منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الفلسفة: وقفاتٌ ومواقف

الفلسفة: وقفاتٌ ومواقف/ عبد المجيد فاضل

0
الفهرس إخفاء

الفلسفة: وقفاتٌ ومواقف

بقلم: عبد المجيد فاضل

تمهيد:

بسم الله الرحمن الرحيم، والصّلاةُ والسّلامُ على خاتَمِ الأنبياء والمرسلين، وبعدُ:

هذه وقفات هدفُها إلقاءُ الأضواء حول بعض المفاهيم والمسائل الفلسفية، وعلاقتها بالشريعة الإسلامية، وبيانُ مواقف بعض العلماء والمفكرين من الفلسفة والتفلسف والفلاسفة.

الوقفة الأولى: وهي وقفةٌ مع تعريف الفلسفة:

* جاء في «لسان العرب» لابن منظور (711هـ): “الفَلْسَفَة: الحِكْمة، أَعجمي، وَهُوَ الفَيْلسوف وَقَدْ تَفَلْسَفَ”. [لسان العرب، ابن منظور الأنصاري، الحواشي: لليازجي وجماعة من اللغويين، دار صادر – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1414هـ، مادة ”فلسف“، ج9 ص273].

* وفي «القاموس المحيط» لِمجد الدين أبو الفيروزآبادى (817هـ) : “والفَيْلَسوفُ: يونانِيَّةٌ، أي: مُحِبُّ الحِكْمَةِ، أصْلُهُ، فَيْلا: وهو المُحِبُّ، وسُوفا: وهو الحِكْمَةُ، والاسمُ: الفَلْسَفَةُ، مُرَكَّبَةٌ، كالحَوْقَلَةِ”. [القاموس المحيط، مجد الدين أبو الفيروزآبادى، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، الطبعة: الثامنة، 1426هـ – 2005م، ج ص822].

* وفي «معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم» لجلال الدين السيوطي (911هـ) : “الفَلْسَفةُ: هِيَ الْحِكْمَة، وَقيل معرفَة الْإِنْسَان نَفسه، وَقيل: علم الْأَشْيَاء الأبدية”. [معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، جلال الدين السيوطي، تحقيق: أ. د. محمد إبراهيم عبادة، مكتبة الآداب – القاهرة / مصر، الطبعة: الأولى، 1424هـ – 2004م، ص131].

* وعرّف علي بن محمد الشريف الجرجاني (816هـ) الفلسفة بقوله: “الفلسفة: التشبه بالإله بحسب الطاقة البشرية؛ لتحصيل السعادة الأبدية، كما أمر الصادق ﷺ في قوله: «تخلقوا بأخلاق الله»، أي: تشبهوا به في الإحاطة بالمعلومات والتجرد عن الجسمانيات”. [معجم التعريفات، علي بن محمد الشريف الجرجاني، دار التقوى، سنة الطبع 1440هـ – 2018م، ص167].

* وعرّف الدكتور محمد ألتونجي كلمة ”فلسفة“ بقوله: “عِلْم حقائق الاجتماع والجدل الفكري. من اليونانية”. [المعرَّب والدخيل في اللغة العربية وآدابها، الدكتور محمد ألتونجي، دار المعرفة، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1426هـ – 2005م، ص145].

* وفي «المعجم الوسيط» الذي أصدره مَجْمَعُ اللغةِ العربيةِ بالقاهرة: (الفلسفة) دراسة المبادئ الأولى وَتَفْسِير الْمعرفَة تَفْسِيراً عقليا، وَكَانَت تَشْمَل الْعُلُوم جَمِيعًا، واقتصرت فِي هَذَا الْعَصْر على الْمنطق والأخلاق وَعلم الْجمال وَمَا وَرَاء الطبيعة.

* ويرى الدكتور محمد بن عبد الله دراز (1377هـ) أنّ مطلب الفلسفة، هو – باختصار –: “معرفةُ أصلِ الوجود وغايتِه، ومعرفةُ سبيلِ السعادة الإِنسانية في العاجل والآجل”. [الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، أ. د. محمد بن عبد الله دِرّاز، دار القلم ـ الكويت، الطبعة الأولى، 1371هـ = 1952م، ص60].

والدكتور محمد دراز هو عالمٌ أزهري، درَس فلسفة الأديان بفرنسا في جامعة «السوربون»، ونال منها شهادة الدكتوراه، بعد أن مكث في فرنسا اثنتي عشرة سنة يدرس ويتعلم ويطلع على الحياة الغربية، ومن أهم مؤلفاته كتابُه «الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان»، الذي يُعَدُّ – عند الباحثين – العمدة في دراسة تاريخ الأديان وفلسفته؛ نظراً للتحليل العميق والدقة العلمية.

تعقيبات:

التعقيب الأوَّلُ: وفيه تعريف لِكَلمة ”الحكمة“:

عرَّف الإمامُ جلال الدين السيوطي (911هـ) كَلمة ”الحكمة“ بقوله: “علمُ الْحِكْمَة: مَا يُبْحَث فِيهِ عَن حقائق الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ من الْوُجُود بِقدر الطَّاقَة؛ لتصيرَ النَّفسُ الإنسانيةُ بتحصيلها كَامِلَةً مضاهية للْعَالَم الْعقلِيّ، وتستعدُّ بذلك للسعادة القصوى الأخروية. وَقيل: استكمال النَّفس الإنسانية بالتصورات والتصديقات النظرية بِقدر الطَّاقَة البشرية، وَقيل: استكمال النَّفس الإنسانية فِي قوتها النظرية بِمَعْرِفَة الْحق، وَفِي قوتها العملية بِفعل الْخَيْر، وَقيل: استكمالها بتصور الْأُمُور والتصديق بالحقائق النظرية والعملية”. [معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، جلال الدين السيوطي، تحقيق: أ. د. محمد إبراهيم عبادة، مكتبة الآداب – القاهرة/ مصر، الطبعة: الأولى، 1424هـ – 2004م، ص130.

وقال علي الشريف الجُرْجانيُّ في كتابه «التعريفات»: “وقيل: كل كلام وافق الحق فهو حكمة، وقيل: الحكمة هي الكلامُ المَقُولُ المَصُونُ عن الحَشْوِ”. [التعريفات، علي الشريف الجرجاني، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان، الطبعة الأولى 1403هـ -1983م، ص91].

