الدولة الموحدية ودعوى محاربة المذهب المالكي في المغرب
الدكتور عبد الله الجباري
الدولة الموحدية ودعوى محاربة المذهب المالكي في المغرب
بقلم: الدكتور عبد الله الجباري
مقدمة
استقر المذهب المالكي في الديار المغربية شمالا (الأندلس) وجنوبا (المغرب)، وانتشر في ربوع هذين القطرين بين الفقهاء والعامة، وبالغوا في ذلك إلى درجة الغلو والتعصب، وقد حكى الإمام ابن حزم نتفا من تعصبات بلدييه المالكيين قبل أن يتمكن المرابطون من الأندلس، وازداد المذهب رسوخا في هذه الديار التي أنجبت أعلاما كبارا عملوا على نصرة المذهب ونشر أدبياته تدريسا وتأليفا، مثل الأئمة أبي الوليد الباجي وأبي عمر بن عبد البر وأبي محمد بن عتاب وابن رشد الجد وأبي بكر ابن العربي المعافري والقاضي عياض السبتي وأبي بكر ابن الجد وأبي القاسم ابن ورد وغيرهم من رموز المذهب.
وغني عن البيان أن تظافر جهود هؤلاء الأعلام وغيرهم حقيق بضمان استمرارية المذهب المالكي وجعله مذهبا شعبيا معمولا به من قبل العامة والخاصة.
وبالنظر إلى الامتداد الجغرافي، نجد المذهب المالكي قد عمّ الأندلس بحواضرها وبواديها، وفي المغرب، نجده في سوس وسجلماسة ودرعة وتوات ومراكش وأغمات وسبتة وفاس وتلمسان، مما يدل على سرعة انتشاره وقبوله من قبل النخبة والعامة على السواء.
ومن المعلوم أن المذهب المالكي في هذه الديار قد انقسم إلى اتجاهين رئيسين، أولهما: اتجاه فروعي يميل إلى التقليد ونقل أقوال الفقهاء المعتمدين، وثانيهما: اتجاه تأصيلي يتبنى الاجتهاد وعدم الانحباس على أقوال الفقهاء.
وبالنظر في تراث المذهب وكتب التراجم نجد السيادة للاتجاه الأول، وقد ترتب عن ذلك انحرافات متعددة منها الإعراض عن السنة والرأي الصواب إن خالف المذهب، وقد ذكر القاضي عياض في ترجمة محمد بن يحيى بن لبابة أنه وقعت في عهده نازلة من نوازل الحُبس، وكان من أهل الشورى، فقال للقاضي في شأنها بعد أن قال المشاورون الآخرون رأيهم: “أما قول إمامنا مالك بن أنس فالذي قاله أصحابنا الفقهاء، وأما أهل العراق فإنهم لا يجيزون الحُبس أصلا، وهم علماء أعلام، يهتدي بهم أكثر الأمة … وأنا أقول فيها بقول العراقيين”، فانتفض في وجهه الفقهاء المشاورون الآخرون وقالوا: “سبحان الله، تترك قول مالك الذي أفتى به أسلافنا واعتقدناه بعدهم وأفتينا به لا نحيد بوجه عنه، وهو رأي أمير المؤمنين ورأي الأئمة آبائه !”[1]، وعقد ابن عبد البر مقارنة بين المغاربة وغيرهم، فذكر أن غيرهم يعقدون المناظرات لمعرفة الصواب، وإذا تبينت لهم الحجة والعلة في قول تبنوه وأجروا عليه نظائره وأمثلته، “وعلى هذا الناسُ في كل بلد إلا عندنا كما شاء ربنا، وعند من سلك سبيلنا من أهل المغرب”، وذكر أنهم يجتهدون في جمع الروايات عن فلان وفلان، وإن لم يدركوا معناها وصحة وجهها، وإذا ووجهوا بمن يخالف تلك الروايات اعتبروه كمن “خالف نص الكتاب وثابت السنة”، وإذا لقوا مخالفا يقول بقول أبي حنيفة أو غيره، لم يتجاوز حكاية قول صاحبه، ويعضدها بسرد مناقب مالك وفضائله[2].
قد لا يتردد عاقل في اعتبار هذا التعامل التقديسي مع أقوال المذهب والروايات عن الإمام نوعا من الانحراف الذي أصاب العقل الفقهي المالكي بالأندلس، وهو الذي امتد إلى المغرب، وقد ذكره غير واحد كابن حزم والمنذر بن سعيد البلوطي، لكنني اكتفيت بنتف مما قاله المالكية أنفسهم، وهذا الانحراف المتمثل في الإيغال في الفروعية واعتبار أقوال المذهب كنصوص القرآن والسنة كان في حاجة إلى وقفة تقويم وتجديد وتصحيح المسار، وهذا ما لم يقُم به المرابطون ولم يهتموا به.
ولما صل الموحدون بقيادة عبد المومن بن علي إلى الحكم، واستتب لهم الأمر بعد سقوط مراكش آخر قلاع المرابطين سنة 541هـ، أثر عنهم أنهم اجتهدوا في محو آثار أسلافهم المرابطين، ومن ذلك أنهم عملوا على محاربة المذهب المالكي الذي كان الإيديولوجية الرسمية للدولة المرابطية، وأنهم نكلوا بالمالكية، وراج بين بعض العلماء والمؤرخين والباحثين أن الدولة الموحدية تبنت المذهب الظاهري، واشتهرت هذه الأقوال وذاعت، فما وجه الصواب في المسألة؟
الانحراف المنهجي عند المالكية:
للحديث عن المذهب المالكي لا بد من التساؤل عن مفهوم “المذهب المالكي” وماهيته، هل هو أصول المذهب المعتمدة في الاستنباط والاجتهاد؟ أم هو مجموع أقوال أئمة المذهب وفقهائه؟.
معلوم أن المذهب الحق هو الالتزام بالأصول والاعتماد عليها في الاستنباط والاستدلال والاجتهاد، أما أقوال فقهاء المذهب فهي مجرد أقوال قيلت في سياقات خاصة، يمكن الاستفادة منها، ويمكن تجاوزها، ويمكن تخطئتها، لكن فقهاء المذهب المالكي ــ خصوصا في أواخر العهد المرابطي ــ صاروا معتكفين على ترديد أقوال فقهاء المذهب والاعتماد عليها دون تجاوزها في الفتوى والتصنيف الفقهي على السواء، قال الدكتور إبراهيم بن الصديق الغماري عن الأندلسيين ــ وهو الخبير بتراثهم العارف بمصنفاتهم ــ أنهم “تصرفوا في المذهب المالكي الغني بالأصول والقواعد المرنة والخصبة داخل إطار محدد ومحدود من أقوال ابن القاسم وأصبغ وأشهب وسحنون ومن بعدهم من فقهاء المذهب، ولم يخرجوا عليها حتى استبعدوا في كثير من الأحيان الاجتهادَ وفق أصول المذهب وقواعده فيما لم ينص عليه هؤلاء، وتكلفوا التخريج على أقوالهم، والقياس على أقيستهم، وهو ما وقع الاتفاق على منعه في أصول الفقه، مما جعل الفقه المالكي الذي أبلوا البلاء الحسن في خدمته عبارة عن جملة أقوال، وتخريجات على تلك الأقوال، واستظهارات لأقوال، وترجيحات بين أقوال، دون التقيد بقاعدة أو دليل، وهذا مشاهد وملموس لا ينازع فيه فقيه منصف”[3].
هذا العكوف على أقوال الفقهاء والاقتصار عليها في الصناعة الفقهية هو ما أشار إليه ابن العربي المعافري قبل الدكتور إبراهيم ابن الصديق بقرون، واعتبره قاصمة من القواصم، فقال: “ثم حدثت حوادث لم يلقوها في منصوص المالكية، فنظروا فيها بغير علم فتاهوا، وجعل الخلف منهم يتبع في ذلك السلف، حتى آلت الحال ألا ينظر إلى قول مالك وكبراء أصحابه، ويقال: قد قال في هذه المسألة أهل قرطبة وأهل طلمنكة وأهل طلبيرة وأهل طليطلة، فانتقلوا من المدينة وفقهائها إلى طلبيرة وطريقها، وحدثت قاصمة أخرى في تعلم العلم، فصار الصبي عندهم إذا عقل، فإن سلكوا به أمثل طريقة لهم، علموه كتاب الله، فإذا حذقه، نقلوه إلى الأدب، فإذا نهض فيه، حفظوه الموطأ، فإذا لقنه، نقلوه إلى المدونة، ثم ينقلونه إلى وثائق ابن العطار، ثم يختمون له بأحكام ابن سهل، فقال: قال فلان الطليطلي، وفلان المجريطي، وابن مغيث لا أغاث الله نداءه، ولا أناله رجاءه”[4].
هذا التحول من الاجتهاد بناء على أصول المذهب وقواعده إلى التقوقع على أقوال مَن سلفَ من الفقهاء والعكوف عليها حفظا وترجيحا وتخريجا واستظهارا هو انحراف منهجي خطير كان بحاجة إلى تصويب وتصحيح، لذلك تبنى الموحدون منهجا إصلاحيا لوضع حد لهذا الانحراف الفقهي بالحث على الرجوع إلى الأصول وعدم الإيغال في دراسة الفروع وتكرارها وحفظها، والرجوع إلى الأصول ليس مناقضا للمذهب المالكي، لأن الرجوع إلى القرآن والسنة والإجماع والقياس والاستصلاح وغيرها من الأصول هو في الأصل رجوعٌ إلى المذهب وليس خروجا عنه ونفورا منه، وسبب اللبس الواقع في توصيف عمل الموحدين، أنهم حاربوا الاتجاه الفروعي في المذهب، وأحرقوا بعض كتب الفروع الجامعة للأقوال، وبما أن البعض يعتبر تلك الكتب وتلك الأقوال الفروعية هي المذهب عينه، جمع بين المقدمتين وخلص منهما إلى أنهم حاربوا المذهب وحاولوا محوه من الوجود وعملوا على التنكيل بفقهائه، فانتشرت هذه الدعوى، مع أن العكس هو الصحيح، وهو أن الموحدين عملوا على ترسيخ المذهب المالكي في المجتمع كما سنجلي ذلك لاحقا، وهذا ما قاله غير واحد.
المذهب المالكي في عهد الدولة الموحدية:
قال ابن الأثير (ت:630هـ) عن عبد المومن بن علي أنه “كان عاقلا حازما سديد الرأي، حسن السياسة للأمور، كثير البذل للأموال، إلا أنه كان كثير السفك لدماء المسلمين على الذنب الصغير، وكان يعظم أمر الدين ويقويه، ويلزم الناس في سائر بلاده بالصلاة، ومن رئي وقت الصلاة غير مصلٍّ قُتل، وجمع الناس بالغرب على مذهب مالك في الفروع، وعلى مذهب أبي الحسن الأشعري في الأصول”[5]، ومثل هذا النص بتصرف طفيف نجده عند ثلة من المؤرخين مثل الملك المؤيد صاحب حماة أبي الفداء إسماعيل بن علي (ت:732هـ)، وشهاب الدين النويري (ت:733هـ)، وابن فضل الله العمري (ت:749هـ)، وأبي حفص عمر ابن الوردي (ت:749هـ)، وأبي البقاء الدميري الشافعي (ت:808هـ)[6].
لعل ذكر هؤلاء لدور عبد المومن في جمع المغاربة على مذهب مالك لم يكن اعتباطا، وهم وإن كانوا مشارقة، فإنهم ــ في الغالب ــ نقلوا ذلك من كتاب مفقود من الكتب المؤرخة للعصر الموحدي، أو لعل أقدمهم وهو ابن الأثير نقل ذلك من كتاب مفقود، وهم اعتمدوا عليه ونقلوا كلامه، ومهما يكن من أمر، فإننا سنبين مالكيةَ الموحدين وعدم تبنيهم للمذهب الظاهري من وجوه:
أولا: مع المهدي بن تومرت (ت:524هـ).
