منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حديث صورة.. (قصة قصيرة)

حديث صورة.. / ذ. صفاء الطريبق

0

حديث صورة..

ذ. صفاء الطريبق

 

ينظر إلي.. يضع قبعة جاري علي.. يلون خدودي بضربات لطيفة كي تتورد بدون شيء.. إنني صاحب العينين الخضراوين ذواتي المقلتين الغائرتين أنظر إليك تعجبا.. تنظر إلي وسيلة.. وكلانا يا صاح من وراء عدسته يحاول أن يصل لمراده.. أرى انعكاسي بصورة مصغرة في تلك الزجاجة السميكة الموجهة الي.. عبثا أركز ثم أتجاهل ما يجري.. لأفكر كيف تُصنع وأسخر من قولك لي.. “سيراك الجميع وتلف صورتك المحيط وتستقر في مخيلة حالمة تترجم حروفك الصامتة بفهمها البسيط” ..

.. عدل نظراتك.. خذ وضعية التأمل او الشرود أو الإندهاش.. تنساب ضحكة خلف شفتي المطبقتين وفكرة هامسة تراودني: “هل حقا أملك شيئا غير هذا الشرود فهو الحقيقة المطلوبة المنبوذة في الآن نفسه”..

.. تناديني أمي كي أعود.. وتنادي بي فطرتي اللعوب كي أساعد مصوري في حمل أثقاله لعلي ألمس الساقين المعدنيتين وحقائب لم أرها من قبل.. وكي أتفاخر بزهو أمام أطفال الحي.. “أنا الذي صورني ذاك الغريب.. ولم أنبس بشيء..”

..يهديني قطعة نقود.. يهديني أيضا بعض أشيائه.. يعدني بالعودة مجددا بعد أن أشتهر.. يمرر أصابعه على خصلات شعره الذهبية.. فأمرر أصابعي على رأسي لأجد القبعة الغريبة.. أنزعها لألامس شعري الغامق.. أتساءل في سذاجة حالم: “هل أهدته الشمس بعض خيوطها.. أم أنه فقط مبهر في جماله وسيارة تدخل الزقاق لأول مرة؟! ..يوزع الحلوى.. يقتنص الافراد.. يجعل منه سباقا محتدما ومنافسة يعلوها الصياح.. وأكون السباق الماهر بانزوائي خلف فتاتين وصمت خجول..يقتنصني مني.. يجمد اللحظة بديكور من صنعه.. وحين يريني النتيجة.. أسأل الصبي في الصورة: “هل أنت حقا أنا؟!..”

.. يتركني مع أحلامي وألم في معدتي يشبه الفرقعات الصغيرة.. يأخذ الجار قبعته.. ينظر اليها مليا.. فهي قد تصبح مشهورة أكثر منه.. يقرر أخيرا أنه لن يضعها بعد الآن على رأسه.. بل سيخبئها في أمان او يجعل منها طاقية الظهور والزهو البريئ.. “لقد اختارها من بين الجميعِ. انهاطاقيتي المميزة”..

.. أتيه من جديد وسط بيتنا المفتوح على بيوت العائلة المتشابكة.. وجلّ الحديث عن الغريب الأشقر والعدسة السحرية التي توصلك للعالم في لمح البصر.. وبين سخرية وتفاخر.. تضيع عيني الخضراوان في ملاحقة صورة قديمة جدا في جدار بيتنا كأنها كانت هنا قبلنا.. منذ عقود.. لم يغير مكانها أحد.. أحسبها تنظر الي.. أقرؤها بتمعن لأول مرة.. “يا قوي”..
ولأنه اسم من أسماء الله الحسنى.. اعتاد اهلنا وضعه في أعلى مكان وأبعده عن شغب الصبيان.. يؤثث البيت بهيبة.. لاحظت أن أمي حين تحزن تنظر هناك فتتنهد تنهيدة عميقة وتمسك بيدها جهة قلبها.. تردد..” يا قوي” ..
أخي الأكبر “محمد”.. عندما عاد من التجنيد خائر القوى مسلوب الروح.. كان يرقد تحت تلك اللوحة.. ينظر إليها طيلة النهار.. حسبتني سبحت في عينيه وسمعته ينادي مولاه.. ذلك الإله الذي يعتني بنا جميعا.. ولأني أصغر الأبناء كان صمتي حديثا لوحده وكانت استنتاجاتي دائما تصيب.. يلقبونني.. “الحالم الصامت”..

.. جدتي كانت أنس البيت وسكينته هي التي تعتني بتعليمنا معنى” القوي”.. فتمسك ذراعي النحيف وتشد عليه مرة بقوة.. ومرة برفق.. فتقول لي بعينين دافئتين..” كلتاهما قوة .. تذكر ذلك.. السر هاهنا..” تشير بيدها جهة قلبها فأغوص فيه.. ماذا يوجد في قلبك جدتي.. وفي كلماتك القليلة.. ؟! تتركني وخيالي وتذهب لتصلي ركعتين..تناوش أمي بكلمتين فتضحكان.. كأنهما أختان.. تخفف جدتي من وهن أمي وأحبهما هكذا.. أنظر للصورة ممتنا كأني تعلمت شيئا.

.. تزورنا أختي بين الفينة والأخرى مشتكية أعباء البيت والاطفال والزوج القاسي.. وتنسى كل كلامها عند المساء.. نجتمع على طبق تحضره أمي بإرشاد مستمر من جدتي.. تمازحهما أختي..هل ماتزالان على حالهما؟!

..تنظران في عيني بعضهما كطفلتين شقيتين ليعم الضحك البيت.. بعده صمت غريب.. كأن كل الكلام انتهى فجأة.. لا ينقلنا من هذا الحال الا صوت ابنة اختي الطفلة الجميلة وهي تأكل خلسة من الصحن..فتنادي علينا أمي بالانجماع..”بسم الله”.

.. قبيل وفاة جدتي بليلة حضرت كل العائلة.. تلك المرأة التسعينية الجميلة.. ممددة على غير عادتها.. لاحظ الجميع كم أن ملامحها بدت صافية طفولية.. اختفت كل التجاعيد.. نظرنا اليها في حزن شديد.. وقرأنا سوية سورة يس كما أوصتنا وكانت تردد معنا من حفظها المتين.. سبحتها معها لم تفارقها.. وبعد انتهائنا من السورة نادتني بصوت كأنه يخرج من بئر عميق.. أهدت لي سبحتها.. وشدت على ساعدي فعادت بي الذاكرة لكلماتها السابقة

.. ونامت في صمت جميل..

.. طيلة أيام العزاء أمسكت بالسبحة كما لو أني ممسك بيدها.. بل إني أحيانا أحس أنها هي التي تمسك بي.. لم نفترق.. وها أنذا الآن رجل جاوز الأربعين لازلت أحتفظ بنفس العينين الخضراوين.. وسبحة جدتي.. كلما تذكرتها شددت عليها وناديت “يا قوي”..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.