الاستعداد للمصير والمحاسبة
د. رضوان ابن شقرون
انطلاقا من قول الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴿281﴾﴾
خلق الله الإنسان في هذه الدنيا لأداء رسالة، والقيام بمهمة، ووهبه حياةً لا دخل للإنسان لا في بدايتها ولا في نهايتها، لكن الله عزّ وجلّ منحه خلالها فرصا للعمل، ومنحه معها عقلاً للتمييز والتسديد، ووحياً للهداية والترشيد، عوناً له على حسن القيام بمهمته وتمهيداً لأداء رسالته، وتحفيزاً لتحقيق هنائه في الدنيا وسعادته في الآخرة، فإن أحسن فله جزاء الحسنى، وإن أساء فله سوء العقبى.
وهذه الآية القصيرة المركزة تنبه الإنسان في كل زمان ومكان، وفي مختلف مراحل حياته إلى أمر قد يَذهَل عنه أو يَتيه، أو يُهمله بقصدٍ ويهيم، له أثر كبير في تحديد نوع الحياة الحقيقية الدائمة التي سيصير إليها بعد الحياة الدنيا القصيرة الفانية. وتنبه الآية إلى أن طريق النجاة هو (التقوى)، لمن أراد أن يتخذ لنفسه الحيطة والحذر من يوم الرجوع إلى الله والوقوف بين يدي الله للمحاسبة. وخلاصة معنى التقوى أن يعيش الإنسان حياته الدنيا ذاكراً ربه ومراقبتَه، طائعاً أوامرَه مجتنباً نواهيَه، شاكراً نعمه مؤدياً رسالتَه، لا يهجر ما أمره الله بارتياده كالمساجد وحلقات الدرس والعلم، ولا يقرب مما نهاه الله عن ارتياده كمجالس اللغو وأماكن الفسق وأوكار الفجور؛ وتقوى الله تحفظ من ذلك وغيره، وتُعوِّد الإنسان عادات الخير والصلاح ومجالس الهدى والرشاد.
فكأن الآية تقول للإنسان: الزَم تقوى الله طول حياتك، ولا تغُرّنّك الحياة الدنيا وزينتُها، ولا تُنسِيَنّك شهواتُ النفس ومُغرياتُها أن عليك ملائكة حفظةً كراماً يُطْلِعهم الله على ما تفعل فيكتبونه عليك كما هو، وستقرأ كتابك بنفسك، يوم يجد كل واحد ما عمل من خير أو شر مكتوباً في صحيفته، ويحاسب عليه بعدل رباني بريء من الظلم مغمور بالرحمة، يجازي كلاًّ على عمله بما يستحق، إلا أن يغفر الله برحمته وفضله.
ذلك على المستوى الفردي الشحصي، أما على المستوى الاجتماعي فإن الأفراد إذا أدوا مهامهم في الحياة بإيجاب وفاعلية ورشاد، وتحملوا مسؤولياتهم بأمانة وإخلاص، ارتقى المجتمع وسعد وسلم من الأمراض والأوبئة وانشغل عن التوافه والصوارف والأباطيل بالعظائم والمصالح والحوافز، وسارت الأمة في طريق المجد والسؤدد والعزة والكرامة، وللتقوى في ذلك كله أثر بالغ.