يعدّ المهدي بن تومرت المنظر الإيديولوجي الأول والرئيس للموحدين، على أدبياته تتلمذوا، وعلى أفكاره اعتمدوا، خصوصا في عهد عبد المومن وابنه يوسف، وقد نُسب إلى الظاهرية، قال شيخ المؤرخين المغاربة محمد المنوني رحمه الله: “الواقع أن مسألة الظاهرية ليست آنية من عبد المومن ثم يوسف فقط، وإنما منشؤها الأصلي من ابن تومرت مؤسس الدولة الموحدية، يدل لهذا ما أثبته ابن الخطيب أن ابن تومرت كان ينكر كتب الرأي والتقليد، ومراد ابن الخطيب بهذا الإنكار أنه كان ينتحل المذهب الظاهري كما تنطق بهذا تحلية الونشريسي في المعيار للمذكور بالظاهري، ويؤيده أيضا نسبته إليه في كتاب بيوتات فاس لأبي زيد عبد الرحمن الثاني الفاسي، وعبارته: إن ملوك الموحدين قد تحلوا بالمذهب المعروف لهم من إنكار الرأي في الفروع الفقهية، والعمل شرعا على محض الظاهرية، وجروا على ذلك سنين بطول إيالتهم إلى أن انقرضوا، أولهم في ذلك مهديهم أولُ ملوكهم”، ليخلص المحقق المنوني إلى أن فكرة الظاهرية كانت “متأصلة من ابن تومرت”[7]. ويرى المؤرخ المصري عبد الله عنان أن ابن تومرت كان يأخذ بالمذهب الظاهري، وأنه كان يقول بوجوب الاعتماد في استقاء الأحكام على القرآن والسنة دون غيرهما”[8].
وعموما، فنسبة المهدي بن تومرت إلى الظاهرية مذكورة عند غير واحد، لكننا لا نجرؤ على نسبته إلى الظاهرية أو إلى غيرها استنادا على ما قاله هؤلاء وغيرهم رغم جلالتهم في مجال البحث التاريخي، بل عملنا على البحث والتنقيب في سيرة الرجل وتراثه للتعرف من كثب على مذهبيته، وقد جلينا ذلك بناء على عتبات أساس، أهمها:
1 ــ تلقى المهدي بن تومرت تعليمه الأول بالمغرب، وهو بيئة مالكية إبانئذ، ورحل إلى المشرق، ولقي رمز الشافعية أبا بكر الشاشي (ت:507هـ) وغيره، ولم يلق أحدا من الظاهرية، ولم يكن للمذهب الظاهري رواج هناك، كما لم يكن له رواج في بيئته السوسية.
2 ــ كان للمهدي كبيرُ عناية بالموطأ، ومعلوم أن الموطأ ليس كتاب حديث محض كصحيح مسلم، بل هو كتاب حديث ممزوج بأقوال الفقهاء من الصحابة والتابعين، ومطرز بأقوال مالك وآرائه، إضافة إلى العمل المدني، وبعض الأقيسة، وعملُ المهدي كان بمثابة إعادة صياغة الموطأ وفق تبويب خاص، لذا عمل على تشطير أبواب الموطأ وتصرف فيها تقديما وتأخيرا، مع تكرار ما يحتاج إلى تكراره[9]، وصياغة تراجم الأبواب دون الالتزام بتراجم المصنف، مع حذف الأسانيد وحذف أقوال يسيرة هنا وهناك، ومما يلاحَظ على موطأ المهدي:
أ ــ تضمن موطأ المهدي كثيرا من الأقوال التي اعتمد فيها المصنف على عمل أهل المدينة، مستعملا عبارات الإمام مالك، مثل: الأمر عندنا[10]، لم يزل على ذلك أمر الناس عندنا[11]، الأمر المجتمع عليه عندنا[12]، الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه[13]، السنة عندنا[14]، السنة التي لا اختلاف فيها عندنا[15]، والأمثلة على ذلك كثيرة.
ب ــ لم يحذف المهدي أقيسة مالك الواردة في الموطأ، مثل قياسه المعدن على الزرع في قوله: “والمعدن بمنزلة الزرع، يؤخذ منها حين يخرج كما يؤخذ من الزرع حين يحصد، ولا ينتظر أن يحول عليه الحول”[16].
ج ــ أورد المهدي بن تومرت ثروة من أقوال مالك الواردة في الموطأ، لذلك نجده مملوءا بعبارة: قال مالك[17].
د ــ أثبت المهدي بن تومرت في الموطأ أقوالا مناقضة لآراء الظاهرية منتقَدَة عندهم، فأورد مثلا تحت ترجمة “في من جلد في الخمر ثمانين” كلام الإمام علي الذي أورده مالك في الموطأ: “إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى”، وبنى عليه قوله: “فجلد عمر في الخمر ثمانين”[18]، فإضافة إلى تبني القياس في هذه المقولة، فإن لرمز الظاهرية ابن حزم مجهودا كبيرا في تزييفها وتضعيفها سندا ومتنا.
بناء على المعطيات السابقة، يتبين لنا أن المهدي بن تومرت كان مخالفا للظاهرية منابذا لمسلكهم، إذ لو كان ميالا إليهم لحذف الأقوال الفقهية المخالفة للظاهرية، ولحذف ما بناه الإمام مالك على العمل المدني، ولحذف ما في الموطأ من الأقيسة، بل إن إثباته لأقوال مالك وتكرار ذلك يمكن اعتباره ــ إضافة إلى ما سبق ــ دليلا على مالكيةِ المهدي ومالكية تلاميذه بالتبع.
3 ــ يمكن للقائل بظاهرية المهدي أن يقول بأنه في الموطأ لم يكن منشئا للكتاب ولا مستقلا فيه، لذا تبع الإمام مالكا في بعض ما تضمنه مصنفه، لكن هذا لا يصمد حين نيمم وجهنا إلى كتابه الآخر الموسوم بـأعز ما يطلب، حيث نجد أقوال المهدي أصالةً واستقلالا، وأحيانا نجدها بتصرف من خلَفه ووارث سره عبد المومن بن علي، ومما نقف عنده في هذا الكتاب مما له علاقة بموضوعنا:
أ ــ اعتبار عمل أهل المدينة أصلا تشريعيا: قال: “كل ما نقل أهل المدينة وكان عملهم عليه متتابعا فهو الصحيح”[19]، ثم أضاف: “العراق وغيرها لم يكن فيها دين، فلهذا صار عمل أهل المدينة حجة على غيرهم، فإن قال قائل: قد وردت أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم رواها الصحابة، فلم ترك أهل المدينة العمل بها؟ ولم لا تكون حجة؟ فنقول: لا يخلو تركهم لذلك من ثلاثة أوجه:
* إما أن يتركوا العمل به مع علمهم به عنادا منهم؛
* وإما أن يتركوه جهلا به؛
* وإما أن يتركوه لوجه جائز.
فمحال أن يتركوه عنادا منهم، فإن ذلك يؤدي إلى خلاف ما وصفهم الله به من اتباع الرسول والطريقة المثلى. ومحال أن يجهلوه ويعلمه الغير، لما كانوا عليه من الحرص على الدين، ومشاهدة الرسول، وكون جمهورهم في المدينة. فإذا بطل هذان الوجهان لم يبق إلا أنهم تركوه لوجه جائز، إما لنسخ أو لتوقع اختراع أو افتعال أو لعدم ثقة أو غير ذلك، فثبت بهذا أن عمل أهل المدينة حجة على غيرهم، وقد جرى مثل هذا لمالك مع أبي يوسف في حين المناظرة بينهما، فظهرت حجة مالك في مسألة المد”[20].
ب ــ تقديم خبر الواحد على القياس: تعد هذه القضية مما وقع فيها الخلاف بين الأحناف وغيرهم، وقد مال المهدي بن تومرت إلى رأي الجمهور، ومنهم المالكية، وأضاف ما يدل على أن هذا الخلاف غير معتبر وغير سائغ، فقال: “لا يجوز تقديم قياس على الخبر إذا وجد، ولا يصح، ولا يجوز في ذلك خلاف، ولا ينبغي أن يقال: يقدّم القياس على الأخبار، لوجوب قبول الأخبار إذا كانت على شروط القبول، ولا خلاف في ذلك”[21]، وقال في موضع آخر: “إذا ورد الخبر سقط القياس”[22].
ج ــ تقديم العمل على القياس: إذا عارض العمل القياسَ كان العمل مقدَّماً، لأنه نقلٌ والقياس رأيٌ، قال المهدي بن تومرت: “أما مقابلة القياس للعمل فمثاله ما ورد في الربويات، وما ورد في أخذ الزكاة من أموال اليتامى، وما كان عليه العمل من ترك الزكاة من الحلي وكان القياس أخذُها منه قياسا على الذهب والورق، فكل ما كان عليه العمل وكان القياس يناقضه، فالواجب اتباع العمل”[23].
د ــ اعتماد القياس: ذكر المهدي بن تومرت الأصول المعتمدة في الصناعة الفقهية، ولم يذكر ضمنها القياس، لذلك أعقبها بتساؤل افتراضي: “إن قال قائل لم حصرتم الشريعة في هذه العشرة وتركتم الإجماع والقياس وهما أصلان في الشريعة؟”، فأجاب بقوله: “إنهما داخلان فيما قدمناه ومتضمنان فيما عددناه”[24].
وله تطبيقات عملية للقياس، منها القول بالتيمم إلى المرفقين خلافا للظاهرية، لأن الأصح في نظره “حملُه على المرفقين قياسا على المبدل منه، وهي الطهارة، وحمله على ما يناسبه أولى من حمله على غيره”[25]، ومنها اشتراط الترتيب في طهارة التيمم قياسا على الترتيب في طهارة الوضوء[26]، ومنها جواز الصلاة في مواطن البقر قياسا على الصلاة في مواطن الغنم، ورفض قول الشافعية بناء على مخالفته للقياس، قال: “والذي ورد من النهي عن الصلاة في معاطن الإبل، فتلك عبادة لا يعقل معناها ولا يسوغ فيها تعليل، فلما رأينا الغنم صلي في مراحها، قسنا عليها البقر وما في معناها من طريق قياس الشبه، وهو قياسٌ مستد صحيح، وذهبت الشافعية إلى القول بنجاستها، وتعلقوا بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين، وقال بأنهما يعذبان، ومما قاما به أنهما لا يستتران من البول، فتعلقوا بعموم البول … وهذا الذي ذهبوا إليه ليس بشيء لضعفه، وتغليب القياس عليه”[27].
هـ ــ رفض القياس الفاسد: وقع شطط كبير في استعمال القياس من قبل الفقهاء، ولم يشايعهم المهدي بن تومرت في أقيستهم، بل رفض بعضها وبيّن عدول أصحابها عن المنهج السليم، فقال أثناء مناقشته لمسألة البلوغ بعد الوضوء: “فإن قال قائل: لمَ منعتم أن تكون طهارته تلك يصح بها فعل الصلاة قياسا على المخاطب المكلف يتوضأ لنافلة ويصلي بها الفريضة الواجبة؟ قيل: هذا قياس عدل عن معنى القياس، والفرق بينهما ظاهر ليس فيه التباس”[28]، وقال أيضا: “القياس الشرعي هو المساواة في الوجوب أو التحليل أو التحريم، فهذه الثلاث هي المعتبر في القياس الشرعي، وهي مطردة في جميع الشرع، فمتى خرج عن هذه الثلاث أو واحدة منها لم يصح قياس، ولا يقاس بعضها على بعض لأنها متناقضة، ولا يصح القياس في المتنافيات خلافا لما ذهب إليه من لا معرفة له بالقياس، فقاسوا المتناقضات كالمحرمات على المباحات، ومزقوا الشرع كل ممزق”[29].
و ــ مخالفات للظاهرية: تبنى المهدي بن تومرت أقوالا فقهية متعددة مخالفة لما تقرر في المذهب الظاهري، منها:
** نجاسة المني: قال المهدي بن تومرت: “وأما المني فإنه نجس بإجماع الصحابة”[30]، وهو هنا موافق للمالكية، ومخالف للظاهرية، قال ابن حزم: “والمني طاهر في الماء كان أو في الجسد أو في الثوب”[31].
** جِلْدِية الخفين: للمسح على الخفين، ذكر المهدي بن تومرت شروطا، منها أن يكونا من الجلد[32]، فوافق المالكية، وخالف الظاهرية الذين قال لسانُهم ابن حزم: “اشتراط التجليد خطأ لا معنى له، لأنه لم يأت به قرآن ولا سنة ولا قياس ولا صاحب”[33].
** التيمم لفرض واحد: ذكر المهدي بن تومرت مجموعة من شروط التيمم وأحكامه، وقال: “أما جمعُ صلاتي فرض بتيمم واحد فلا يجوز، لأن بنفس تمام صلاة واحدة انتقضت طهارته، وتعين عليه طلب الماء للعبادة الأخرى”[34]، فوافق المالكية في هذا القول، وخالف الظاهرية الذين علّق إمامُهم ابنُ حزم على هذا القول الفقهي بقوله: “لا متعلق له بحجة أصلا، لا بقرآن ولا بسنة صحيحة ولا سقيمة ولا بقياس، ولا يخلو التيمم من أن يكون طهارة أو لا طهارة، فإن كان طهارة، فيصلي بطهارته ما لم يوجب نقضَها قرآنٌ أو سنة، وإن كان ليس طهارة، فلا يجوز له أن يصلي بغير طهارة”[35].
