11067) 17 مارس 2009، مجلة المصور 28/7/1989 ص 28، صحيفة الأهرام 24/2/1989م.
[151] قواعد الأحكام 1/ 81.
[152] مجلة الدراسات الإسلامية (باكستان) العدد (2) م38
[153] الفتوى رقم 173/150 لعام 1972م مجلة الأزهر 2/ 744 عام 1368هـ.
[154] التنشئة: نقل الأعضاء وأحكامه الشرعية، ص 43.
[155] المرجع السابق نفسه.
[156] السرطاوي: زرع الأعضاء في الشريعة الإسلامية، ص 133.
[157] الشنقيطي: أحكام الجراحة الطبية، ص 312.
[158] التنشئة: نقل الأعضاء وأحكامه الشرعية، ص 45وما بعدها.
[159] المرجع السابق، ص47.
[160] المرجع السابق، ص 48.
[161] التنشئة، نقل الأعضاء وأحكامه الشرعية، ص 48.
[162] المرجع السابق نفسه، ص 48.
[163] المرجع السابق نفسه، ص 48, 49.
[164] لشنقيطي: أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها، ص 313.
[165] سورة النساء: الآية، 29
[166] سعود بن أحمد الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، القاهرة: المطبعة الجمالية، ط1، 1901م، 7/ 336، محمد بن أحمد الرملي، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، (بدون)، 1358هـ، 7/ 49، منصور بن يونس البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، بيروت: دار العلم للملايين، (بدون)، 1974م، 3/ 343.
[167] أحمد بن قاسم عنيسي، التاج المذهب في أحكام المذهب، صنعاء: دار الحكمة اليمنية، (بدون)، 1993م، 4/ 285، والجزيري، عبد الرحمن. الفقه على المذاهب الأربعة، القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، (بدون)، 5/ 278.
[168] انظر: صديقة العوضي، كمال محمد نجيب، زراعة الأعضاء التناسلية، جدة: منشورات مجمع الفقع الإسلامي، ص9، وأحكام نقل الخصيتين والمبيضين، وأحكام نقل الجنين الناقص الخِلقة في الشريعة الإسلامية. جدة: منشورات مجمع الفقه الإسلامي، ص 13
[169] قوله لا يتجاوز سنتين: عام 1415ه – رسالته أحكام الجراحة الطبية – 392 – وانظر حكم هذه المسألة فتاوى اللجنة الدائمة – (ج25/ص113) الفتوى رقم (21192) مجلة مجمع الفقه الإسلامي المدد 5 و7 و9 و12 – رسائل ومقالات الشيخ عبد الله وقيل – فتاوى الأزهر – 10 – 166-مجلس مجمع الفقه الإسلامي قرار رقم (59/8/6) المنعقد في دورة المؤتمر السادس (الجزء رقم: 25، الصفحة رقم: 114) بجدة في المملكة العربية السعودية لعام 1410هـ (مرفق ب).
[170] تقسيمات هذه الأعضاء، وما تستوجبه عند: سعود بن أحمد الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 7/ 113.