وعرّفها الأستاذ الدكتور عصام نور الدين في معجمه «نور الدين الوسيط» بالتعريفات الآتية: 1- الحكمة: الفلسفة، العلم بحقائق الأشياء. 2- الحكمة: المعرفةُ العميقةُ، والموقف المناسب في الوقت المناسب”.

وقال الإمامُ الفيروزآبادى (817 هـ) في كتابه «بصائر ذوي التمييز»/ مادة ”الحِكْمة“: “والحِكْمَة: العدل والعلم والحِلم والنبوّة والقرآن والإِنجيل وطاعة الله والفقهُ في الدّين والعملُ به أَو الخشية أَو الفهم أَو الورع أَو العقل أَو الإِصابة في القول والفعل والتفكر في أَمر الله واتِّباعه. وهو حكيم أي عَدْل حليم. وحَكَمه وأَحْكمه: أَتْقنه وَمَنَعَه من الفساد…

وأَمَّا الحِكمةُ فمن الله – تَعَالى -: معرفةُ الأَشياءِ وإِيجادُها على غاية الإِحكام والإِتقان، ومن الإِنسان: معرفةُ الموجودات وفعل الخيرات.

وقد وردت في القرآن على ستَّة أَوجهٍ:

الأَوّل: بمعنى النبوّة والرّسالة {وَيُعَلِّمُهُ الكتاب والحكمة} {وَآتَيْنَاهُ الحكمة} {وَآتَاهُ الله الملك والحكمة}، أي: النبوّة.

الثاني: بمعنى القرآن والتَّفسير والتأْويل وإِصابة القول فيه {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}.

الثالث: بمعنى فهم الدّقائق والفقه في الدّين {وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً}، أي: فهم الأَحكام.

الرّابع: بمعنى الوعظ والتَّذكير {فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الكتاب والحكمة}، أي: المواعظ الحسنة {أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ ءَاتَیۡنَـٰهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ}.

الخامس: آيات القرآن وأَوامره ونواهيه {ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة}.

السّادس: بمعنى حُجّة العقل على وَفْق أَحكام الشَّريعة {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة}، أي: قولاً يوافق العقل والشرع”. انتهى كلامُ الإمامِ الفيروزآبادي.

وقال الإمامُ البغوي (516هـ) في «معالم التنزيل» – عند تفسيره لقوله تعالى ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا لُقۡمَـٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِ﴾ –: “﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ يَعْنِي: الْعَقْلَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْإِصَابَةَ فِي الْأُمُورِ”.

وقال الإمامُ ابنُ عطية (546هـ) في تفسيره «المحرر الوجيز»: “لُقْمانُ رَجُلٌ حَكِيمٌ بِحِكْمَةِ اللهِ تَعالى، وهي الصَوابُ في المُعْتَقَداتِ، والفِقْهُ في الدِينِ والعَمَلِ”.

وقال الإمامُ النووي (676هـ): “وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فَفِيهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ مُضْطَرِبَةٌ، قَدِ اقْتَصَرَ كُلٌّ مِنْ قَائِلِيهَا عَلَى بَعْضِ صِفَاتِ الْحِكْمَةِ، وَقَدْ صَفَا لَنَا مِنْهَا أَنَّ الْحِكْمَةَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعِلْمِ الْمُتَّصِفِ بِالْأَحْكَامِ، الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، الْمَصْحُوبِ بِنَفَاذِ الْبَصِيرَةِ وَتَهْذِيبِ النَّفْسِ، وَتَحْقِيقِ الْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَالصَّدِّ عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى وَالْبَاطِلِ، وَالْحَكِيمُ مَنْ لَهُ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ: كُلُّ كَلِمَةٍ وَعَظَتْك وزجرتك، أو دعَتْك إِلَى مَكْرُمَةٍ، أَوْ نَهَتْكَ عَنْ قَبِيحٍ، فَهِيَ حِكمة وحكم”. [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، محيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة الثانية، 1392هـ، ج2 ص33].

التعقيب الثاني: تعريف الجرجاني للفلسفة عليه ملاحظات، وهي:

أوَّلًا – الحديث: «تخلّقوا بأخلاق الله تعالى»، حديثٌ باطلٌ، لا أصلَ له في شيء من كتب السنة، كما ذكر ذلك ابن القيم في مدارج السالكين (3/ 227).

وقال الشيخُ ابن تيمية: “وهذا اللفظ لا يُعرف عن النبي ﷺ في شيء من كتب الحديث، ولا هو معروف عن أحد من أهل العلم، بل هو من باب الموضوعات عندهم، وإن كان قد يفسَّر بمعنًى صحيحٍ يوافق الكتاب والسنة، فإن الشارع قد ذكر أنه يُحبّ اتصاف العبد بمعاني أسماء الله تعالى”. [بيان تلبيس الجهمية (6/ 519)].

وقد سُئِل الشيخُ عطية صقر – أحد علماء الأزهر الشريف، وكان عضوًا بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وعضوًا بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ورئيسًا للجنة الفتوى، (ت 2006) –: هل هناك حديث يقول: «تخلقوا بأخلاق الله»؟ وكيف يقال عن صفات الله: إنها أخلاق؟

فأجاب: “لا يوجد حديث عن النبي ﷺ بهذا اللفظ، ذلك أن الخُلُقَ  – كما عبر عنه العلماء – مَلَكةٌ راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بيُسْر وسهولة من غير فِكر ولا رَوية، ولا يمكن أن يُعَبَّرَ عن صفات الله – مثل الرحمة والعدل – بأنها آثار لمَلَكَةٍ راسخةٍ في النفس”. [فتاوى دار الإفتاء المصرية (7/ 387)].

ثانياً – العبارة: (التخلق بأخلاق الله تعالى) مأخوذة من كلام بعض الفلاسفة الذين يعتقدون أن كمال الإنسان في التشبه بالإله على قدر طاقته، قال الشيخُ ابن تيمية: “هذا من جنس ما يقوله المتفلسفة الصابئون ومَن سلك مسلَكهم مِن الإسلاميين من قولهم: إن الفلسفة هي التشبه بحسب الطاقة، فيُثْبِتون أن العبد يصير شبيهًا بالله تعالى بفعل نفسه، ويحتج من اتَّبَعهم على ذلك كأبي حامد وغيره بقوله: «تخلقوا بأخلاق الله»”. [بيان تلبيس الجهمية (6/ 519)].