تأسيسا على ما سبق، يتبين لنا أن المهدي بن تومرت لم يكن ظاهريا ولم يمِل إلى الظاهرية، ومنه يتبين وهمُ ما ذهب إليه المؤرخان الكبيران محمد المنوني وعبد الله عنان[36] وغيرهما، بل يمكننا أن نقول باطمئنان بأن المهدي بن تومرت كان مالكيا في الأصول، متبنيا لأصل عمل أهل المدينة، وهو أصل مالكي خالص، ومتبنيا لأصل القياس، وهو أصل فارِقٌ بينه وبين الظاهرية، بل بيّنا بعض أقواله الفروعية التي وافق فيها المالكية وخالف الظاهرية، ومن المستبعد جدا أن تتبنى الدولة المومنية المذهب الظاهري وتنبذ المذهب المالكي وتخالف مبادئ منظّرها وإمامها.
ثانيا: مع عبد المومن بن علي (ت:558هـ).
وصل الثوار الموحدون إلى الحكم بعد وفاة المهدي بن تومرت، وأول من تولى الحكم فيهم هو تلميذه عبد المومن بن علي (ت:558هـ)، ومكث في السلطة إحدى وعشرين سنة[37]، عمل فيها على إرساء دعائم الدولة، ووضع لبناتها الأساس.
وعبد المومن رجل دولة ورجل دعوة، وهو رفيق المهدي ومساعده في المواجهة مع المرابطين وفي إرهاقِهم والإطاحةِ بدولتهم، لذلك من المستبعد أن يتخلى عن منهج شيخه وأستاذه، لذا نرى أنه التزم المذهب المالكي ولم يحد عنه إلى الظاهرية، فكان من جملة أعماله أنْ حرص على تأطير نخبة المجتمع بأدبيات المهدي من خلال الحرص على تحفيظهم كتابيه، قال عنه صاحب الحلل الموشية: “وقف الحفاظ لحفظ كتاب الموطأ هو وكتاب أعز ما يطلب وغير ذلك من تواليف المهدي، وكان يدخلهم كل يوم جمعة بعد الصلاة داخل القصر، فيجتمع الحُفاظ فيه، وهم نحو ثلاثة آلاف ــ كأنهم أبناء ليلة ــ من المصامدة وغيرهم، قصد بهم سرعة الحفظ والتربية على ما يريده”[38]، ومعلوم أن كتابي المهدي المذكورين مليئان بعمل أهل المدينة والأقيسة والأقوال المخالفة للظاهرية كما أسلفنا، وهذا ما يرجح عدم ظاهريته وفاقا لمنهج إمامه وقائده.
قد يشوش على ما قررناه من عدم ظاهرية عبد المومن ما روي عن أبي عبد الله ابن زرقون (ت:586هـ) حسبما ذكره البرزلي في نوازله، فإنه قال: “لما أن اطمأنت بالأمير عبد المومن الدار، جمع الفقهاء، إما لاختبارهم عن مذهبهم أو على أن يحملهم على مذهب ابن حزم”، وقال أبو عبد الله ابن زرقون جامع الاستذكار والمنتقى: “كنت في من جمعني مع الفقهاء، قام على رأسه كاتبه ووزيره أبو جعفر بن عطية، فخطب خطبة مختصرة”، ومما قاله فيها مخاطبا الفقهاء: “بلغ سيدنا أن قوما من أولي العلم تركوا كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وصاروا يتحكمون بين الناس ويفتون بهذه الفروع والمسائل التي لا أصل لها في الشرع، أو كلاما هذا معناه، وقد أمروا أن من فعل ذلك بعد هذا، ونظر في شيء من الفروع والمسائل عوقب العقاب الشديد”، وبعد ذلك تدخل عبد المومن وأشار إلى كتاب المدونة، وأن الفقهاء يسمونها “الكتاب”، ويقدمون مسائلها على السنة، فحذرهم من الاستمرار على هذا النهج، وضرب لهم مثالا من نوازل الصلاة، والقوم سكوت، فتدخل أبو عبد الله بن زرقون، فاستدل لتلك النازلة من السنة وفاقا لقول المدونة، ثم قال: “جميع ما في هذا الكتاب مبني على الكتاب والسنة وأقوال السلف والإجماع، وإنما اختصره الفقهاء تقريبا لمن ينظر فيه من المتعلمين والطالبين”، وبعد مداخلته انطلقت ألسنة الفقهاء مؤيدة له، فدعا لهم عبد المومن ثم انصرف[39].
استدل غير واحد من العلماء والباحثين على ظاهرية عبد المومن ونبذه للمذهب المالكي بهذه الواقعة، والاستدلال بها على ذلك لا يُسَلَّم من وجوه:
أولها: لم يذكر هذه الواقعة أحد من مترجمي عبد المومن أو وزيره وكاتبه أبي جعفر بن عطية أو الفقيه المالكي أبي عبد الله ابن زرقون، وذكرها البرزلي(ت:841هـ) المتأخر، ونحن نتمسك باستبعاد وقوعها لعدة اعتبارات، أهمها أن قضيةً فيها حضورٌ للسلطان، وتحذيرٌ شديد اللهجة صادر عنه، وفيها حضور للفقهاء ومواجهتهم للقرار السلطاني، حري بأن تشيع وتنتشر وتصير على كل لسان، وتُنظَم في أكثر من قصيد، وعدم ذكرها من قبل كتاب التراجم والسير ومؤرخي الدولة الموحدية يجعلنا نتعامل معها بنوع من الريبة.
ثانيها: البرزلي نفسه صدّر القصة بصيغة التردد، فذكر أن عبد المومن جمع الفقهاء إما “لاختبارهم عن مذهبهم أو على أن يحملهم على مذهب ابن حزم”، وقضية كهذه لا نحسم فيها بناء على هذه الصيغة.
ثالثها: الرواية ليست دقيقة، لأنها رويت بالمعنى، بدا ذلك جليا من عبارة البرزلي: “أو كلاما هذا معناه”.
رابعها: لم ترد في القصة أية عبارة دالة على نبذ المذهب المالكي، بل تضمنت عبارة دالة على التحذير من النظر في “الفروع والمسائل”، وهذه العبارة ليست دالة على المذهب، بل هي محتملة لذلك، أو محتملة للتمسك بالمذهب أصولا وقواعد مع رفض التمسك بـ”الفروع والمسائل” حفظا وتخريجا وتفريعا وقياسا، وهو ما عبرنا عنه سابقا بالانحراف المنهجي.
بناء على هذه الملاحظات وتأسيسا عليها، نرجح أن عبد المومن بن علي لم يكن ظاهريا، ولم يدعُ إلى الظاهرية، ولم يرِد نبذَ المذهب المالكي، بل يمكننا أن نقول باطمئنان بأنه كان مالكيا كشيخه وقائده المهدي بن تومرت.
ثالثا: مع أبي يعقوب يوسف بن عبد المومن (ت:580هـ).
يعد أبو يعقوب يوسف بن عبد المومن أحد أشهر سلاطين الدولة الموحدية، وكان ذا مشاركة في الفقه والعلوم، وهو أطول سلاطين الدولة مكوثا في السلطة، أمضى على عرشها ثلاثا وعشرين سنة إلا قليلا، واشتهر بالانفتاح على كتب الحكمة والفلسفة، وأدنى إليه الفيلسوفين ابن طفيل وابن رشد، وله انفتاح على أيام العرب وتاريخهم، واهتمام بالغ باللسان العربي، ومع كل ما أُثر عنه مما ذُكر وغيره، لم يؤثر عنه شيء ذو بال في التجديد الفقهي أو ما يعتبر حيدة عن المذهب المالكي أو ترجيحا للمذهب الظاهري، بل ورد في كتب التاريخ ما يدل على أن عهده كان موسوما بالاستمرارية على منهج أبيه عبد المومن، فاستمر الاهتمام بموطأ المهدي، وكان يُحفظ ويُعرض في مجلسه، ويطلق على من اجتازوا هذه المرحلة لقب “الحُفاظ”، وهم الذين يعينون أمراء ووزراء ومستشارين[40]، لذا نقول بأنه أبقى الدولة من الناحية المذهبية كما كان الأمر على عهد أبيه عبد المومن، وأنهما كانا مالكيين كما جلينا ذلك بدلائله وشواهده، وقد وجدنا ما ذهبنا إليه مقررا عند العلامة عبد الله كنون رحمه الله الذي ترجح لديه أن “الحالة بقيت كما كانت في أيام المرابطين مدة حكم عبد المومن وابنه يوسف”[41]، وبقاؤها كما كانت أيام المرابطين يعني به بقاؤها على المالكية.
يشار إلى أن عهدي عبد المومن بن علي وابنه يوسف دام حوالي أربعين سنة (540هـ ــ 580هـ)، وهي مدة تغطي أكثر من ثلث العهد الموحدي، ورغم طول المدة، فإننا لم نعثر بعد على دليل يعضد أطروحةَ ظاهريةِ الموحدين وجهودهم في نشر المذهب الداودي.
رابعا: مع أبي يوسف يعقوب المنصور (ت:595هـ).
ذكر العلامة محمد المنوني أن طابع التجديد عند الموحدين يتجلى في عدة نقاط، منها “حملُ الناس على مذهب الظاهرية”[42]، هذا الكلام العام عن الموحدين سنجده عند الأستاذ المنوني منسوبا إلى يعقوب المنصور على وجه الخصوص، فذكر أن المذهب الظاهري “كان محبوبا من طرف الخلفاء الموحدين، وبصفة أخص لدى يعقوب المنصور، فقد بلغ من إعجابه به إلى حد أنْ كان يقول عن أحد أشياخ الظاهرية الكبار ــ ابن حزم ــ: إن كل العلماء عيال عليه، ويعقوب هذا هو الذي حمل الناس بالفعل على المذهب الظاهري، وأحرق كتب المالكية وفاقا لما في المعجب”[43].
هذا التقرير صدر عن الأستاذ المنوني في كتابه “العلوم والآداب والفنون في عهد الموحدين” الذي ألفه نهاية الأربعينيات، وأصدره سنة 1950، ثم أصدر طبعته الثانية سنة 1970، ثم أعاد طبعه مع إضافات سنة 1989 بعنوان “حضارة الموحدين”، وبقي هذا التقرير مثبتا في نسخ الكتاب دون تعديل أو تغيير، رغم مقدمة العلامة عبد الله كنون التي نُشرت معه منذ طبعته الأولى، وقد كشف من خلالها أنه يخالف المؤلفَ في بعض ما ذهب إليه، مثل “ترجيحه أن الموحدين كانوا ظاهرية في الفقه، وأن دعوتهم لنبذ مذهب مالك لم تكن إلا للتمسك بمذهب داود، وتأويله للنصوص التي تدل على أنهم كانوا أهل سنة وحديث، وأن دعوتهم كانت للاجتهاد المطلق”[44]، وعدم تعديل العلامة المنوني لما قرره دال على اقتناعه بظاهرية الموحدين ونبذهم للمذهب المالكي، فهل نتبنى رأيه ونميل إليه؟ أم نرجح رأي العلامة عبد الله كنون؟
لعل أول من يساعدنا في نقد أطروحة الأستاذ المنوني هو الأستاذ المنوني نفسه، لأنه تتبع المصادر التاريخية واستخرج منها المصنفات المعتمدة في التدريس إبان العهد الموحدي، ومنها الكتب المعتمدة لدراسة الفقه وأصوله، وذكر منها: * الأحاديث التي جمعها ابن تومرت في الطهارة * أحاديث الصلاة التي أمر يعقوب المنصور بجمعها * الأحكام الصغرى لعبد الحق * النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني * الرسالة له * كتاب ابن يونس * تهذيب البراذعي للمدونة * تأليف عباد بن بزجان في الفرائض * البرهان لإمام الحرمين * التلخيص مختصر التقريب والإرشاد له * المستصفى للغزالي[45].
