أيقظ قواك الفلسفية
د/ محمود حسن محمد
تتكرر الدعوات المعرفية العلمية لتفعيل وتجديد دور الفلسفة فى حياتنا بين الحين والآخر، إيمانا بأن الفلسفة علم يوظف كل المعارف الإنسانية والكونية في حب الحكمة، وبناء الإنسان والحياة وتنمية المهارات المعرفية، وتحويل الطاقات التفكيرية إلى إنجاز ونجاحات كونية، وأن الإنسان يمكن أن يستفيد من إمكاناته الفلسفية، وقدرته التركيزية العالية، وثقته في فاعليته التنموية و الحضارية عندما يكتشفها، و يعرف حجمها، ويؤمن بشخصيته الفلسفية ويحرر طاقاته من قيود الكسل والضعف والخوف، ويغامر في سبيل تحقيق أهدافه.
مازالت جماهير الفلسفة كبيرة، وطموحة، وفاعلة، ومزدهرة، ومازال التفلسف من سمات الشخصية الإنسانية التي لا تيأس من التفكير في تحويل سلبية الأنماط الحياتية وتحدياتها لإبداع يوفر للحياة طبيعتها وسعادتها، فالفلسفة الذاتية موجودة في أعماق فطرة كل إنسان، تساعده على التعلم، والتعليم، والحوار، والاتصال المعرفى، والتأثير الواقعى، وحب الجمال، والتفاعل معه، وكلما زادت مشكلاته تتدخل الحلول الفلسفية محاولة البحث وتوفير العلاج، وتفعيل القدرات الابتكارية التي تعالج الأمراض النفسية والاجتماعية، والأوبئة الخطيرة التي يمكن أن تهلكه.
وبما أن كل إنجاز تحقق في العالم كان وراءه فلسفة، وكل شخصية ناجحة صقلت قدراتها موهبة فلسفية، وكل نفسة مطمئنة ومتفائلة كان محفزها عقيدة وفلسفة، وكل مشروع إبداعى متميز حركته استراتيجيته فلسفية، فليس من الصعب أن تجذب الفلسفة المعاصرة الإنسان الحائر إلى النور، وأن تمنحه أدوات العمق المعرفى الذى يؤهله للحاق بركب التطور، وأن توفر الخبرات والتجارب الفلسفية لبناء تطورات معرفية وتكنولوجية ملموسة تعود بالنفع على الإنسانية، فالفلسفة على مر التاريخ كانت معلومات واستراتيجيات تحفز البشرية للاكتشافات العلمية.
تعلمنا الفلسفة كيف نطلق العنان للتساؤلات الكبرى، وكيف نقوى شخصيتنا الضعيفة لتتحول إلى عزيمة، وإرادة، وتفاؤل، وكيف نغير طريقة تفكيرنا السلبى، ونحافظ على هدوئنا وصبرنا وإن أحاطت بنا المشكلات من جميع النواحى، وكيف نستوعب المواقف، كما تعلمنا تقدير المثل العليا، واحترام الأخلاق، وصياغة الفنون الراقية في ظلال علم الجمال، كما تعلمنا كيف نبنى مشاريع فكرية لبناء الحاضر وإعمار المستقبل، وكيف نتجاوز الفشل، ونصنع التميز، ونعيش حياتنا سعداء، فعندما يقرر الفيلسوف أن يبدأ مشواره الفلسفى، وتعلو همته الفلسفية فمعناه أنه يحاول أن يرسم خطوطا جديدة ويبنى آفاقا متطورة لإسعاد نفسه وإسعاد العالم.
