منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الفراسة والخرافة

الفراسة والخرافة/ د. محمد السقا عيد

0

الفراسة والخرافة

 بقلم: د. محمد السقا عيد

الفراسة علم يعتمد على الملاحظة الدقيقة والخبرة، وتمكّن الإنسان من فهم ما بداخل الآخرين من طباع وصفات وسلوكيات من خلال ملامحهم، ونبرة صوتهم، وحركاتهم. وهي قدرة على استنباط ما وراء الظاهر من مشاعر ودوافع وصفات، بعيدًا عن الادعاءات الزائفة أو ادعاء معرفة الغيب.

في الإسلام تعتبر الفراسة نورًا يمنحه الله في قلب المؤمن، يعينه على تمييز الحق من الباطل، والصادق من الكاذب، ويزداد وضوحها بالنقاء الداخلي وتقوى القلب. وقد ورد في كتب العلماء قولهم “اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله”، ومعناه أن المؤمن الصادق بصفاء قلبه وإيمانه قادر على قراءة ما بداخل الآخرين بطريقة صادقة، مع مراعاة أن الفراسة ليست معرفة مطلقة للغياب، بل بصيرة قائمة على الإيمان والخبرة والملاحظة.

تحولت الفراسة إلى خرافة عندما خرجت عن إطار الملاحظة العقلانية واختلطت بعلم التنجيم وقراءة الكف وخطوط الجبين، فصار الهدف منها التنبؤ بالمستقبل والسعد والنحس بدل فهم الطباع والسلوك. واستغل بعض الدجالين ضعف إيمان الناس أو قلة توكّلهم على الله لإقناعهم بقدراتهم الزائفة وتحويل الفراسة إلى وسيلة لكسب الأموال عبر الكتب أو الجلسات المدفوعة، فتحولت من مهارة عقلية قائمة على الملاحظة والخبرة إلى خرافة ودجل بلا أساس علمي أو ديني.

الفراسة الحقيقية هي بصيرة مرتبطة بالإيمان والخبرة والملاحظة، تعين صاحبها على حسن التثبت والتمييز بين الناس، وتكتسب قوتها من الخبرة المتراكمة والانتباه للتفاصيل. فالتاجر المخضرم أفرس من المبتدئ، والطبيب أقدر على ملاحظة العلامات الدقيقة من غيره، لأن الممارسة الطويلة والانتباه للتفاصيل تصقل قدرة الإنسان على فهم ما وراء الظاهر، دون اللجوء إلى الشعوذة أو الخرافة. الفراسة الصحيحة تنبه وتوجّه، أما الدجل والخرافة يقوم على الادعاء وكسب الأموال واستغلال ضعف الإيمان ويبعد الإنسان عن الصدق والحكمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.