ومما يلاحظ على هذا البرنامج أنه خِلوٌ من أي كتاب من كتب الظاهرية، ولو كانت الدولة ذات رغبة في تبني المذهب الظاهري أو ذات ميول له، لفرضت من خلال الشيوخ المرتبطين بها المتصدرين للتدريس كتابَ الإحكام لابن حزم لمزاحمة مستصفى الغزالي في الأصول، وكان بإمكانها أن تقحم المحلى لابن حزم ليزاحم النوادر والزيادات للقيرواني في الفقه، وكان بإمكانها أن توعز لأحد شيوخها بتأليف رسالة مختصرة في الفقه الظاهري لتضعها في برامج الدروس والإقراء بدلا عن رسالة ابن أبي زيد، لكن شيئا من هذا لم نجده، فكيف تكون الدولة ظاهريةً ولا وجود لأي كتاب من كتب الظاهرية معتمَداً في الإقراء والتدريس في عهدها؟.
وثاني الملاحظات على ما قرره الأستاذ المنوني أنه استدل على رأيه ليعضد أطروحته بكون يعقوب المنصور الموحدي كان معجبا بابن حزم، وكان يعدّ كل العلماء عيالا عليه، وهذا لعمري من باب التغليب، ويعقوب المنصور في الغالب كان يقصد بعمومِ (كل العلماء) علماءَ الغرب الإسلامي من معاصري ابن حزم ومَن بعده إلى عهده، وهو مُحقّ في ذلك، إذ لا نجد في الغرب الإسلامي من كان يضاهي ابن حزم علما وموسوعية وحفظا واستحضارا وقدرة على الحجاج، والثناء على أمثاله والإعجاب بهم ديدن المصلحين غير المتعصبين مذهبيا، وقد وقفت على نصوص عدد من الفقهاء المذهبيين جارحةً لابن حزم مسفهةً له، مثل النصوص التي دبجها ابن العربي المعافري المالكي، ووقفت في المقابل على نصوص صادرة عن الحافظ أحمد بن الصديق الغماري، وهو عالم متحرر غير أسير للقيود المذهبية، لذلك كانت كلماته تنثر أريج الثناء على ابن حزم، رغم أنه كان ينتقده في بعض أقواله وآرائه، وكان من أهل القياس في الصناعة الفقهية، ولم يكن ظاهريا.
وعموما، فالثناء على ابن حزم والإعجاب به ليس دليلا على ظاهرية يعقوب المنصور، بل هو إقرار للواقع، وإنصاف من يعقوب المنصور في حق هذا العبقري الفذ، ويكفي أنه ربما الوحيد في الغرب الإسلامي الذي كان إماما في الفقه، وإماما في الحديث، وإماما في الأصول، وإماما في المنطق، وإماما في الأنساب، وإماما في التاريخ، مع مشاركة في الأدب وغيره، فهل تقصر هذه القامة عن عبارة “كل العلماء عيال عليه”؟
وثالث الملاحظات على ما قرره الأستاذ المنوني رحمه الله، إقراره بأسلوب جازم أن يعقوب المنصور هو الذي حمل الناس بالفعل على المذهب الظاهري، وهذه العبارة لا يجوز استعمالها إلا إذا تحقق لنا أمران:
أولهما: وجود نص رسمي يتضمن أمرَ السلطان للفقهاء والعامة بتبني هذا المذهب؛
ثانيهما: الاقتصار على تعيين القضاة من الظاهرية دون سواهم.
والطريقة الأولى تعمل على ترسيم المذهب الظاهري بالمراسيم الملزمة، كما فعل الحكم بن عبد الرحمن في شأن المذهب المالكي بالأندلس عن طريق مراسيمه التشريعية المتضمنة للوعيد الشديد عند المخالفة، والطريقة الثانية تعمل على ترسيمه وترسيخه بطريقة ناعمة مثل طريقة سحنون في ترسيخ المذهب المالكي بإفريقية.
وبالنسبة ليعقوب المنصور الموحدي، فإنه لم تثبت عنه الطريقتان أو إحداهما، فبقيت عبارة الأستاذ المنوني: “حمل الناس بالفعل على المذهب الظاهري” عريةً عن كل برهان.
وأما خامس الملاحظات على ما قرره الأستاذ المنوني رحمه الله، فهي استدلاله على ظاهرية يعقوب المنصور بإحراقه لـ”كتب المالكية” وفاقا لما ذكره المراكشي في المعجب، فما وجه الصواب في هذا؟ وهل فعلا أحرق المنصور كتب المالكية عامةً؟
لنرجع إلى نص المراكشي في المعجب وغيره من متقدمي المؤرخين، قال المراكشي عن المنصور: “وفي أيامه انقطع علم الفروع، وخافه الفقهاء، وأمر بإحراق كتب المذهب بعد أن يجرد ما فيها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن، ففعل ذلك، فأحرق منها جملة في سائر البلاد، كمدونة سحنون، وكتاب ابن يونس، ونوادر [ابن] أبي زيد ومختصره، وكتاب التهذيب للبراذعي، وواضحة ابن حبيب، وما جانس هذه الكتب ونحا نحوها، لقد شهدت منها وأنا يومئذ بمدينة فاس، يؤتى منها بالأحمال فتوضع ويطلق فيها النار، وتقدم إلى الناس في ترك الاشتغال بعلم الرأي والخوض في شيء منه، وتوعد على ذلك بالعقوبة الشديدة، وأمر جماعة ممن كان عنده من العلماء المحدثين بجمع أحاديث من المصنفات العشرة، الصحيحين والترمذي والموطأ وسنن أبي داود وسنن النسائي وسنن البزار ومسند ابن [أبي] شيبة وسنن الدارقطني وسنن البيهقي في الصلاة وما يتعلق بها”، وأمر المنصور بحفظ هذا المجموع ونشره وتقديم العطاء على ذلك، ثم قال المراكشي: “وكان قصده في الجملة محو مذهب مالك وإزالته من المغرب مرة واحدة، وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث، وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده، إلا أنهما لم يظهراه، وأظهره يعقوب”[46].
هذا نص المراكشي في المعجب، ولنا عليه تعليقات:
أ ــ يجب أن نميز بين الحادثة باعتبارها واقعة تاريخية، وبين فَهْم الغير لتلك الحادثة وقراءته لها، فالحادثة كما حكاها المراكشي هي إحراق المنصور لكتب الفروع، أما إرادة المنصور محو مذهب مالك، فليس قولا للمنصور ولا تعبيرا صريحا صادرا عنه، وإنما هو فهمٌ فهمه المراكشي من الحادثة، ومعلوم أن فَهْمَ الإنسان للحادثة قد لا يكون دقيقا، وقد يخضع لمبالغات وتهويلات.
ب ــ يبدو أن في كلام المراكشي نوعا من الاضطراب أو عدم التدقيق، لأنه يستعمل في هذا الاقتباس أربع عبارات على أساس أنها مترادفة، وهي “المذهب” و”مذهب مالك” و”علم الفروع” و”علم الرأي”، وبمراعاة السياق، يبدو أن صاحب المعجب كان يتوسع في العبارة، لذلك فإن محو “مذهب مالك” لا يقصد به المذهب المالكي أصولا وقواعد، بل يقصد به محو “علم الفروع = علم الرأي”، وهو الاتجاه الفروعي المغرق في التقليد والاقتصار على سرد أقوال الفقهاء والتخريج عليها كما أشرنا إلى ذلك سابقا، ونظرا لأن هذا الاتجاه هو الغالب والسائد إبانئذ، فإنه عبّر عنه بعبارة “المذهب” من باب التغليب.
ج ــ حادثة إحراق كتب المذهب المالكي المذكورة في كلام المراكشي في المعجب لا تدل على ظاهرية المنصور، بدليل أن الكتب التي تعرضت للإحراق؛ وقد أورد نماذج منها؛ كلها من الكتب التي تعنى بسرد أقوال الفقهاء ولا تتجاوزها، وهذا ما اصطلح عليه “علم الفروع” أو “علم الرأي”، أما المصنفات التأصيلية في المذهب المالكي فلم يطلها الإحراق، لذلك لم يثبت في التاريخ أن المنصور أو غيره من الموحدين أحرق المنتقى للباجي أو التمهيد أو الاستذكار لابن عبد البر أو القبس أو المسالك أو عارضة الأحوذي لابن العربي المعافري، رغم توافرها وتداولها بين الفقهاء والقضاة. ولعل سبب إحراق المنصور للكتب المذكورة عند المراكشي أنها تبني عقلية فقهية تقليدية تقتصر على سرد أقوال الرجال والعكوف عليها، أما الكتب المالكية التي لم تتعرض للإحراق فإنها تسهم في بناء الفقيه وتدريبه على الصناعة الفقهية، ونضيف إليها كتابا آخر لم يتعرض للإحراق، وهو موطأ المهدي بن تومرت، وهو مصنف مالكي كما أسلفنا.
بهذا التمييز بين نوعين من المصنفات المالكية، يتبين لنا أن عملية الإحراق كانت حركة تصحيحية من داخل المذهب، ولم يكن الغرض منها محو مذهب وإحلال مذهب بديل عنه.
د ــ أورد المراكشي أن يعقوب المنصور حمل الناس على ظاهر الكتاب والسنة، وهذه العبارة أيضا لا تدل على ظاهريةٍ كظاهرية داود أو ابن حزم النابذة للقياس، والإمام مالك وعموم المالكية يحملون الناس على ظاهر الكتاب والسنة أيضا، وهل فيهم من يعرض عن ظاهرهما؟
نعم، ذكر المراكشي أثناء حديثه عن إبراهيم بن يعقوب المنصور أنه “كان يذهب مذهب أبيه في الظاهرية”[47]، ولو كان يعقوب ظاهريا حزميا لقال المراكشي: كان يذهب مذهب الظاهرية كأبيه، أما عبارته فتدل على أنه كان له مذهب وتوجه خاص في الظاهرية، أي أنها ظاهرية مخالفة للظاهرية المعهودة المعروفة، يؤيد هذا ويعضده ما قاله مؤرخ آخر معاصر للموحدين، وهو أبو الحسن علي المغربي الأندلسي (ت:685هـ)، فإنه قال في ترجمة قاضي الجماعة أبي عبد الله التلمساني: “وصادف انحراف المنصور عن كتب الفروع، وميله إلى مذهب أهل الحديث”[48]، وهذا تعبير أدق من تعبير المراكشي، وقد قرر أمرين اثنين:
** انحراف المنصور عن كتب الفروع، وهي الكتب الممثلة لاتجاه التقليد، ولم يقرر انحرافه عن المذهب المالكي.
** ميل المنصور إلى مذهب أهل الحديث، ولم يقل مذهب أهل الظاهر، والمقصود بمنهج أهل الحديث هو منهج ابن عبد البر وقريب منه منهج الباجي وابن بطال وابن العربي والقاضي عياض، وهؤلاء اهتموا بالفقه والحديث خصوصا حين عنوا بشرح المصنفات الحديثية كالصحيحين والموطأ وجامع الترمذي.
ومما يدل على أن “ظاهرية” المنصور ليست على وزان “ظاهرية” ابن حزم، أن المؤرخين كانوا ينسبون إلى الظاهرية كل من خلع ربقة التقليد ونأى بنفسه عن منهج نقل أقوال الفقهاء المتقدمين واتبع منهج الاستدلال، ومن أمثلة ذلك:
- أبو الخيار مسعود بن سليمان (ت:426هـ)، من أهل قرطبة، قال عنه ابن حيان: “كان داودي المذهب، لا يرى التقليد”[49].
- أبو عمرو بكر بن خلف، قال عنه ابن الأبار: “كان فقيها على مذهب أهل الظاهر، لا يرى التقليد … وله في الأخذ بالحديث والتعويل عليه واطراح الرأي واجتناب العمل قصيدة طويلة”[50].