وقال في مكان آخر: “والله تعالى يُحب من العباد أمورًا اتَّصف بها كما قال النبي ﷺ: «إن الله وَتْرٌ يُحبُّ الوَتْر»، وقال: «إنهُ جميلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ»… وهذا قد طَرَده بعضُ الناس كأبي حامد الغزالي وغيره، وجعلوا العبدَ يتصف بالجبار والمتكبر على وجهٍ فسروه وجعلوا ذلك تَخَلُّقًا بأخلاق الله، ورَوَوْا حديثًا: «تَخَلَّقوا بأخلاق الله»، وأنكر ذلك عليهم آخرون كأبي عبد الله المازَرِيِّ وغيرِه، وقالوا: ليس للرب خُلُق يتخلَّقُ به العبد، وقالوا: هذه فلسفة كُسِيَت عباءة الإسلام، وهو معنى قول الفلاسفة: الفلسفة التشبُّه بالإله على قدر الطاقة”. [الرد على الشاذلي (ص: 96) باختصار يسير].

وقد سُئل الشيخ ابن باز عما قاله بعض الخطباء في خطبة الجمعة من الحث على الاتصاف بصفات الله والتخلق بأخلاقه هل لها محمل؟

فأجاب: “هذا التعبير غير لائق، ولكن له محمل صحيح، وهو الحث على التخلق بمقتضى صفات الله وأسمائه وموجبها، وذلك بالنظر إلى الصفات التي يحسن من المخلوق أن يتصف بمقتضاها، بخلاف الصفات المختصة بالله كالخلاق والرزاق والإله ونحو ذلك، فإن هذا شيء لا يمكن أن يتّصف به المخلوق، ولا يجوز أن يدعيه”. [مجموع فتاوى ابن باز (1/ 133)].

التعقيب الثالث:

إنّ الرغبةَ في معرفة أصل الوجود وغايتِه، ومعرفةِ سبيل الحصول على السعادة الإِنسانية، كانت منتشرةً في جميع الشعوب، وبدرجاتٍ مختلفة في البحث والتعمُّق؛ قال المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون (808هـ): “وأمّا العلوم العقليّة الّتي هي طبيعيّةٌ للإنسان من حيثُ إنّه ذو فكر فهي غيرُ مختصّة بمِلّة، بل يوجد النّظرُ فيها لأهل الملل كلّهم، ويستوون في مداركها ومباحثها، وهي موجودة في النّوع الإنسانيّ منذ كان عمرانُ الخليقة، وتسمّى هذه العلوم علوم الفلسفة والحكمة”. [مقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون، تحقيق: أحمد جاد، الناشر: الأطلسي/ الدار البيضاء – المغرب، الطبعة الأولى، 1438هـ/2017م، ص462].

ويبدو أن كلمة فيلسوف كانت منتشرةً في عَهد ذي القرنين الذي ذكره الله في كتابه الكريم، فلقد قال الإمامُ ابنُ كثير عند ذكره لخبر ”ذي القرنين“: “والصحيح أنه كان ملِكًا من الملوك العادلين… وقد جاء في حديث أنه كان من حمير، وأمُّه رومية، وأنه كان يقال له: ابن الفيلسوف؛ لِعقْلِه”. [البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن كثير، حقق الجزء الثاني: وخرج أحاديثه وعلق عليه: د. علي أبو زيد أبو زيد، راجعه: الشيخ عبد القادر الأرنؤوط – د بشار عواد معروف، دار ابن كثير، دمشق – بيروت، الطبعة الثالثة، 1434هـ – 2013م، ج2 ص306- 309].

الوقفة الثانية: السِّر في اختيار جزيرة العرب لتكون مهْدَ الدين الإسلامي:

قال العلاّمةُ أبو الحسن النَّدْوِيُّ: “وقد اختار اللهُ العربَ، ليتلقّوْا هذه الدعوةَ أوّلاً، ثمّ يُبلِّغوها إلى أبعد أنحاء العالم؛ لأنّ ألواحَ قلوبهم كانت صافيةً، لم تُكْتَبْ عليها كتاباتٌ دقيقة عميقة يصعب محوُها وإزالتُها، شأنَ الروم، والفُرْس، وأهل الهند، الذين كانوا يتيهون ويزهون بعلومهم وآدابهم الراقية، ومدنيّاتهم الزاهية، وبفلسفاتهم الواسعة؛ فكانت عندهم عُقَد نفسية وفكرية، لم يكن من السّهل حلّها.

أمّا العربُ فلم تكن على ألواح قلوبهم إلا كتاباتٌ بسيطةٌ خطّتْها يدُ الجهل والبداوة، ومن السّهل الميسور محوُها وغسلُها، ورسمُ نقوشٍ جديدةٍ مكانَها، وبالتعبير العِلميّ المتأخّر: كانوا أصحاب «الجهل البسيط» الذي تسهل مداواته، بينما كانت الأممُ المتمدِّنة الراقية في هذا العصر مصابةً بِ «الجهل المركّب» الذي تصعب مداواته وإزالته”. [السيرة النبوية، أبو الحسن علي الحسني الندوي، دار ابن كثير – دمشق، الطبعة الثانية عشرة، 1420هـ – 1999م، ص42-43].

* الجهلُ البسيط صاحبُه يعلم أنه جاهل، ولا يدّعي أنه عالم، والجهل المركب صاحبُه جاهلٌ ويظن أنه عالم، فجهله مركب من جهلين: الجهل بالشيء، والجهل بأنه جاهل به.

الوقفة الثالثة: الإسلامُ ليس في حاجة إلى الفلسفة للخوض في الأمور الغيبية:

قال الإمامُ ابنُ عبدِ البر (463هـ): “وَالْعُلُومُ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الدِّيَانَاتِ ثَلَاثَةٌ: عِلْمٌ أَعْلَى، وَعِلْمٌ أَسْفَلُ، وَعِلْمٌ أَوْسَطُ.