ليس هذا فقط، فالفلسفة تضمن مستقبلا صاعدا لكل العلوم الاجتماعية، والسياسية، والطبية، والتكنولوجية، والتربوية بوضع هذه العلوم أمام أبواب جديدة من الرؤية الفكرية القوية، والصائبة اللائقة ببناء الحاضر والمستقبل، فعندما تقرر أن تكون فيلسوفا أيقظ قدراتك النفسية، والعقلية، والجسمية، وآمن بقدرتك على الإبداع، ورتب أولويات حياتك كى لا يبقى فيها كسل، أو تسلية، أو تفاخر، كما أنك تحتاج إلى تحديد أهدافك الفلسفية في الحياة، فحياة الفيلسوف لا تتطور ولا تصنع النجاح عندما تسير بلا خطة معرفية أو ملكات ابتكارية، أو أهداف علمية يسعى المحب للفلسفة لتحقيقها، ويتعب من أجلها وذلك لأن من أهم صفات الفيلسوف الاكتشاف والمغامرة.
وعندما تحاول أن تكون فيلسوفا متميزا ومجددا لقضايا الفلسفة، ومحاورها، وفروعها الواسعة فإن عليك أن تطلق العنان للاطلاع الفلسفى العميق بلا حدود، فالفيلسوف الطموح يبحث في الغامض، الذى يجعل منه رائدا في تناول القضايا الكلية والمعقدة ويساعده ليكشف أسرار غموضها، ويمتلك الأسئلة الصعبة، والرؤية الشمولية للإنسان والكون الذى يحيط به، ولديه البراهين والحجج التي تدعم اتجاهاته الفلسفية، ومضامين قضاياه الفكرية والفنية والجمالية، وصولا لأخلاقيات وقيم وجماليات جديدة تشكل فلسفته ورسالته الممتدة وتحوله من قارئ ودارس للفلسفة إلى صانعها بجدارة.
يقول أندريه كونت سبونفيل – أستاذ الفلسفة في جامعة السوربون: (إن الفلسفة تحديدا هي أن نفكر بأنفسنا، وبشكل ذاتي مستقل عن كل المسلمات المسبقة، سواء أكانت ذات طبيعة لاهوتية غيبية أم تحزبية سياسية ضيقة، لكننا لا نستطيع التوصّل إلى هذه المرحلة إلا إذا اعتمدنا على فكر الآخرين، وخاصة كبار فلاسفة الماضي، فالفلسفة ليست فقط مغامرة في المجهول، وإنما هي أيضا جهد وعمل، وقراءات كثيرة وصبر).
استيقظ لاهتماماتك الفلسفية مبكرا، ففترة الصباح هي الأكثر نشاطا وحيوية والتفكير العلمى في ساعات الصباح يساعد في اتساع المعرفة، واهتم بقلبك، فالفيلسوف يضيئ الحياة من حوله بشعلة من نورقلبه، وعمق تواصلك الفلسفى – الواقعى والافتراضى – وأحط نفسك بالتطورات الفلسفية، والدراسات الجديدة في فروعها ومجالاتها ولا تهاب التفكير، فهو لا يقتل الذات إنما الفراغ هو يتلف العقل ويقتل صاحبه، إن الفيلسوف المبدع عظيم في عين ذاته، لا يكسره شيئ في الحياة وإيمانه القوى، يغذى جهوده المعرفية ورحلته لا تتوقف، وذلك لأن الخالق القدير ميز الإنسان بالعقل والتفكير الذى يكتشف به المجهول شيئا بعد شيئ.
تحاول فلسفات مابعد كورونا أن تقترب من مشكلات الإنسان وأن تعود به لأوضاعه الفطرية الطبيعية و لكى يبنى العالم مسارا فلسفيا تاريخيا جديدا من التسامح، والسلام العالمى، والتواصل المعرفى، والتكامل التنموى، وقبول الآخر، وربط الظواهر بنتائجها، وتحفيز المستقبل فقليل من الحكمة يكفيه عندما يتحول إلى طاقة وإنجاز ونجاحات جديدة، فكلما خاف الإنسان أيقظته فلسفة الحب، وكلما تعبت روحه عالجته فلسفة التجديد وكلما تشتت نفسه جمع شتاتها فلسفة الجمال، وكلما تاه أيقظته فلسفة التفاؤل، وكلما نام حركته فلسفة الإبداع.