وهذا يدل على أن كل من لا يرى التقليد كان يُنسب إلى مذهب الظاهرية وإن لم ينتسب إليه، وهكذا شأن يعقوب المنصور وعموم الموحدين، فإنهم أرادوا طرح التقليد ونبذ التقيد بالأقاويل، فنسبهم المؤرخون إلى الظاهرية، ثم ظن الآخذون عنهم أن ظاهريتهم ظاهرية حقيقية مماثلة لظاهرية داود وابن حزم، وقد تفطن لهذا عبد الله كنون كما سبق أن أشرنا إليه، ووجدنا عند المحدث إبراهيم بن الصديق الغماري ما يتوافق مع ما رجحناه ومِلنا إليه، وهو الخبير بعلماء المغرب والأندلس وتراثهم، قال رحمه الله: “المستنتج من أدلة كثيرة أن الظاهر الذي أخذ به الموحدون ليس هو طريقة داود ابن علي وابن حزم وغيرهما من أئمة الظاهر، في الجمود على ظاهر الكتاب والسنة ونفي القياس بالمرة، بل ظاهريتهم كانت تتحلى بمرونة بالأخذ بالقياس في اعتدال وغيره من أصول الاجتهاد المعتبرة في المذاهب الأخرى، ومنها مذهب مالك، لأن قصدهم الأول كان هو استنباط الأحكام من الكتاب والسنة وفق قواعد الاجتهاد، وطرح أقوال الفقهاء التي لا ينصون لها على دليل، ولكون القول بالظاهر وتقديس ابن حزم يعتبر هو الرمز للتمرد على المذاهب الفقهية، وخاصة المذهب المالكي، الذي تحدى ابنُ حزم كبارَ أعلامه بالأندلس، وكان هو المذهب الرسمي للدولة المرابطية التي عمل الموحدون على محو كل ما يربط الناس بها من الأذهان، فقد اتخذوا كلمة “الظاهرية” شعارا ورمزا لهذه الغاية”[51].
بقي لنا أن نعرج على حادثتين وقعتا في عهد يعقوب المنصور، أولاهما لقاؤه بأبي بكر ابن الجد، وثانيتهما لقاؤه بأبي يحيى ابن المواق.
أما حادثة لقائه بأبي بكر ابن الجد، فذكرها المراكشي في المعجب، مفادها أنه دخل على يعقوب[52] المنصور ووجد بين يديه كتاب ابن يونس، ومعلوم أن هذا الكتاب من المصنفات المالكية التي تعنى بسرد أقوال الفقهاء، وقال له: يا أبا بكر، أنا أنظر في هذه الآراء المتشعبة التي أحدثت في دين الله، أرأيت المسألة فيها أربعة أقوال أو خمسة أو أكثر، فأيُّها الحق؟ وأيها يجب على المقلد؟ فشرع ابن الجد في توضيح ما أشكل على السلطان، فقاطعه قائلا: يا أبا بكر، ليس إلا هذا، وأشار إلى المصحف، أو هذا، وأشار إلى سنن أبي داود، أو هذا، وأشار إلى السيف[53].
استند كثير من العلماء والباحثين على هذه المحاورة للاستدلال على ظاهرية يعقوب المنصور، وبعد التأمل فيها، لم نجد لهذه الظاهرية أثرا، فهو يشير إلى ضرورة الاستدلال بالقرآن والسنة، وهذا متوافق مع أصول المالكية غير مخالف لهم، وهذا التوجه نحو الدليل المصحوب بالتحذير بالسيف كان الهدف منه إحداث القطيعة مع التوجه المنحرف في المذهب المالكي، وهو ما كان يصطلح عليه علم الفروع [نموذج كتاب ابن يونس]، وليس بالضرورة تغيير مذهبية المجتمع من المالكية إلى الظاهرية.
وإضافة إلى ما ذُكر، فإن الشك يداخلني في مثل هذه الأعاجيب الواردة في المعجب، إذ من المستغرب ألا ترد هذه المحاورة بين السلطان وكبير فقهاء وقته ـــ على أهميتها ــ في ترجمة ابن الجد سواء عند ابن الأبار في التكملة، أو عند المراكشي في الذيل، وقد ذكروا علاقاته بالسلاطين المومنيين ــ ومنهم المنصور ــ وقربه منهم وحظوته لديهم، فهل غابت عنهم؟ أم تعمدوا تغييبها؟ أم أن المراكشي كان يُغْرب في المعجب؟
وأما الحادثة الثانية، فهي لقاء أبي يحيى ابن المواق بيعقوب المنصور الموحدي، حكاها البرزلي في نوازله، ذكر فيها أن يعقوب المنصور “أراد حمل الناس على كتب ابن حزم، فما رضي فقهاء وقته، وفيهم أبو يحيى ابن المواق، وكان أعلمهم بالحديث والمسائل، فلما سمع ذلك لزم داره وتمارض وأكبّ على كتب المسائل المنتقدة على ابن حزم حتى جمعها وكانت تغيب عليه، فلما أتمها جاء إليه يسائله عن حاله وغيبته، وكان ذا جلالة عنده ومُبِرّا له، فقال له: يا سيدي، قد كنت في خدمتكم لما سمعتكم تذكرون حمل الناس على كتب ابن حزم، وفيها أشياء أعيذكم بالله من حمل الناس عليها، وأخرجت له دفترا، فلما أخذه الأمير جعل يقرأه ويقول: أعوذ بالله أن أحمل أمة محمد صلى الله عليه وسلم على هذا، وأثنى على ابن المواق ودخل منزله، ثم سكنت الحال بعد في الفروع وظهرت وقويت”[54].
وهذه حادثة طريفة، حكاها البرزلي ولا نعلم له سلفا في سردها وذكر تفاصيلها، وفي حكايات البرزلي عن الموحدين مغربات وطرائف، سبق أن توقفنا مع إحداها الخاصة بحوار أبي عبد الله ابن زرقون مع عبد المومن بن علي، أما حادثة أبي يحيى ابن المواق مع المنصور، فهي إن صحت، فصريحة في تبني ظاهرية ابن حزم، لأنه صرح بذلك تصريحا لا يحتمل تأويلا، فهل نسلم بوقوع هذه الحادثة وصحتها؟
أولا: لم نجد هذه الحادثة مفصلة أو مجملة في كتب التاريخ والسير قبل عهد البرزلي (ت:841هـ) المتأخر، ونظرا لعدم تداولها، لم يذكرها الباحثون المعاصرون مثل المؤرخ محمد المنوني، رغم أنها صريحة في إفادة دعواه حول ظاهرية الموحدين. ومبادرةٌ صادرة عن سلطان الوقت، وَوُوجهت بعدم الرضا من فقهاء الوقت، حري بها أن تُسطر في الدواوين، وأن تطرز بها تراجم السلطان والفقهاء المعنيين على السواء، وهذا ما لم نجده عند ابن الأبار المعروف بدقته وتحريه في التكملة، ولا عند المراكشي المعروف بالإغراب والإحماض[55] في المعجب.
ثانيا: أبو يحيى ابن المواق هو أحد شيوخ أبي الحسن ابن القطان، ترجمه ابن الأبار وذكر له “تنبيهات ومقالات مفيدة منها في المكاييل والأوزان”، ولم ينسب إليه تعقباته على ابن حزم المذكورة عند البرزلي، ولم يغفل ابن الأبار الحديث عن علاقته بسلطان عصره وأثر ذلك عليه، فقال: “وحظي بخدمة السلطان بمراكش، فنال دنيا عريضة، واعتقد أموالا جلية، وولي قضاء مدينة فاس وتوفي بها”[56]، والحديث عن علاقته بالحاكم مناسبةٌ للحديث عن جهوده في إعراض السلطان عن المذهب الحزمي، ورغم ذلك لم يعرج عليها ابن الأبار القريب من عهد الموحدين.
ثالثا: إن سلمنا بصحة هذه القصة، فإنها تبين بجلاء أن حمْل الناس على المذهب الحزمي كان مجرد مبادرة لم تتحقق على أرض الواقع، وأن المجتمع والدولة لم يتبنوا فقه ابن حزم وبقوا في منأى عنه، وأنهم بقوا على مالكيتهم.
وبعد هذه المناقشة النقدية لما نُسب إلى يعقوب المنصور الموحدي، يتبين لنا خطأ ما ذهب إليه المستشرق أمبروسيو هويثي ميراندا A H Miranda في كتابه التاريخ السياسي للإمبراطورية الموحدية حيث قال: “أعلن يعقوب المنصور الحرب على هذا المذهب [المالكي]، ومنع دراسة كتب الفقه والفروع، وأمر بإحراق بعضها مثل المدونة والنوادر، في المقابل، وبسبب تأثره اللامحدود بالمذهب الظاهري، اعتبر كتابات ابن حزم المرجعية الأساسية التي يجب أن يعتمدها كل علماء الدين، وقد استخرج من هذه الكتابات استنتاجات عقائدية جدية، وحظر كل اجتهاد لا يتقيد بالمعنى الحرفي للقرآن والسنة”[57].
خامسا: وفرة الفقهاء المالكية في العصر الموحدي.
لو كانت الدولة الموحدية حزمية المذهب ظاهرية الهوية لانتشر المذهب الظاهري في ربوع الغرب الإسلامي، ولكانت المتون والمصنفات الدراسية المعتمدة في الدرسين الفقهي والأصولي لا تحيد عن أدبيات المدرسة الظاهرية، ولكانت السيادة لفقهائها، ولوجدنا فقهاء المالكية أقليةً متوارين إلى الخلف، أو أنهم يدرسون المذهب خفية، أو غير ذلك.
وبتتبع تراجم علماء هذا العصر وفقهائه، نجد أن فقهاء المالكية يمثلون عصب الحياة الفقهية في عصر الموحدين، وأن هذا العهد عرف ثلة من أمهر وأتقن فقهاء المالكية، وإن كان التتبع والاستقصاء عسيرا، فإنه يكفينا ذكر هؤلاء الأعلام:
- الفقيه المالكي أبو القاسم السهيلي (ت:581هـ).
- الفقيه المالكي أبو القاسم بن حبيش (ت:584هـ).
- الفقيه المالكي أبو عبد الله بن زرقون (ت:586هـ).
- الفقيه المالكي أبو بكر ابن الجد (ت:586هـ).
- الفقيه المالكي أبو الحسن بن الكوثر (ت:589هـ).
- الفقيه المالكي أبو عبد الله بن الفخار (ت:590هـ).
- الفقيه المالكي أبو الوليد ابن رشد (ت:595هـ).
- الفقيه المالكي أبو العباس ابن الصيقل (ت:598هـ).
- الفقيه المالكي أبو يحيى ابن المواق (ت:599هـ).
هؤلاء ثلة من كبار فقهاء المالكية المتشبثين بمالكيتهم، الدعاة لمذهبهم والناشرين له، مع الحظوة عند ملوك الموحدين والقرب منهم، مثل أبي بكر ابن الجد (ت:586هـ)، الذي كان خريجا خالصا لفقهاء المالكية، حيث تتلمذ لابن رشد الجد وأبي محمد بن عتاب وابن العربي المعافري، ولنبوغه قُدّم للشورى مع شيخه أبي بكر ابن العربي لدى القاضي المالكي أبي القاسم ابن ورد أيام المرابطين، ذكر المراكشي أنه “أقبل على درس فروع المذهب المالكي”[58]، وأنه كان خطيبا عند ملوك عصره من اللمتونيين والمومنيين”[59]، وكان يوسف بن عبد المومن “يبرّه ويكرمه ويعرف حقه ويؤثره على غيره من طلبة مجلسه” حين كان أميرا على إشبيلية، “ثم استدعاه إلى مراكش لما صار الأمر إليه، فحظي عنده وعظم جاهه، وأثرى واتسعت أحواله، وكان يصغي إلى حديثه، ويستحسن كلامه، ويستطرف ما يأتي به في جميع ما يشفع فيه من أمور أهل بلده وسواهم، واستمرت كذلك حالُه عنده في ترقي الرتبة ونماء الحظوة إلى أن توفي أبو يعقوب وخلفه ابنه المنصور، فزادت حظوته لديه وإحسانه إليه وإجلاله إياه”، وحلاّه ابن الأبار بما يدل على المكنة والرسوخ في المذهب فقال: “انتهت إليه الرياسة في الحفظ والفتيا”، وأنه “كان في وقته فقيه الأندلس وحافظ المغرب لمذهب مالك غير مدافع ولا منازع، لا يدانيه أحد في ذلك ولا يجاريه”، وبالموازاة مع هذا التمسك بالمذهب المالكي والنبوغ فيه وعدم الحيدة عنه، سجل ابن الأبار مسألتين اثنتين[60]:
أولاهما: ازدياد سمو الرتبة واطرادها وتمكن الحظوة عند الملوك؛
ثانيتهما: لم يكن الحديث شأنه.
من المقرر أن الموحدين لم يكونوا على وفاق مع منهج الفروع والرأي، وكانوا يميلون إلى أهل الحديث، لكننا نسجل أن أبا بكر ابن الجد ذا حظوة عندهم رغم أنه من غير المعتنين بالحديث أولا، وأنه من أهل الفروع والحفظ لها ثانيا.
ومما يدل على مكانته عند الموحدين أنه ابتلي في كائنة لبلة، وما أن علم عبد المومن بن علي باعتقاله حتى أمر بتسريحه[61]، كما أن أبا يوسف يعقوب المنصور كان ينزل له عن فرسه إذا خرج للقائه[62].