فَالْعِلْمُ الْأَسْفَلُ هُوَ: تَدْرِيبُ الْجَوَارِحِ فِي الْأَعْمَالِ وَالطَّاعَاتِ، كَالْفُرُوسِيَّةِ وَالسِّيَاحَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ… وَالْعِلْمُ الْأَعْلَى عِنْدَهُمْ، عِلْمُ الدِّينِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْكَلَامُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كُتُبِهِ وَعَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ نَصًّا وَمَعْنًى، وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِمَّا جَاءَ نَبِيَّنَا ﷺ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسَنَّهُ لِأُمَّتِهِ مِنْ حِكْمَتِهِ،… وَلَسْنَا عَلَى يَقِينٍ مِمَّا يَدَّعِيهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَنَا فِي كِتَابِهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. فَكَيْفَ يُؤْمَنُ مَنْ خَانَ اللَّهَ وَكَذَبَ عَلَيْهِ وَجَحَدَ وَاسْتَكْبَرَ؟…

وَالْعِلْمُ الْأَوْسَطُ هُوَ مَعْرِفَةُ عُلُومِ الدُّنْيَا الَّتِي يَكُونُ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ مِنْهَا بِمَعْرِفَةِ نَظِيرِهِ، وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِجِنْسِهِ وَنَوْعِهِ كَعِلْمِ الطِّبِّ وَالْهَنْدَسَةِ.

وَهَذَا التَّقْسِيمُ فِي الْعُلُومِ كَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ، إِلَّا أَنَّ الْعِلْمَ الْأَعْلَى عِنْدَهُمْ هُوَ عِلْمُ الْقِيَاسِ فِي الْعُلُومِ الْعُلْوِيَّةِ الَّتِي تَرْتَفِعُ عَنِ الطَّبِيعَةِ وَالْفَلَكِ، مِثْلَ الْكَلَامِ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ وَزَمَانِهِ وَالتَّشْبِيهِ وَنَفْيِهِ وَأُمُورٍ لَا يُدْرَكُ شَيْءٌ مِنْهَا بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَا بِالْحَوَاسِّ، قَدْ أَغْنَتْ عَنِ الْكَلَامِ فِيهَا كُتُبُ اللَّهِ النَّاطِقَةُ بِالْحَقِّ الْمُنَزَّلَةُ بِالصِّدْقِ وَمَا صَحَّ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ الْعِلْمُ الْأَوْسَطُ وَالْأَسْفَلُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ إِلَّا أَنَّ الْعِلْمَ الْأَوْسَطَ يَنْقَسِمُ عِنْدَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ هِيَ كَانَتْ عِنْدَهُمْ رُءُوسَ الْعُلُومِ، وَهِيَ عِلْمُ الْحِسَابِ وَالتَّنْجِيمِ وَالطِّبِّ وَعِلْمُ الْمُوسِيقَى…”. [جامع بيان العلم وفضله، أبو عمر يوسف بن عبد البر، تحقيق: أبو الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي – السعودية، الطبعة: الأولى، 1414هـ – 1994م، ج2 ص788-790].

إنّ العقيدة الإسلامية، لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْكَلَامُ فيها بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كتابه المبين، وَبما جاء في السُّنَّةِ النّبَوِيَّةِ على يد رسولِه النّبِيِّ الأمين.

الوقفة الرابعة: الفلسفة ليست بديلاً عن الإسلام؛ لإصلاح النفوس وتهذيب الأخلاق:

 إن إصلاح النفوس وتهذيب الأخلاق يكون بإصلاح القلب، وأنجعُ دواء لإصلاح القلب هو الإيمانُ بالله ومراقبتُه؛ لأنه تعالى مُطّلِع على ما في الصدور، وهذا يجعل القلب حيًّا يقِظاً، والقلبُ إنما يحيا بذكر الله، وقراءة كتابه الكريم، ومدارسة السُّنَّةِ النّبَوِيَّةِ الصحيحة وفهمها، قال النَّبِيُّ ﷺ: “مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ والذي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ”. [رواه البخاري].

وهذا شيء معدوم في الفلسفة؛ لأنها لا تخاطب القلب، وإنما تخاطب العقل وحده، وهي بذلك لا يمكن أن تُصلح الأخلاق والنفوس إصلاحا جذرياً وجوهرياً؛ وهي مبْنيةٌ على آراء ونظرياتٍ بشريةٍ أرضيّةٍ لا سماويّةٍ، والفلاسفة يختلفون في آرائهم وتحليلاتهم وأهدافهم.

والإسلامُ جاء ليُصلح الأخلاق ويُتمِّمها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ”. [رواه أحمد في مسنده، والبخاري في «الأدب المفرد»،… ورواه بلاغاً ابنُ عبد البر (463 هـ) في ”التمهيد“، وقال محققو المسند، شعيب الأرنؤوط وآخرون: صحيح، وهذا إسناد قوي].

قال المحدث والفقيه، محمد بن عبد الباقي الزُّرْقاني المصري (1122 هـ): “قَالَ الْبَاجِيُّ: كَانَتِ الْعَرَبُ أَحْسَنَ النَّاسِ أَخْلَاقًا بِمَا بَقِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانُوا ضَلُّوا بِالْكُفْرِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا فَبُعِثَ ﷺ لِيُتَمِّمَ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ بِبَيَانِ مَا ضَلُّوا عَنْهُ وَبِمَا خُصَّ بِهِ فِي شَرْعِهِ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّلَاحُ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ وَالدِّينُ وَالْفَضْلُ وَالْمُرُوءَةُ وَالْإِحْسَانُ وَالْعَدْلُ فَبِذَلِكَ بُعِثَ لِيُتَمِّمَهُ”. [شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، محمد بن عبد الباقي الزرقاني المصري الأزهري، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، مكتبة الثقافة الدينية – القاهرة، الطبعة الأولى، 1424هـ – 2003م، رقم الحديث: 1676، ج 4  ص 404]

وقال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِی رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ لِّمَن كَانَ یَرۡجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلۡیَوۡمَ ٱلۡـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِیرࣰا﴾ [الأحزاب 21].

قال الإمامُ ابنُ جُزَيّ (741 هـ) في تفسيره «التسهيل لعلوم التنزيل»: “﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي قدوة تقتدون به ﷺ في اليقين والصبر وسائر الفضائل”.

ولقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیمࣲ﴾ [القلم: 4].

قال الواحدي (468 هـ) في تفسيره «الوجيز»: “﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ أَيْ: أنت على الخُلُقِ الذي أمرك الله به في القرآن”.

