(خطبة) الصلاة بين الدين والتدين
(خطبة) الصلاة بين الدين والتدين/ الشيخ بنسالم باهشام
(خطبة) الصلاة بين الدين والتدين
الشيخ بنسالم باهشام
عباد الله، المقصود بالدين، ما جاء من الوحي في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والمقصود بالتدين، الممارسات البشرية التي قد توافق الدين وقد تخالفه.
عباد الله، من تلبيس إبليس لعنه الله على بعض العامة من المسلمين، اهتمامهم بالصيام، ومحافظتهم عليه، وتركهم الصلاة كلية أو تهاونا، مع أن للصلاة منزلة كبيرة في الإسلام، لا تصل إليها أية عبادة أخرى، ويدل على ذلك نصوص كثيرة من الكتاب والسنة منها:
أولاً : للصلاة مكانة خاصة من بين سائر العبادات لمكان فرضيتها، إذ لم يفرضها الله تعالى بواسطة ملك ينزل إلى الأرض كسائر العبادات، ولكن شاء الله أن يكرم رسوله صلى الله عليه وسلم بالعروج إلى السماء في رحلة الإسراء والمعراج، فيخاطبه ربه بفرضية الصلاة مباشرة دون وسيط، وهذا شيء اختصت به الصلاة وحدها من بين سائر شرائع الإسلام . وقد فرضت خمسين صلاة، ثم حصل التخفيف في عددها إلى خمس صلوات، وبقي ثواب الخمسين في الخمس، وهذا دليل على محبة الله لها، وعظيم منزلتها عنده سبحانه.
ثانياً : مما يدل على حاجة الإنسان الماسة إلى الصلاة قبل سائر الشعائر الأخرى، كون الصلاة فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أمتهِ بمكة المكرمة قبل الهجرة النبوية، فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في مكة قبل أن يهاجروا، وأما بقية أركان الإسلام فلم تشرع إلا في المدينة المنورة بعد الهجرة.
ثالثاً : الصلاة عماد الدين، الذي لا يقوم إلا به، لما روى الترمذي في سننه، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (…أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ..) [رواه الترمذي 2616، صحيح الترمذي 2110].
رابعاً : تأتي منزلة الصلاة في ترتيب أركان الإسلام بعد الشهادتين، لتكون دليلاً على صحة الاعتقاد وسلامته، وبرهاناً على صدق ما وقر في القلب، وتصديقاً له . روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ) [رواه البخاري 8 ومسلم 16.].
خامساً : الصلاة مطهرة يومية للذنوب، ومكفرة للخطايا، روى البخاري، ومسلم في صحيحيهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَفِي حَدِيثِ بَكْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟، قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا ) . [روى البخاري (528) ومسلم (667)]
سادساً : الصلاة هي آخر ما يُفقد من الدين، فإن ضاعت ضاع الدين كله، روى أحمد، والطبراني، وقال الهيثمي ورجالهما رجال الصحيح، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، وَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ). [أخرجه أحمد (5/251 ، رقم 22214) ، والطبراني في الشاميين (2/411 ، رقم 1602) . قال الهيثمي (7/281) : رواه أحمد ، والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح].
سابعا: الصلاة بمثابة تأشيرة السفر، فمن لا تأشيرة له، لا يحق له السفر بأي حال من الأحوال، فإذا وجدت التأشيرة تم بعدها مراقبة الأمتعة، والسماح بالسفر، وهكذا الصلاة، فهي أول ما يُحاسب عليه العبد يوم القيامة، كما أن معامل الصلاة مرتفع جدا على سائر الأركان والشعائر الأخرى، فمن فرط في الصلاة، فله نقطة موجبة للرسوب، بحيث لا ينجح مهما كان متفوقا في سائر المواد، روى النسائي، والترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ …) [رواه النسائي 465 والترمذي 413 ،صحيح الجامع 2573].
ثامنا: الصلاة جهاز مناعة للإنسان من كل الفواحش والمناكر والآثام، قال تعالى في سورة العنكبوت: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ، إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) [العنكبوت: 45]. كما أنها وقاية من الهلع الذي ينتاب الشخص نتيجة تعرضه للخير والشر في حياته، قال تعالى في سورة المعارج: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) [المعارج: 19 – 23]
تاسعا: بالصلاةُ يستعان على مشاق الحياة، وعلى المصائب التي تنزل بالإنسان، قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة: 45، 46]. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر، فزع إلى الصلاة، فإذا دخل فيها استراح من هموم الدنيا ومن الشدائد، لأنه يناجي ربه عز وجل، فيجد اللذة في صلاتهِ وقيامهِ وركوعه وسجودهِ ودعائه، روى أبو داود في سننه عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ: (لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ، فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا») [سنن أبي داود (4/ 296)].
عاشرا: كل أركان الإسلام العملية من صوم وزكاة وحج، تسقط على المكلف عند العجز من مرض مزمن أو فقر، فالحج لمن استطاع إليه سبيلا، والزكاة لمن ملك النصاب، والصوم على القادرين عليه، أما الصلاة، فلا تسقط عن الشخص ولو كان على فراش الموت، كما لا تسقط حتى على المجاهدين وهم في ساحة الجهاد والسيوف تقرع فوق رؤوسهم..
عباد الله، هذا هو دين الله الذي أعطى للصلاة كل هذه المزايا مما ذكرنا ومما لم نذكر، لنوليها المكانة التي تستحقها.
أما التدين والذي هو ممارسات بشرية، فإننا نجد الناس في مجتمعنا يهتمون بالصيام أكثر من الصلاة، إلى درجة أن نسبة المفطرين بغير عذر جهارا، سواء في وسط الأسر أو علانية، ضئيلة جدا، إن لم نقل منعدمة، بل حتى النسوة الحائضات اللواتي رخص لهن الشرع في الأكل، لا يستطعن المجاهرة بالأكل أمام أطفالهن، وحتى المرضى الذين لا يمكنهم الصيام، وبتأكيد من الأطباء، لما سيلحقهم من ضرر، فإن أغلبيتهم يصومون، في حين أن الصلاة التي هي عماد الدين، نسبتها ضئيلة في وسط الأسر، بل قد تجد أسرة بكاملها لا تصلي، ومما يحكى أن رب أسرة توفي، وأبناؤه الكبار أخذوا السجادة التي كان يصلي عليها أبوهم، والمصحف الذي كان يقرأ فيه ورده اليومي، وسلموهما إلى إمام مسجد الحي، مخبرين إياه أنه لم يبق فيهم من يصلي أو يقرأ القرآن، وخوفا من الإثم الذي قد يلحقهم في اعتقادهم، نتيجة عدم توظيفهم للسجادة والمصحف، جاؤوا بهما إلى المسجد.
عباد الله، إذا كان الناس لا يستطيعون المجاهرة بالإفطار لمكانة الصيام عندهم، فإنهم يجاهرون دون حياء ولا خوف بترك الصلاة في كل الأوقات، بل حتى يوم الجمعة، حيث المقاهي مملوءة وقت الأذان، والمتاجر مفتوحة، دون خوف من سلطة المجتمع، هذه التصورات الخاطئة تقتضي من الدعاة تصحيحها للناس حتى يكونوا على بينة من أمرهم، ويعطوا للصلاة حقها، وترتفع نسبة المصلين وسط أسرنا (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) [الأنفال: 42].