ومن فقهاء المالكية ذوي الحظوة عند الموحدين نجد أبا يحيى ابن المواق (ت:599هـ)، وهو أبو بكر بن خلف الأنصاري، قال عنه ابن الأبار: “الفقيه المستبحر”، وأنه “كان حافظا حافلا في علم الفقه والخلاف”، وأنه “حظي بخدمة السلطان بمراكش، فنال دنيا عريضة”[63].
سادسا: القضاة المالكية في العصر الموحدي.
غان عن البيان، أن الدولة حين تتبنى مذهبا فقهيا وتنبذ سواه، فإنها تحصر خطة القضاء في فقهاء المذهب المتبنى وتقصرها عليهم دون سواهم، وهذا ما فعله أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة في الدولة العباسية، وكان له الأثر البالغ في تثبيت المذهب الحنفي بها، ومثله صنيع الإمام سحنون في إفريقية، وبسببه انتشر المذهب المالكي واستقر بها، والأمر ذاته قام به الأمير الأموي هشام بن عبد الرحمن حين صيّر ــ بقرار رسمي ــ القضاء والفتيا في الأندلس وفق المذهب المالكي، فهل اتبع الموحدون هذا السَّنن وقصَروا القضاء على المذهب الظاهري وجعلوه حكرا على فقهائه؟
قد لا نبالغ إذا قلنا بأن الدارس للعهد الموحدي لا يلمس أي إقصاء لفقهاء المالكية عن خطة القضاء، يتأكد لنا ذلك بتتبع تراجم وسير فقهاء وأعلام هذه الفترة، حيث نجد ثلة من فقهاء المالكية قد تقلدوا هذه الخطة وعُينوا فيها من قبل بني عبد المومن، ومنهم من عُين في حواضر رئيسة كفاس وقرطبة، من جملتهم:
- أبو عبد الله محمد ابن سماك العاملي (كان حيا سنة 555هـ)، أول من تولى قضاء مالقة بعد خضوعها لدولة عبد المومن، ثم تولى قضاء غرناطة، وهو أول قضاة الموحدين بها، كان “فقيها ذاكرا للمسائل، مشاورا عارفا بالأحكام”[64].
- علي بن أحمد المعروف بأبي الحسن الزهري (ت:567هـ)، خريج أبي بكر ابن العربي وأبي محمد ابن عتاب ونظرائهما، ناظَر في المدونة عند أبي مروان الباجي، ولي قضاء بلده صدر دولة عبد المومن[65].
- أبو عبد الله محمد بن عياض (ت”575هـ)، نجل القاضي عياض، تولى قضاء دانية وغرناطة[66]، ولم تكن محنة أبيه مع الموحدين لتحول دون توليه القضاء تحت سلطانهم.
- أبو عبد الله ابن زرقون (ت:586هـ)، قال عنه ابن عبد الملك: “أنفق عمره في إسماع الحديث وتدريس المذهب المالكي”، تولى قضاء شلب ولبلة وسبتة وإشبيلية وشريش[67].
- أبو الوليد ابن رشد الحفيد (ت:595ه) ولي قضاء الجماعة بقرطبة، “وتأثلت له عند الملوك وجاهة عظيمة”[68]، وابنه أحمد (ت:622هـ) كان فقيها بصيرا بالأحكام، ولي القضاء ببعض بلاد الأندلس[69].
- ابن الفرس، عبد المنعم بن محمد (ت:597هـ)، صاحب كتاب أحكام القرآن، ولي القضاء في مدن متعددة، ولما عينه المنصور قاضيا على غرناطة قال له في ظهير تعيينه: “أقول لك ما قاله موسى عليه السلام لأخيه هارون: “اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين”، وجعل إليه النظر في الحسبة والشرطة وغير ذلك، وكان إليه النظر في الدماء فما دونها[70].
- أبو محمد عبد الله التادلي (ت:597هـ)، صحب القاضي عياض ولازمه، ولاه أبو يعقوب يوسف بن عبد المومن قضاء فاس سنة 579هـ، وكان أبوه من حفاظ المذهب المالكي، ومن أهل الشورى بفاس أيام المرابطين[71].
- محمد بن حسن بن صاحب الصلاة، استشهد في واقعة العقاب تقبله الله في الشهداء سنة 609هـ[72].
- أبو عبد الله محمد بن عياض (ت:655هـ)، حفيد أبي عبد الله المذكور قبل، وهو من عائلة مالكية، قال عنه ابن عبد الملك: “كان فقيها حافظا للمسائل، بصيرا بالفتاوى في النوازل”، استقضي بغرناطة وغيرها[73].
هؤلاء ثلة من فقهاء المالكية الذين تولوا القضاء في عهد الموحدين، ومنهم من كانوا رموز المذهب وكبار أعلامه وحُذاق فقهائه، مثل ابن زرقون وابن الفرس، وفيهما كان يقول أبو بكر ابن الجد: “ما أعلم بالأندلس أحفظ لمذهب مالك من عبد المنعم ابن الفرس بعد أبي عبد الله بن زرقون”[74].
وهناك لفيف آخر من الفقهاء المالكية الذين حظوا بثقة بني عبد المومن ورغبوا في توليتهم قضاء أمصار مملكتهم ووُوجهوا بالرفض والإباء، نذكر منهم على سبيل المثال عبد الله بن محمد الحجري (ت:591هـ)، تلميذ أبي القاسم بن ورد وأبي بكر ابن العربي وغيرهما، ناظر في المدونة على أبي الحسن بن نافع، ولي الصلاة والخطبة بجامع ألمرية، وانتُدب لخطة القضاء فأبى[75].
سابعا: شبهات حول مذهبية الموحدين.
لقد بينا بجلاء أن الدولة الموحدية لم تتبن المذهب الظاهري، ولم تتخذه مذهبا رسميا للدولة، ولم تعمل على محو مذهب مالك كما روج لذلك بعض المؤرخين، وبينا بالملموس أن فقهاء المذهب المالكي كانوا منخرطين في الحياة العلمية، وبعضهم كان ذا حظوة عند الأمراء والسلاطين، وتولى غير قليل منهم خطة القضاء وغيرها من الخطط.
لكن بعض من يصر على نسبة الموحدين إلى الظاهرية لا يترددون في تعضيد رأيهم بشبهتين اثنتين، أولاهما ما وقع لبعض فقهاء المالكية من امتحان وابتلاء إبان حكم بني عبد المومن، وثانيتهما تتعلق بتولي أبي جعفر ابن مضاء لخطة القضاء.
أ ــ شبهة التنكيل بفقهاء المالكية.
لإثبات التنكيل بالمالكية في الغرب الإسلامي واتهام الموحدين بذلك، غالبا ما يورد الباحثون أسماء ثلاثة من الفقهاء المالكية الذين امتحنوا في هذا العهد، أولهم أبو محمد بن خلف التجيبي (ت:594هـ)، وثانيهم أبو بكر الجياني (ت:596هـ)، وثالثهم وأشهرهم أبو الحسين بن زرقون (ت:621هـ)، وهذا ما وافق هوى في نفوس خصوم الموحدين مثل الإمام الشاطبي الذي حكى عنهم أنهم “نكّلوا بجملة من الفضلاء بسبب أخذهم في الشريعة بمذهب مالك”[76]، وهكذا خضع الشاطبي لفورة مذهبية ونأى بنفسه عن الإنصاف، فأبهم عدد الفضلاء للتضخيم من الأمر وجعله قاعدة وليس استثناء، وأناط سبب ذلك التنكيل بالأخذ بمذهب مالك وليس لسبب آخر.
وأول ما ينقض دعوى الإمام الشاطبي، أن كثيرا من الفقهاء المالكية كانوا على وفاق مع أمراء وسلاطين الموحدين، وكانوا ذوي حظوة ومكانة لديهم، وأن بعض السلاطين كانوا يعملون بآرائهم ومقترحاتهم، وقد بينا نزرا من ذلك، ولو كان التنكيل بالفقهاء المالكية “بسبب أخذهم في الشريعة بمذهب مالك” كما ادعى أبو إسحاق الشاطبي، لما اكتفى الموحدون ــ وهم القساة ــ بالثلاثة المذكورين، بل لكان عموم الفقهاء المالكية من “معتقلي الرأي” إبانئذ، وفي مقدمتهم أبو بكر ابن الجد وأبو عبد الله بن زرقون وعبد المنعم ابن الفرس، وهذا ما لم يتحقق، بل العكس هو الذي حصل، فكانوا أحرارا في التدريس والتأليف، وكانوا هم أهل القضاء والحسبة وغيرهما من الخطط.
وإذا تأكد لدينا أن الثلاثة لم يعاقَبوا لسبب “أخذهم في الشريعة بمذهب مالك”، فلماذا عوقبوا ولم يعاقَب غيرهم؟
يُعد ابن الأبار من تلاميذ أبي الحسين ابن زرقون، أجازه سنة 608هـ، والتقى به مرات سنة 618هـ وقبلها، فهو العارف بشيخه الخبير بأحواله، لذا سنتوقف عند بعض عبارات ترجمته الواردة في التكملة، منها أنه “كان فقيها مالكيا حافظا مبرزا متعصبا للمذهب قائما عليه حتى امتحن بالسلطان من أجله، واعتقل مدة بسبتة”، ثم قال: “وعاد بأخره إلى تدريس الفقه وتعليم الرأي”[77].
قبل مناقشة هذه الاقتباسات والتعليق عليها، يجب علينا أن نجتهد في تحديد الفترة الزمنية التي وقعت فيها محنة ابن زرقون، والراجح أنها كانت في عهد يعقوب المنصور (580 ــ 595ه)، والغالب أنها وقعت بعد وفاة والد ابن زرقون سنة 586هـ، إذ لو وقعت المحنة في عهد الأب لسجل ذلك المؤرخون ولسجلوا موقف الأب إما بالتدخل لدى السلطان، خصوصا أنه كان من أهل الوجاهة وممن ولي القضاء، أو بالصمت وعدم التدخل، ولما لم نر ذلك، ترجح لدينا أن المحنة كانت بعد وفاته سنة 586هـ، وهذا ما يتزامن مع التحول العلمي والتربوي الذي وقع ابتداء من سنة 585هـ، حيث استدعى المنصور “العلماء ورواة الحديث وأمر بتدريس حديث النبي صلى الله عليه وسلم”[78].
وبالعودة إلى ترجمة ابن زرقون في التكملة، نجد ابن الأبار يشير بوضوح وبدقة إلى التعصب المذهبي عند شيخه، وأنه امتُحن من أجل التعصب للمذهب، وليس من أجل الانتساب إلى المذهب.
ومعلوم أن التعصب يكون في نقل الآراء الفقهية والتمسك بها وإن عريت عن الدليل، بل قد تكون مخالفة للدليل، وهذا منهج مخالف للمنهج الذي سطره يعقوب المنصور الذي دعا إلى الاجتهاد والارتباط بالدليل والابتعاد عن الرأي وفقه الفروع كما بينا سلفا، ومنه يتبدى لنا أن ابن زرقون قد عوقب لأنه خالف قرارا من قرارات السلطان الملزمة، ولم يعاقَب لأنه تمسك بالمذهب المالكي.
يزيد الأمر وضوحا قول ابن الأبار: “وعاد بأخره إلى تدريس الفقه وتعليم الرأي”، وهذه العودة إلى تدريس الرأي؛ وليس المذهب؛ لم تتحقق إلا بعد وفاة يعقوب المنصور، أو لعلها كانت على وجه الدقة في عهد يوسف المستنصر (610 ــ 620هـ) الذي تولى الحكم طفلا لم يتجاوز عمره عشر سنين، ولم يكن يبالي لا بالاجتهاد ولا بالرأي ولا بغيرهما، فوجد الفقهاء فرصتهم للعودة بالفقه المالكي إلى نسخته الفروعية.
وللتوسع في ترجمة أبي الحسين بن زرقون، نتوقف مع عبارات عصريه أبي الخطاب ابن دحية الكلبي (ت:633هـ)، فإنه ذكره استطرادا في ترجمة أبيه أبي عبد الله، وبعد أن أثنى على الأب وذكر محاسنه، قال: “وكان له ولد يكنى أبا الحسين، وكان سخنة عين، فأساء ذكره، ولم يتبع حسنه، فأمر صاحب المغرب أن يصفد في الحديد، وأن يلقى في عنقه ما يتصل بحبل الوريد، وحمل إلى السجن الذي بباب حميدة، على حالة مذمومة بكل لسان غير حميدة، ثم أحضر في موطن جرت العادة فيه بضرب رقاب أهل الظلم والعدوان، وهو يحجل في قيوده ويضطرب اضطراب الخيزران، ثم أمر بإطلاقه بعد هوان، وخوف غلب على أمان، ثم أمر بإحضار كتبه وهي التي ورثها من أبيه، وكانت تقاوم مالا جسيما وتساويه، في كل صنف تشتمل عليه من الرأي وفيه، فأوردت النار وبئس الورد المورود، فأحرقت فسمع للنار تسعسع ورئي لهما وقود، واحترق الكاغد وانزوت الجلود، وذلك يوم يؤرخ به مشهود”[79].