وقال الإمامُ ابنُ جُزَيّ (741 هـ) في تفسيره «التسهيل لعلوم التنزيل»: “﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ هذا ثناء على خُلُق رسول الله ﷺ، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان خُلُق رسول الله ﷺ القرآن». تعني التأدب بآدابه وامتثال أوامره، وعَبَّر ابنُ عباس عن الخُلُق بالدِّين والشرع، وذلك رأسُ الخُلُق، وتفصيل ذلك: أن رسول الله ﷺ جمع كلَّ فضيلة، وحاز كل خَصْلة جميلة، فمِن ذلك شرف النسب ووفور العقل وصحة الفهم، وكثرة العلم، وشدّة الحياء، وكثرة العبادة والخاء، والصدق والشجاعة، والصبر والشكر، والمروءة والتودد، والاقتصاد والزهد، والتواضع والشقة، والعدل والعفو وكظم الغيظ، وصلة الرحم وحسن المعاشرة، وحسن التدبير، وفصاحة اللسان وقوة الحواس، وحسن الصورة وغير ذلك، حسبما ورد في أخباره وسيره ﷺ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»”.

 إنّ رسولَ اللهِ ﷺ جاءَ لِيُتَمِّمَ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ، وكان خُلُقُه القرآن الكريم، وهو قُدْوتُنا في التّحلّي بالأخلاق الحسنة، ولسنا في حاجةٍ إلى أحد من الفلاسفة بعد رسول الله ﷺ لتهذيب أخلاقنا وتحسينها!

الوقفة الخامسة: بعض المفاهيم الفلسفية قد تضر العقول الضعيفة:

عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أنَّ النبيَّ ﷺ قال: “هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ”، قَالَهَا ثَلاَثاً. [رواه مسلم].

قال الشيخُ ابنُ رسلان المَقْدِسيُّ الشافعيُّ: “(المتنطعون) وهم المتعمقون في الشيء، المبالغون في الحرص فيما لا تبلغه عقولُهم على مذاهبِ أهل علم الكلام فيما لا يعنيهم، ومنه المتجاوزون علم الشريعة وحدودها بالوسوسة وتلاعب الشيطان”. [شرح سنن أبي داود، ابن رسلان، دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، الفيوم – جمهورية مصر العربية، الطبعة الأولى، 1437 هـ – 2016 م، ج18 ص121]

إن بعض المفاهيم الفلسفية تكون غامضة، وقد لا تستوعبُها كثيرٌ من العقولِ؛ فيجد الشيطانُ مَنفذاً إليها، ويبُثُّ سُمومَه فيها، ويُسبِّبُ لها تشكيكاً في عقيدتها، وقد يكون ذلك سبباً في خروجها من دينها، قال ابن حزم الأندلسي: “الْعُلُوم الغامضة كالدّواء الْقويِّ يُصلِح الأجساد القوية، وَيُهْلك الأجساد الضعيفة، وَكَذَلِكَ الْعُلُومُ الغامضةُ تزيد الْعقل الْقوي جودةً، وتُصَفِّيهِ من كل آفَةٍ، وتُهلك ذَا الْعقل الضَّعِيف”. [الأخلاق والسير، ابن حزم الأندلسي، تحقيق: الأستاذة الدكتورة إيفا رياض ومراجعة الشيخ عبد الحق التركماني، دار ابن حزم – بيروت، الطبعة الثانية، 1421 هـ – 2000 م، ص 89].

والعلماءُ يرون أنَّه لا يجوز تحديث عامّة الناس ببعض الأحاديث النبوية الثابِتة، التي يُوهِم ظاهرُها معانيَ مستحيلة، أو معارِضة لقواعدَ شرعيةٍ ثابتةٍ، فلقد بوَّبَ الإمامُ البخاريُّ في «صحيحه» في (كتاب العلم) بَاباً بعنوان: (مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا)؛ ثُمَّ قال: وَقَالَ عَلِيٌّ: “حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ”.

قال ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري»: “وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (بِمَا يَعْرِفُونَ) أَيْ: يَفْهَمُونَ. وَزَادَ آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ لَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ عَنْ مَعْرُوفٍ فِي آخِرِهِ (وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ) أَيْ: يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ فَهْمُهُ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُتَشَابِهَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ عِنْدَ الْعَامَّةِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: (مَا أَنْتَ مُحَدِّثًا قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةٌ)/ رَوَاهُ مُسْلِمٌ”.

فإذا كان العلماءُ لا يجوِّزون تحديث عامّة الناس ببعض الأحاديث النبوية الثابِتة، التي يُوهِم ظاهرُها معانيَ مستحيلة، أليس من الأولى الابتعاد عن تحديث عامة الناس بِمفاهيمَ فلسفيةٍ غامضةٍ قد تشوِّش عليهم دينهم؟

الوقفة السادسة: خطورةُ مَنْ يتعمَّد التّحرُّرَ من دِينه وقَطْعَ إسلامِهِ، حتَّى يكون حُرًّا لَحْظَةَ تفْكيرِه الفلسفي:

لقَد نُقِلَ عن الدكتور توفيق الطويل أنّه يرى أنّ الفلسفة هي: “النظرُ العقليُّ المُتَحرِّرُ منْ كُلِّ قيْدٍ وسُلطةٍ تُفْرَضُ عليه من الخارج، وقدرته على مسايرة منطقه إلى أقصى آحاده، وإذاعة آرائه بالغاً ما بلغ وجه التباين بينها وبين أوضاع العرف، وعقائد الدين، ومقتضيات التقاليد، من غير أن تتصدى لمقاومتها أو التنكيل بها سلطةٌ ما”.

ولقد سبق للإِمَام أَبي عبد الله الْمَازرِيّ الْمَالِكِي أن قال عن عقول الفلاسفة – الذين اطَّلع على أقوالهم – بأنها: “تمُرُّ مَعَ خواطرها، وَلَيْسَ لَهَا حُكْمُ شرْعٍ ترعاه”. [طبقات الشافعية الكبرى، تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي  (771هـ)، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي – د. عبد الفتاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1413هـ،ج6 ص241].

وخطورةُ الكلام المنسوب للدكتور توفيق الطويل تتجلّى في الأمور الآتية:

أوّلاً: الفلسفةَ منتوجٌ بشري مُعرَّض للأخطاء والأوهام، ومَن دخل عالَمَ الفلسفةِ فلا يمكن أن يَسْلَم من المحاسبة، والذين لا يُحاسَبون على أقوالهم ثلاثة، ذكَرهم النَّبِيُّ ﷺ في قوله: “رُفِعَ الْقَلَمُ عن ثلاثة: عن النائم حتى يَسْتَيْقِظَ، وعن الصبي حتى يَحْتَلِمَ، وعن المجنون حتى يَعْقِلَ”. [حديث صحيح، رواه أبو داود والترمذي والنسائي في الكبرى وابن ماجه وأحمد].

