عادات احتفال الشعوب المسلمة بذكرى المولد النبوي
عادات احتفال الشعوب المسلمة بذكرى المولد النبوي / الأستاذ عثمان غفاري
عادات احتفال الشعوب المسلمة بذكرى المولد النبوي
بقلم الأستاذ عثمان غفاري
يستقبل المسلمون في شهر الربيع الأول من كل عام ذكرى المولد النبوي الشريف، والذي اختلف العلماء في تحديد يومه بالضبط ومشروعية الاحتفال به اختلافا شديدا صارت بذكره الركبان، لكن يظل جل المسلمين على أن مولد النبي صلى الله عليه وسلم يصادف الثاني عشر من ربيع الأول، ويحتفل به معظهم وفق العادات التي أخدوها عن آبائهم وأجدادهم.
فجل المسلمين لا يعتبرون هذا اليوم عيدا بالمعنى الشرعي أي أنه يخص بصلاة مخصوصة أو صوم مخصوص أو شعيرة مخصوصة كما هو الأمر في عيدي الأضحى والفطر لذلك لا يمكن اعتبار احتفالهم بدعة، كما أنه لا ينبغي إنكار أن بعض المحتفين بالذكرى يقعون في بعض المخالفات الشرعية المحرمة لكنهم أقل الأقلية، ولكن تبقى الغالبية العظمى ممن يكتفون بإظهار الفرح والسرور بمولد الهادي صلى الله عليه وسلم، مجتمعين للتذكير بشمائله ومدارسة سيرته والتوسعة على أمته، والتعرف سننه والتواصي على إحيائها، كل ذلك من خلال تقاليد وعادات تاريخية قديمة توارتثها الأجيال وتختلف باختلاف العصور والأحوال.

فلاحتفالات المولد النبوي الشريف في كثير من البلدان أجواء رائعة هي أشبه بفرحة الأعياد، يتم فيها تزيين الشوارع والساحات، مع تجهيز السرادقات لبيع الألبسة والحلويات وإنشاد القصائد والابتهالات وتسيير المواكب والمسيرات ورفع الرايات للتعبير عن الفرحة.
فرحة تدفع بعض الميسورين إلى الذهاب إلى الديار المقدسة لأداء العمرة وزيارة المدينة المنورة ومآثرها، في حين يعمد كثير من العامة لتسيير مواكب ومسيرات الاحتفال بالمولد خاصة في الأحياء الشعبية والمدن العتيقة، أما البقية الباقية فتحرص على تخليد الذكرى مع أسرهم وعوائلهم عبر زيارات صلة الرحم وإطعام الطعام وشراء الملابس الجديدة للأهل والأبناء.
ويبقى القاسم المشترك لدى العديد من الدول هو تحضيرهم لمختلف أنواع الحلوى وبيعها، فضلاً عن حلقات الذكر والسماع والمديح ونظم القصائد المذكرة بسيرة نبي الإسلام عليه أزكى الصلاة والسلام، ويكون هذا اليوم عطلة رسمية في أغلب الدول العربية والإسلامية.
وفي هذه السلسلة يستعرض موقع منار الإسلام أبرز مظاهر الاحتفال في ذكرى المولد النبوي في أغلب الدول العربية والإسلامية، وسنستهل هذه السلسلة بالحديث عن عادات شعوب الغرب الإسلامي
فليوم المولد النبوي طابع مميز للشعوب المغاربية، فهو يوم من أهم الأيام لديهم، ويقترن ميلاد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بشراء الملابس الجديدة من أجل الابتهاج بهذه المناسبة والاستعداد بأبهى حُلة، بينما تعمل ربّات البيوت على تجهيز مأكولات وحلوى مخصصة لهذه المناسبة وعلى رأسها “الكسكس” و “المعجنات والحلويات” وأصناف المأكولات.

فقد جرت العادة للشعب المغربي أن يقدم الخطاب هدايا المولد لخطيباتهم، وتسير المواكب الطوافة بالأحياء والشوارع ،أما في السودان فتنصب الخيام وتوزع السمسمية في جميع المدن وتضاء الطرق بالأنوار وتُرفع الرايات للاحتفال والإشارة إلى هذا الحدث الديني الذي يهز القلوب والمشاعر الدينية وتتقدم الفرق الصوفية برتنيم حلقات الذكر والإنشاد والمديح مع العديد من الدروس والمحاضرات الدينية التي تستمر حتى أذان الفجر، أما في تونس، فيكون الاحتفال بالمولد متميزاً حيث تشهد مدينة القيروان التونيسية على وجه الخصوص زيارة الكثير من المواطنين من مختلف أنحاء البلاد، كونها أول المدن الإسلامية التي تم بناؤها في بلاد المغرب الكبير والتي تعتبر منارة الإسلام هناك، وفي باقي المدن يتم تنظيم الكثير من حلقات الذكر مع قراءة القرآن والابتهالات في مدح الرسول، النبي محمد عليه الصلاة والسلام من خلال الإنشاد الديني، مع انتشار رائحة البخور في البيوت للإعلان عن الاحتفالات، كما يتم إعداد العصيدة بأنواعها، والغريب في الأمر أن هذه الأجواء لا تؤثر فيها أزمات سياسية ولا أوضاع اقتصادية واجتماعية، فهذا الشعب الليببي يحرص على الاحتفال بذكرى المولد النبوي، حيث تقوم الطرق الصوفية بعمل مسيرات احتفالية خاصة
فى العاصمة الليبية طرابلس مع إقامة سرادقات لقراءة القران والإنشاد وتوزيع الحلوى التي يتم إعدادها بطريقة خاصة، في حين يأخذ الاحتفال بهذه المناسبة في الجزائر شكلاً مختلفاً، فيكون ذو شكل رسمي، إذ يعتبر الجزائريون أن الاحتفال بيوم المولد النبوي الشريف مظهراً من مظاهر ترسيخ الهوية الجزائرية، ففي ليلة المولد النبوي الشريف، تتجمع الأسر والعائلات مع الأطفال على مائدة كبيرة مليئة بالشموع، ويردد الأطفال الأناشيد والقصائد الدينية على رأسها “طلع البدر علينا”، وذلك على إيقاع الطبول كما توضع الحناء للأطفال وللنساء، لكن يبقى الشعب المصري من أكثر الشعوب احتفاء بالذكرى حيث يتم الاحتفال في جميع محافظات مصر بصورة مميزة وبتقاليد لها طابع مميز، وأهم مظاهر الاحتفال هو انتشار حلوى المولد في الأسواق المصرية والخيام في الطرقات بجميع أنحاء البلاد ومحلات الحلوى. وجرت العادة على الاحتفال بهذه الذكرى بتنظيم احتفالات أكبر حفلات مدح الرسول والذكر.
وجدير بالإشارة أن التاريخ يؤكد على أن الفاطميين هم أول من احتفل بذكرى المولد النبوي الشريف في مصر، كما أن الدولة الفاطمية كانت تقوم بتنظيم الحفلات والفعاليات في سبيل الاحتفال بهذه المناسبة، حيث كانت توزع فيها الحلوى والصدقات للفقراء وهم أول من أدخل فكرة حلوى المولد النبوي الشريف التي تشتهر بها مصر اليوم.