هذا النص بما فيه من أوصاف ونعوت صادر عن عالم كبير، ومحدث شهير، هو أبو الخطاب ابن دحية الكلبي، وما أظنه ممن يجازف بالكلام ويرسله إرسالا، وفيه عبارات قادحة في ابن زرقون، لكنه لم يوضحها، فهو ــ في نظره ــ (سخنة عين، لم يتبع حُسن أبيه، وأساء ذكره)، فهل كان يقصد بهذه العبارات انحرافه عن منهج الاجتهاد وركونه إلى التعصب كما قال ابن الأبار؟ أم يقصد أمورا أخرى؟
الذي يظهر لي أنه قد يكون له نوعُ توافق مع ابن الأبار، خصوصا أن ابن دحية كان معدودا من المحدثين المجتهدين النابذين للرأي، ولا أستبعد أن تصدر منه ومن أمثاله عبارات قدحية في حق من يوصف بالتعصب المذهبي، ومما يزيد الأمر وضوحا أنه أشار إلى إحراق مكتبته الضخمة، وأنها تشتمل على كل صنف من [الرأي].
من هنا يترجح لدينا أن محنة ابن زرقون لم تكن بسبب مالكيته، وإلا عوقب المالكية أجمعون، فلزم أن نربط بين محنته وتعصبه المذهبي وتمسكه بفقه الرأي الذي كان ينبذه السلطان وحاشيته.
وقد وقع لأبي بكر محمد بن علي التجيبي ما وقع لأبي الحسين بن زرقون، ترجمه ابن الأبار فأبهم واختصر، وذكر أنه “توفي بعد المحنة الجارية عليه من السلطان”[80].
هذا الإبهام والاختصار قد نجده أكثر دقة وتوضيحا عند ابن الزبير في صلته، فإنه قال: “امتحن محنة أُقعد فيها للقتل صبرا بعد السجن والتثقيف على ما وشى به عدو من إقرائهما[81] الفروع أيام المنصور”[82]. وهذا جلي واضح أن العقوبة وقعت عليه وعلى رفيقه السابق بسبب إقرائهما الفروع وليس بسبب إقرائهما المذهب المالكي من خلال مصادره المسموح بها، ولعل الأمر لم يكن كذلك، ولعل الوشاية كانت كيدية، لذلك عبّر السلطان على ندمه، وبادر فيما بعد إلى استدعاء التجيبي لتأنيسه[83].
وعموما، فمحنة هذين الفقيهين[84] لم تكن بسبب انتسابهما إلى المذهب المالكي أو بسبب تدريسهما له أو نشرهما لأصوله وقواعده، بل كانت بسبب تدريسهما للفروع والرأي حيث يقع التركيز على سرد الأقوال الفقهية المتعددة والمختلفة في المسألة الواحدة، وقد بينا بما يكفي أن “الفروع” أو “علم الرأي” ليس مرادفا لـ”المذهب المالكي”، لذا لا يمكن اعتماد محنتيهما دليلا على محاربة الموحدين للمذهب المالكي.
ب ــ شبهة تولي ابن مضاء خطة القضاء:
يعد كثير من الباحثين الفقيه والنحوي أبا جعفر بن مضاء القرطبي (ت:592هـ) من فقهاء الظاهرية، ويعتبرون توليته قضاء الجماعة من قبل الموحدين دليلا على ظاهرية الدولة، لأنها لا تمكن هذا المنصب العظيم إلا لمن يتوافق مع مذهبيتها، فهل يعد هذا دليلا على دعواهم؟
- أولا: هل كان ابن مضاء ظاهريا؟
تبنى كثير من الباحثين دعوى ظاهرية ابن مضاء، وأسسوا عليها أبحاثا ودراسات[85]، وزعموا أنه ينكر القياس في النحو تأثرا بإنكاره له في الفقه وأصوله.
وبما أن تراثه الفقهي لم يصلنا منه شيء، فإننا نعتمد على كتابه الفريد الذي بين أيدينا، وهو كتاب “الرد على النحاة”، تعرض فيه للمصدر والظرف والحال والمفعول لأجله والمفعول معه والتمييز، ثم تساءل: “هل تقاس هذه على المفعولات بها أو لا تقاس؟”، ثم قال: “الأظهر أن لا يقاس شيء من هذا المسموع إلا أن يُسمع في هذه كما سُمع في تلك، وأما الحال والتمييز فلا يجوز القياس فيهما لأنهما لا يضمران، وأما الحروف فلا مدخل لها في هذا الباب، وأما الأسماء التي يسميها النحويون عاملة فيكون فيها ذلك”[86].
هذا النص، يمكن لمن اعتمده بنوع من التسرع والعجلة أن يخلص منه إلى إنكار ابن مضاء للقياس، ولكنه لا ينكره جملةً كما يبدو بنوع من التدقيق، خصوصا الجملة الأخيرة التي يجيز من خلالها القياس في الأسماء التي يسميها النحويون عاملةً، والأوضح منه أقواله الأخرى، فإنه قال: “إن قيل إنه لا يتصرف تصرف غيره من الأفعال في متعلقاته، قيل: القياس على غيره من الأفعال المقتضية مفعولا واحدا سائغ لقرب مأخذه، وسبقه إلى فهم السامع”[87]، وهنا يسوغ القياس بخلاف الظاهرية في الفقه، فإنهم ينكرونه ولا يرون مسوغا لقبوله البتة، ونقل عنه أبو حيان الأندلسي ما يدل على اعتماده القياس، فقال: “وممن ذهب إلى مذهب الكسائي من الكوفيين هشام، ومن أصحابنا أبو زيد السهيلي وأبو جعفر ابن مضاء صاحب كتاب “المُشرق”، وقال ابن مضاء: هو أقيس من مذهب س في أنه مضمر، لأن الإضمار قبل الذكر خارج عن الأصول”[88].
من خلال هذه الاقتباسات يتبين لنا أن تعامل ابن مضاء مع القياس ليس مثل تعامل ابن حزم وعموم الظاهرية، وبالتالي، فالقول بظاهرية الرجل اعتمادا على كتابه في النحو لا يخلو من تجوز.
- ثانيا: هل تولية ابن مضاء لقضاء الجماعة دليل على ظاهرية الموحدين؟
لنفترض أن ابن مضاء كان ظاهريا حزميا، فإن توليته لقضاء الجماعة لا ينهض دليلا على ظاهرية الدولة، ويكفي أن نتوقف عند قاضيي الجماعة الذي قبله والذي بعده، فالذي قبله هو أبو موسى عيسى بن عمران (ت:578هـ)، كان مالكيا لا يشك أحد في مالكيته، “أخذ بألمرية عن أبي القاسم بن ورد واختص به وأكثر عنه”[89]، وبعد ابن مضاء، ولى الموحدون أبا عبد الله بن علي بن مروان (ت:601هـ) قضاء الجماعة، وهو مالكي أيضا، “كان فقيها مستبحرا في حفظ المسائل”[90]، وإذا قال الباحثون بـظاهرية الدولة بناء على تولية ابن مضاء قضاءَ الجماعة، حق لغيرهم أن يقولوا بـمالكية الدولة بناء على تولية هذين الفقيهين المالكيين لنفس الخطة.
وعموما، فالموحدون كانوا قساة في العقوبة، إذا غضبوا على شخص لا يرحمونه ولا يبالون بسابقته معهم، مثل ابن رشد الحفيد، فإنه “تأثلت له عند الملوك وجاهة عظيمة”[91]، ولما غضب عليه المنصور اعتقله في آخر عمره، ولم تحل دون اعتقاله لا وجاهة عائلته ولا منصب قضاء الجماعة الذي تولاه ولا موسوعيته العلمية، ولم يكتف المنصور بمحنة أبي الوليد لذاته، بل عمل على تصفية الدولة من أصحابه، فأعفاهم من مناصبهم الرسمية كالقضاء وغيره، مثل أبي القاسم التجيبي (ت:601هـ) الذي صرف عن القضاء “عند محنة أبي الوليد وتتبع أصحابه”[92].
وإذا كان الموحدون بهذه القسوة بحيث لا يقصرون عقابهم على المغضوب عليه، وإنما يعممونه على أتباعه وأصحابه، فإننا لم نر مثل ذلك في شأن أتباع المذهب المالكي وشيوخه، حيث لم نجدهم يعزلون الفقهاء من المناصب لمالكيتهم، ولم يعتقلوهم لمذهبيتهم، ومنه نفهم أن الموحدين ــ على قسوتهم ــ كانوا منفتحين على جميع المكونات الثقافية للأمة المغربية، وكانوا يولون في المناصب الرسمية الظاهريةَ والمالكية، ولم يعملوا على فرض مذهب بعينه على المجتمع.
خاتمة
عملت هذه الدراسة على تجلية الموقف الموحدي من المذهب المالكي، وحاولتُ من خلالها أن أنأى بنفسي عن الأبحاث الوسيطة، ويممت وجهي نحو المصادر الأصيلة، وأولها كتابا موطأ المهدي وأعز ما يطلب، لما يضُمانه من مادة غميسة تبين تبني المهدي ابن تومرت للأصول المالكية التي ينبذها الظاهرية، مثل القياس والعمل المدني والاستصلاح وغيرها، كما نكتشف من بين صفحاتها تبنيه ــ وهو المُنَظّر الإيديولوجي والأب الروحي للدولة ــ لكثير من الأقوال الفقهية المالكية المخالفة لفروع المذهب الظاهري، كما كشفت هذه الدراسة استمرارية الخط التومرتي مع عبد المومن بن علي وابنه يوسف وحفيده يعقوب المنصور، وعدم وجود أي تحول جذري على المستوى المذهبي، وبينت مفهوم المذهب المالكي، واجتهدت في تمييز الفرق بينه وبين ما سمي كتب الفروع أو علم الرأي، وناقشت بعض النصوص التاريخية الموهمة لتبني الدولة للمذهب الظاهري.
ومما تبين لنا أثناء البحث أن الدولة الموحدية لم تتبن مذهبا فقهيا رسميا، سواء كان المذهب المالكي أو المذهب الظاهري، وأن توجهها الرسمي كان متمثلا في تبني نهج الاجتهاد والابتعاد عن التوجه الفروعي في الفقه الذي يكتفي بسرد الأقوال الفقهية ولا يبدع في الصناعة الفقهية، كما أنها لم تتبن منهج الإقصاء للمذهب المالكي وفقهائه بله التنكيل بهم، لذلك برز في عهدها فقهاء مالكيون كبار، وتولى كثير منهم مناصب رسمية وخططا سامية، وكان جملة منهم من ذوي الحظوة والمكانة لدى السلاطين.
ثبت المراجع المعتمدة
الإحاطة في أخبار غرناطة، لسان الدين ابن الخطيب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: 1، 1424.
الاستبصار في عجائب الأمصار، مؤلف مجهول، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1986.
الاعتصام، أبو إسحاق الشاطبي، تحقيق سليم الهلالي، دار ابن عفان، ط: 1، 1412 ــ 1992.
أعز ما يطلب، المهدي بن تومرت، تحقيق عمار طالبي، نشر وزارة الثقافة، الجزائر، 2007.
تاريخ ابن الودري، أبو حفص عمر ابن الوردي المعري الكندي، دار الكتب العلمية، 1417 ــ 1996.
التاريخ السياسي للإمبراطورية الموحدية، أمبروسيو هويثي ميراندا، ترجمة عبد الواحد أكمير، منشورات الزمن، ط: 1، 2004.
التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل، أبو حيان الأندلسي، تحقيق حسن هنداوي، دار كنوز إشبيلية، ط: 1، 1434 ــ 2013.
ترتيب المدارك، القاضي عياض، تحقيق سعيد أعراب، منشورات وزارة الأوقاف المغربية، ط: 1، 1981.
التكملة لكتاب الصلة، ابن الأبار القضاعي البلنسي، تحقيق عبد السلام الهراس، دار الفكر، 1415 ــ 1995.