قال السندي: “قوله: «رفع القلم» كناية عن عدم كتابة الآثام عليهم في هذه الأحوال، وهو لا ينافي ثبوت بعض الأحكام الدنيوية والأخروية لهم في هذه الأحوال، كالمتلفات وغيرها”.

فالفيلسوفُ ما دام مستيقظاً وعقله معه، فإنه يُحاسبُ على جميع أقواله كباقي البشر.

ثانياً: لقد نهى الله تبارك وتعالى عن أن يخوضَ المرءُ فيما لا عِلْم له به، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولࣰا﴾ [الإسراء: 36]

قال الشيخُ العلاّمةُ محمد الأمين الشنقيطي (1394هـ) عند تفسيره لهذه الآية في كتابه «أضواء البيان»: “نَهى جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنِ اتِّباعِ الإنْسانِ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، ويَشْمَلُ ذَلِكَ قَوْلَهُ: رَأيْتُ، ولَمْ يَرَ، وسَمِعْتُ، ولَمْ يَسْمَعْ، وعَلِمْتُ، ولَمْ يَعْلَمْ. ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ قَوْلٍ بِلا عِلْمٍ، وأنْ يَعْمَلَ الإنْسانُ بِما لا يَعْلَمُ، وقَدْ أشارَ جَلَّ وعَلا إلى هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 169]،… وقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: 157]”./ انتهى كلامُ الشنقيطي.

ثالثاً: من أطلق عنان فكره بدون التزام بعقائد الدين، فإنه قد يقول قولاً فيه شرٌّ مستطيرٌ قد يَرمِي به في جهنم، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه –، عن النبي ﷺ قال: «إن العبد لَيَتَكَلَّمُ بالكلمة من رِضْوَانِ الله تعالى ما يُلْقِي لها بَالًا يَرْفَعُهُ الله بها درجاتٍ، وإن العبد لَيَتَكَلَّمُ بالكلمة من سَخَطِ الله تعالى لا يُلْقِي لها بَالًا يَهْوِي بها في جهنم». [رواه البخاري].

قال الشيخُ حمزة محمد قاسم: “دل هذا الحديث على ما يأتي:

أولاً: التحذير من عثرات اللسان ومخاطرها؛ لأن كلمة الشر كالقذيفةِ المُدَمِّرَة التي تعود على صاحبها فتُحْرِقه بنارها في جهنم…

ثانياً: الترغيب في الكلمة الطيبة، وكونها سبباً في رفعة الإِنسان في الدنيا والآخرة، فهي كنز من كنوز الخير”. [منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري، حمزة محمد قاسم، راجعه: الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، عني بتصحيحه ونشره: بشير محمد عيون، الناشر: مكتبة دار البيان، دمشق – الجمهورية العربية السورية، مكتبة المؤيد، الطائف – المملكة العربية السعودية، عام النشر: 1410هـ –  1990م، ج5 ص297].

وفي حديث آخر قال رسول الله ﷺ: «إن الرجل لَيَتَكَلَّمُ بالكلمة من رِضْوَانِ الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بَلَغَتْ يكتب الله له بها رِضْوَانَهُ إلى يوم يَلْقَاهُ، وإن الرجل لَيَتَكَلَّمُ بالكلمة من سَخَطِ الله ما كان يظن أن تبلغ ما بَلَغَتْ يكتب الله له بها سَخَطَهُ إلى يوم يَلْقَاهُ». [رواه الترمذي وابن ماجه ومالك وأحمد].

رابعاً: الشيطان لا يُفارِقُنا ويكون حاضراً معنا عندما نفكر، قال النَّبِيُّ ﷺ: “إِنَّ الشَّيْطانَ يَحْضُرُ أحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شيءٍ مِن شَأْنِهِ”. [رواه مسلم].

قال الإمامُ عبد الرؤوف المناوي القاهري الشافعي (1031هـ): “قال ابن العربي: لا يخلو أحَدٌ من الخَلْقِ عن الشيطان، وهو مُوَكَّل بالإنسان يُداخِله في أمره كلِّه ظاهراً وباطناً، عبادةً وعادةً؛ ليكون له منه نصيبٌ”. [فيض القدير شرح الجامع الصغير، عبد الرؤوف المناوي، المكتبة التجارية الكبرى – مصر، ج2 ص350، رقم الحديث 2023].

وقال الإمامُ القرطبي (671 هـ): “وقولُه ﷺ: ”إن الشيطان يحضر أحدكم عند كلِّ شيء من شأنه“، فائدتُه أنْ يُحْضِرَ الإنسانُ هذا المعنى عند إرادته فعلًا من الأفعال كائنًا ما كان، فيتعوّذ بالله من الشيطان، ويُسمِّي الله تعالى، فإنَّه يُكْفَى مَضرَّةَ الشيطان”. [الْمُفْهِمْ لِمَا أَشْكَلَ مِنْ تَلْخِيصِ كِتَابِ مُسْلِمٍ، أبو العباس القرطبي، حققه وعلق عليه وقدم له: محيي الدين ديب ميستو وآخرون، دار ابن كثير، دمشق – بيروت/ دار الكلم الطيب، دمشق – بيروت، الطبعة الأولى، 1417 هـ – 1996 م ، ج5 ص301].

والشيطان يأتي بالوساوس في العقيدة ويُلْقي الشُّبُهاتِ؛ لكي يُفسدَ على المرء دينه، ويرمِيَه في براثن الردة والإلحاد، قال الإمامُ ابنُ الجوزي (597 هـ): “اعلم أن الأنبياء جاءوا بالبيان الكافي، وقابلوا الأمراض بالدواء الشافي، وتوافقوا على مِنهاجٍ لم يختلف، فأقبلَ الشيطان يخلط بالبيان شُبَهاً وبالدواء سُمًّا”. [صيد الخاطر، ابن الجوزي، تحقيق: الدكتور حامد أحمد الطاهر، دار الفجر للتراث – القاهرة، الطبعة الثانية، 1431 هـ – 2010 م، ص6].