جامع بيان العلم وفضله، أبو عمر يوسف ابن عبد البر، تحقيق أبو الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، ط: 1، 1414 ــ 1994.
جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكام، أبو القاسم البرزلي، تحقيق محمد الحبيب الهيلة، دار الغرب الإسلامي، ط: 1، 2002.
حضارة الموحدين، محمد المنوني، دار توبقال للنشر، ط: 1، 1989.
الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية، مؤلف أندلسي مجهول، تحقيق سهيل بكار وعبد القادر زمامة، دار الرشاد الحديثة، ط: 1، 1399 ــ 1979.
حياة الحيوان الكبرى، أبو البقاء كمال الدين الدميري، دار الكتب العلمية، ط: 2، 1424.
دولة الإسلام في الأندلس، محمد عبد الله عنان، مكتبة الخانجي، ط: 2، 1411 ــ 1990.
الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، ابن عبد الملك المراكشي، تحقيق مشترك، دار الغرب الإسلامي، ط: 1، 2012.
الرد على النحاة، أبو جعفر ابن مضاء القرطبي، تحقيق محمد إبراهيم البنا، دار الاعتصام، ط: 1، 1399 ــ 1979.
الصلة في تاريخ أئمة الأندلس، أبو القاسم ابن بشكوال، مكتبة الخانجي، ط: 2، 1374 ــ 1955.
علم علل الحديث من خلال كتاب بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام، إبراهيم بن الصديق، نشر وزارة الأوقاف المغربية، ط: 1، 1415 ــ 1995.
العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين، محمد المنوني، مطبوعات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، ط: 2، 1397 ــ 1977.
العواصم من القواصم، ابن العربي المعافري، تحقيق عمار طالبي، مكتبة دار التراث.
الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة، أبو الحسن علي المغربي الأندلسي، تحقيق إبراهيم الأبياري، دار المعارف.
الكامل في التاريخ، ابن الأثير، تحقيق عمر تدمري، دار الكتاب العربي، ط: 1، 1417 ــ 1997.
المستملح من كتاب التكملة، الحافظ شمس الدين الذهبي، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، ط: 1، 1429 ــ 2008.
المطرب من أشعار أهل المغرب، أبو الخطاب ابن دحية الكلبي، تحقيق مشترك، دار العلم للجميع، 1374 ــ 1955.
المغرب في حلى المغرب، أبو الحسن علي المغربي الأندلسي، تحقيق شوقي ضيف، دار المعارف، ط: 3، 1955.
المن بالإمامة، عبد الملك ابن صاحب الصلاة، تحقيق عبد الهادي التازي، دار الغرب الإسلامي، ط: 3، 1987.
المحلى، ابن حزم، تحقيق عبد الغفار البنداري، دار الفكر.
المختصر في أخبار البشر، الملك المؤيد إسماعيل بن علي، المطبعة الحسينية المصرية، ط: 1.
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا، أبو الحسن الجذامي النباهي، دار الآفاق الجديدة، ط: 5، 1403 ــ 1983.
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، ابن فضل الله العمري، نشر المجمع الثقافي، أبو ظبي، ط: 1، 1423.
المعجب في تلخيص أخبار المغرب، عبد الواحد المراكشي، تحقيق صلاح الدين الهواري، المكتبة العصرية، ط: 1، 1426 ــ 2006.
موطأ الإمام المهدي، المهدي بن تومرت، طبعة الجزائر، 1323 ــ 1905.
النبوغ المغربي في الأدب العربي، عبد الله كنون، ط: 2، 1380.
نهاية الأرب في فنون الأدب، أحمد بن عبد الوهاب النويري، دار الكتب والوثائق القومية، ط: 1، 1423.
[1] القاضي عياض، ترتيب المدارك: 6/90.
[2] ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله: 2/1134.
[3] ابن الصديق، إبراهيم، علم علل الحديث: 1/95.
[4] ابن العربي المعافري، العواصم من القواصم: 367.
[5] ابن الأثير، الكامل في التاريخ: 9/300.
[6] إسماعيل بن علي، الملك المؤيد، المختصر في أخبار البشر: 3/40. النويري، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب، نهاية الأرب في فنون الأدب: 24/318. العمري، ابن فضل الله، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار: 27/77. ابن الوردي، أبو حفص عمر، تاريخ ابن الوردي: 2/66. الدميري، أبو البقاء كمال الدين، حياة الحيوان الكبرى: 1/283.
[7] محمد المنوني، العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين: 51 ــ 52.
[8] عنان، محمد عبد الله، دولة الإسلام في الأندلس: 3/203.
[9] مثل قول مالك: ليس في اللؤلؤ ولا المسك ولا العنبر زكاة. المهدي بن تومرت، موطأ الإمام مالك: 225 ــ 226.
[10] المهدي بن تومرت، موطأ الإمام المهدي: 228 ــ 489.
[11] نفسه، 490.
[12] نفسه، 233 ــ 491.
[13] نفسه، 406.
[14] نفسه، 233.
[15] نفسه، 224 ــ 225.
[16] نفسه، 226.
[17] نفسه: 225 ــ 226 ــ 233 ــ 406.
[18] نفسه، 400.
[19] المهدي بن تومرت، أعز ما يطلب: 70.
[20] نفسه، 71.
[21] نفسه، 166.
[22] نفسه، 170.
[23] نفسه، 170.
[24] نفسه، 158.
[25] نفسه، 152.
[26] نفسه، 152.
[27] نفسه، 110.
[28] نفسه، 124.
[29] نفسه، 166.
[30] نفسه، 111.
[31] ابن حزم، المحلى: 1/134.
[32] المهدي بن تومرت، أعز ما يطلب: 147.
[33] ابن حزم، المحلى: 1/324.
[34] المهدي بن تومرت، أعز ما يطلب: 152.
[35] ابن حزم، المحلى: 1/356.
[36] في أحد أقواله.
[37] كما ذكر المراكشي في المعجب: 148.
[38] مؤلف أندلسي، الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية: 150.
[39] البرزلي، أبو القاسم البلوي، جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكام: 6/376.
[40] ابن صاحب الصلاة، المن بالإمامة: 217. من نماذج ذلك الأمير أبو عبد الله بن إبراهيم (ت:569هـ) الذي انتدبه يوسف بن عبد المومن واليا على غرناطة، قال عنه ابن صاحب الصلاة: “كان من أحد علية أبناء الجماعة في الرياسة والسياسة، يحفظ القرآن برواياته، وموطأ المهدي وعقائده”. المن بالإمامة: 222.
[41] عبد الله كنون، النبوغ المغربي: 1/120.
[42] المنوني، محمد، حضارة الموحدين: 13.
[43] المنوني، محمد، العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين: 50. حضارة الموحدين: 37.
[44] المنوني، محمد، (مقدمة عبد الله كنون)، العلوم والآداب والفنون: 7، حضارة الموحدين: 9.
[45] المنوني، محمد، حضارة الموحدين: 22.
[46] المراكشي، المعجب: 202 ــ 204.
[47] المراكشي، المعجب: 228.
[48] علي المغربي الأندلسي، أبو الحسن، الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة: 30.
[49] ابن بشكوال، الصلة: 583.
[50] ابن الأبار، التكملة: 1/178.
[51] ابن الصديق، إبراهيم، علم علل الحديث: 1/290.
[52] ورد في المعجب: أبي يعقوب.
[53] المراكشي، المعجب: 204.
[54] البرزلي، أبو القاسم البلوي، جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكام: 377.
[55] قال المراكشي بعد توسع في ذكر أخبار يعقوب المنصور: “وقد امتد بنا عنان القول إلى ما لا حاجة لنا بأكثره، رغبة في تنشيط الطالب وإيثارا للإحماض”. المعجب: 223.
[56] ابن الأبار، التكملة لكتاب الصلة: 1/181.
[57] أمبروسيو هويثي ميراندا، التاريخ السياسي للإمبراطورية الموحدية: 378.
[58] ابن عبد الملك المراكشي، الذيل والتكملة: 4/354.
[59] نفسه: 355.
[60] ابن الأبار، التكملة: 2/65.
[61] ابن عبد الملك المراكشي، الذيل والتكملة: 1/369.
[62] أبو الحسن المغربي، المغرب في حلى المغرب: 1/343.
[63] ابن الأبار، التكملة: 1/181.
[64] ابن عبد الملك المراكشي، الذيل والتكملة: 4/259.
[65] ابن الأبار، التكملة: 3/205. ابن عبد الملك، الذيل والتكملة: 3/136.
[66] ابن عبد الملك المراكشي، الذيل والتكملة: 5/242.
[67] ابن عبد الملك المراكشي، الذيل والتكملة: 4/222.
[68] ابن الأبار، التكملة: 2/74.
[69] ابن عبد الملك المراكشي، الذيل والتكملة: 1/550.
[70] ابن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة: 3/415.
[71] ابن الأبار، التكملة: 2/306.
[72] النباهي، أبو الحسن الجذامي، المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا: 115.
[73] ابن عبد الملك المراكشي، الذيل والتكملة: 5/242.
[74] ابن الأبار، التكملة: 3/128.
[75] ابن الأبار، التكملة: 2/280.
[76] الشاطبي، الاعتصام: 1/220.
[77] ابن الأبار، التكملة: 2/124.
[78] مؤلف مجهول، الاستبصار في عجائب الأمصار: 210.
[79] ابن دحية، أبو الخطاب الكلبي، المطرب من أشعار أهل المغرب: 222.
[80] ابن الأبار، التكملة: 2/77.
[81] الضمير يعود على الفقيهين أبي الحسين بن زرقون وأبي بكر التجيبي.
[82] نقلا عن: الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، المستملح من كتاب التكملة: 88.
[83] ابن عبد الملك، الذيل والتكملة: 4/487.
[84] توسع بعض الباحثين وأكثروا من سرد عدد الفقهاء المالكية الممتحنين من قبل الموحدين، وأضافوا إلى الثلاثة المذكورين ثلةً من الأعلام للدلالة على نكبة المالكية والتنكيل بهم، ومن هؤلاء محمد بن إبراهيم بن خزر وعلي بن صالح العبدري وغيرهما.
أما محمد بن إبراهيم بن خُزَر، فورد في ترجمته في التكملة (2/40): “سعي به إلى السلطان فقتل ظلما سنة سبع وستين وخمسمائة”، وهي نفس العبارة الواردة في الذيل والتكملة (4/92)، لكن السؤال المطروح هو: من هو السلطان الذي قتله ظلما؟
معلوم أن السلطان الموحدي إبان سنة 567هـ هو يوسف بن عبد المومن، والتنكيل المزعوم بالمالكية لم يقع في عهده، بل وقع في عهد ابنه يعقوب المنصور، ومعلوم أن هذا الفقيه المظلوم كان قاضيا على إلش، وهي من أعمال مرسية، وهذه المنطقة لم تكن إبانئذ تحت النفوذ الموحدي، ولعل السلطان المقصود هو محمد بن سعد ابن المرذنيش، وكان خصما للموحدين، وفي هذه السنة (567هـ) خلع الناس في إلش بيعته، وخرج عامة الناس منها خوفا منه، (التكملة: 3/209)، ولعل القتل ظلما كان في هذه الفتنة، وعموما، فمن الصعب جدا نسبة هذا القتل إلى سلطان الموحدين.
وأما علي بن صالح بن أبي الليث العبدري المعروف بابن عز الناس (ت:566هـ)، فـ”توفي بدانية مقتولا لسعاية لحقته عند السلطان محمد بن سعد في أخريات أيامه” (التكملة: 3/205)، والسلطان محمد بن سعد المذكور هو ابن المرذنيش المذكور أعلاه، ولا علاقة له بالموحدين، بل كانوا على حرب معه.
[85] منها دراسة للباحثة الجزائرية أسماء زيدان بعنوان: المذهب الظاهري وأثره في توجيه الدرس النحوي لدى ابن مضاء القرطبي، منشورة في موقع aqlamalhind.com.
[86] ابن مضاء، الرد على النحاة: 93.
[87] ابن مضاء، الرد على النحاة: 91.
[88] أبو حيان الأندلسي، التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل: 7/103.
[89] ابن عبد الملك المراكشي، الذيل والتكملة: 1/402 ــ 5/127.
[90] ابن عبد الملك المراكشي، الذيل والتكملة: 5/235.
[91] ابن الأبار، التكملة: 2/74.
[92] ابن الأبار، التكملة: 2/87.