خامساً: من المعلوم عند العلماء أنّ مَنْ نَوَى قَطْعَ إِسْلاَمِهِ – ولَوْ لحظةً – عند النظرِ العقلي، فإنَّه يخرج بذلك منْ دينه الإسلام، وهذا شيءٌ خطيرٌ؛ جاء في ”الموسوعة الفقهية الكويتية“: “الْهَمُّ بِالْكُفْرِ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ: ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا هَمَّ الشَّخْصُ الْمُسْلِمُ بِالْكُفْرِ، أَوْ شَكَّ فِي الْوَحْدَانِيَّةِ أَوِ النُّبُوَّةِ أَوِ الْبَعْثِ، أَوْ نَوَى قَطْعَ إِسْلاَمِهِ، أَوْ تَرَدَّدَ أَيَكْفُرُ أَوْ لاَ، أَوْ عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ غَدًا أَوْ فِي الْمُسْتَقْبَل، خَرَجَ مِنَ الإِسْلاَمِ وَأَصْبَحَ مُرْتَدًّا فِي الْحَال؛ لأَنَّ طَرَيَانَ الشَّكِّ يُنَاقِضُ جَزْمَ النِّيَّةِ بِالإِسْلاَمِ”. [الموسوعة الفقهية الكويتية، الصادرة عن: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت، الطبعة: (من 1404 هـ – 1427 هـ)، الطبعة الثانية للجزء 42، طبع الوزارة، ج42  ص307].

وقال الإمامُ النَّوَوِيُّ: “قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَالْعَزْمُ عَلَى الْكُفْرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كُفْرٌ فِي الْحَالِ”. [روضة الطالبين وعمدة المفتين، أبو زكريا النووي، تحقيق: قسم التحقيق والتصحيح في المكتب الإسلامي بدمشق، بإشراف زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت – دمشق – عمان، الطبعة الثالثة، 1412 هـ / 1991 م].

وقال الشاعر:

ومَنْ يَنْوِي ارْتِداداً بعْدَ دَهْرٍ *** يَصِرْ عنْ دِينِ حَقٍّ ذا انْسِلالِ

قال العلاّمةُ المُحدِّث المُلَّا علي القاري (1014هـ) عند  شرحه لهذا البيت: “والمعنى: أنّ من ينْوِ الارْتدادَ بعد مُدة طالت أو قصرت يَخرُجْ بذلك عن الدِّين الحق والإيمان المطلق في الحال، وإن قصد الاستقبال؛ لأن استدامة الإيمان من واجبات الإيقان، كما قال الله تعالى: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ ءَامِنُوا۟﴾ أي اثبتوا، فإذا أتى بما ينافيها، ولو بالنية فقد كفَر اتفاقا؛ ولأن قصد الكفر ينافي التصديق، ويزيل التحقيق؛ ولأنه رِضًى بالكفر؛ والرضا بِكُفْر نفسِه كفرٌ إجماعا”. [ضوْء المعالي لبدء الأمالي، المُلَّا علي القاري، تحقيق وتعليق: ماهر أديب حبوش، دار اللُّباب، ص73-74].

فائدة: ”ضوْء المعالي لبدء الأمالي“ هو شرحٌ لمنظومة ”بدء الأمالي“، وهي قصيدةٌ لاميةٌ مشهورة في أصول الدين، للعلامة سراج الدين علي بن عثمان الأوشي الفرغاني الحنفي (ت. 575هـ)، وقد تلقَّاها العلماءُ بالقبول.

هذا، وأمّا مَن جاءته فكرة أو نكتة؛ ثم عرضها على الكتاب والسنة فوجدها تخالف العقيدة الإسلامية، أو ليس عليها أي دليل، ولم يشربْها قلبُه، ولم يتفوه بها ولم ينشرها، فهذا لا يحاسب على الأفكار التي تهجم عليه، وإنَّما يحاسب إذا تعمّدَ التّحرُّرَ من إيمانه؛ لكي يُعطِيَ لِنفسِه الحرية في التفكير دون الخوف من الوصول إلى ما يصطدم مع العقيدة الإسلامية!

تحقيق وإضاءة:

أوَّلًا – معنى نوى لُغةً:

في ”الصحاح“ للجوهري (393 هـ): نوى: نَوَيْتُ نِيّةً ونَواةً، أي عزمت.

وفي ”لسان العرب“ لابن منظور (711 هـ): نَوى الشيءَ نِيَّةً ونِيَةً بالتخفيف…: قصَده واعتقده.

ثانياً – فمعنى (نَوَى قَطْعَ إِسْلاَمِهِ)، أي: عزَم وقصَد قَطْعَ إِسْلاَمِهِ، و “أَمَّا إِذَا خَطَرَ فِي بَالِهِ الْكُفْرُ، أَوْ جَرَى فِي قَلْبِهِ دُونَ أَنْ يَصِل إِلَى مَرْحَلَةِ الْعَزْمِ، فَلاَ يَكْفُرُ؛ لأِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْوَسْوَسَةِ”. [الموسوعة الفقهية الكويتية، ج42  ص307].

وقال الإمامُ الخطيبُ الشربيني (977 هـ)”فَإِنْ لَمْ يُنَاقِضْ جَزْمَ النِّيَّةِ بِالإْسْلاَمِ كَالَّذِي يَجْرِي فِي الْكِنِّ (أَيْ فِي الْخَاطِرِ) فَهُوَ مِمَّا يُبْتَلَى بِهِ الْمُوَسْوَسُ، وَلاَ اعْتِبَارَ بِهِ”. [مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، الخطيب الشربيني، تحقيق: علي محمد معوض – عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1415 هـ – 1994 م، ج5 ص430]

ولقد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: “إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ تَجَاوَزَ لِأُمَّتي عَمَّا حَدَّثَتْ به أَنْفُسَهَا، ما لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَكَلَّمْ بهِ”. [رواه مسلم]

قال العلماءُ: “في هذا الحديث بيان أن العبد لا يؤاخذ بحديث النفس والهواجس التي تمر في خاطره، قبل التكلم به والعمل به”.

سادساً: الحكيم أو الفيلسوف الذي يخشى الله تعالى ويحب رضاه، عليه أن يَعْرِضَ أفكارَه وخواطرَه على الكتاب والسُّنَّةِ قبل أن يشربها قلبُه وينشرها، وهذا كان ديْدَنُ علماء التربية والأخلاق، قال الإمامُ ابنُ قيم الجوزية (ت 751هـ): “قَالَ أَبُو حَفْصٍ رَحِمَهُ اللهُ: مَنْ لَمْ يَزِنْ أَفْعَالَهُ وَأَحْوَالَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَمْ يَتَّهِمْ خَوَاطِرَهُ، فَلَا يُعَدُّ فِي دِيوَانِ الرِّجَالِ”. [مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة الثالثة، 1416هـ – 1996م، ج2 ص434].

وقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: “رُبَّمَا يَقَعُ فِي قَلْبِي النُّكْتَةُ مِنْ نُكَتِ القَوْمِ أَيَّاماً، فَلاَ أَقْبَلُ مِنْهُ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَينِ، الكِتَابُ وَالسُّنَّة”. [سير أعلام النبلاء، شمس الدين، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748هـ)، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1405هـ – 1985م، الجزء 10: بتحقيق نعيم العرقسوسي، وبإشراف: المحدث شعيب الأرناؤوط، ص183].

و ”النُّكْتَةُ: هي مسألة لطيفة أُخْرِجَتْ بدقَّة نظر وإمعان، مِن نكت رمحه بأرض، إذا أثّر فيها. وسُمِّيتِ المسألةُ الدقيقةُ: نكتة؛ لتأثير الخواطر في استنباطها“. [معجم التعريفات، علي بن محمد الشريف الجرجاني، دار التقوى، سنة الطبع 1440هـ -2018م، ص242].

سابعاً: كلُّ مَنْ ينْشُر في الناس أفكاراً فلسفية فاسدة، فإنه يكون مُذنِباً، ويوم القيامة سيحمل جميع ذنوب الذين تأثروا بأفكاره، وانحرفوا عن الصراط المستقيم بِسببه:

قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّبِعُوا۟ سَبِیلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَـٰیَـٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَـٰمِلِینَ مِنۡ خَطَـٰیَـٰهُم مِّن شَیۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَـٰذِبُونَ * وَلَیَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالࣰا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَیُسۡـَٔلُنَّ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ عَمَّا كَانُوا۟ یَفۡتَرُونَ﴾ [العنكبوت 12-13].

قال الإمامُ ابنُ كثير (774هـ) في تفسيره: “يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ: أَنَّهُمْ قَالُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الْهُدَى: ارْجِعُوا عَنْ دِينِكُمْ إِلَى دِينِنَا، وَاتَّبَعُوا سَبِيلَنَا، ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ أَيْ: وَآثَامَكُمْ – إِنْ كَانَتْ لَكُمْ آثَامٌ فِي ذَلِكَ -عَلَيْنَا وَفِي رِقَابِنَا، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: “افْعَلْ هَذَا وَخَطِيئَتُكَ فِي رَقَبَتِي”. قَالَ اللَّهُ تَكْذِيبًا لَهُمْ: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ: فِيمَا قَالُوهُ: إِنَّهُمْ يَحْمِلُونَ عَنْ أُولَئِكَ خَطَايَاهُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ وِزْرَ أَحَدٍ، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فَاطِرَ: 18] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا. يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [الْمَعَارِجِ: 10، 11].

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ : إِخْبَارٌ عَنِ الدُّعَاةِ إِلَى الْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ، أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَ أَنْفُسِهِمْ، وَأَوْزَارًا أُخَر بِسَبَبِ مَنْ أَضَلُّوا مِنَ النَّاسِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أَوْزَارِ أُولَئِكَ شَيْئًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النَّحْلِ: 25]”. انتهى كلام ابن كثير.

وقال النّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَن دَعَا إلى هُدًى، كَان لَه مِنَ الأَجر مِثلُ أُجُور مَن تَبِعَه، لاَ يَنقُصُ ذلك مِن أُجُورِهِم شَيئًا، ومَنْ دَعَا إلى ضَلاَلَة، كان عَلَيه مِن الإِثْم مِثل آثَامِ مَن تَبِعَه، لاَ يَنقُصُ ذلك مِن آثَامِهِم شَيْئًا». [رواه مسلم].

الوقفة السابعة: لماذا منع أميرُ المؤمنين عمرُ بنُ الخطّاب النظر في كتب الفلسفة بعد الاستيلاء على بلاد الفرس؟ 

قال المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون (808هـ): “وأمّا الفُرْس فكان شأن هذه العلوم العقليّة عندهم عظيما، ونطاقها متّسعا لما كانت عليه دولتهم من الضّخامة واتّصال المُلْك. ولقد يقال إنّ هذه العلوم إنّما وصلت إلى يونان منهم حين قتل الإسكندر دارا وغلب على مملكة الكينية، فاستولى على كتبهم وعلومهم. إلّا أنّ المسلمين لمّا افتتحوا بلاد فارس، وأصابوا من كتبهم وصحائف علومهم ممّا لا يأخذه الحصر ولمّا فتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتبا كثيرة كتب سعد بن أبي وقّاص إلى عمر بن الخطّاب ليستأذنه في شأنها وتنقيلها للمسلمين. فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء. فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه، وإن يكن ضلالا فقد كفانا الله”. [العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، عبد الرحمن بن خلدون، ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس: أ. خليل شحادة، مراجعة: د. سهيل زكار، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ – 1981م، ج1 ص631].

الوقفة الثامنة: مواقف أساطين العِلم من الفلسفة والفلاسفة:

* قسّم الإمامُ أبو حامد الغزالي (505هـ) الفلسفة إلى ثلاثة أقسام، وقال: “ومجموع ما صحَّ عندنا من فلسفة أرسطاطاليس، بحسب نقل هذين الرجلين [أي: ابن سينا والفارابي]، ينحصر في ثلاثة أقسام:

– قسم يجبُ التكفير به؛

– وقسم يجب التبديع به؛

– وقسم لا يجب إنكاره أصلاً…”. [المنقذ من الضلال، أبو حامد الغزالي، تحقيق: د. محمد محمد أبو ليلة – د. نور شيف عبد الرحيم رفعت، نشر جمعية البحث في القيم والفلسفة، واشنطن. الولايات المتحدة الأمريكية، ص 192-193].

وقال الإمامُ ابنُ الجوزي (597هـ): “إنما تمكَّن إبليسُ من التلبيس على الفلاسفة مِن جهة أنهم انفردوا بآرائِهم وعقولِهم، وتكلموا بِمُقْتضَى ظنونِهم مِن غيْر الْتِفاتٍ إِلَى الأنبياء”. [تلبيس إبليس، جمال الدين أبو الفرج ابنُ الجوزي، تحقيق: دكتور/حامد أحمد الطاهر، دار الفجر للتراث – القاهرة، الطبعة الثانية، 1431هـ/ 2010م، مبحث «ذِكْرُ تلْبِيسِه عَلَى الفلاسفة وتابعيهم»، ص53].

* وقال ابنُ الجوزي أيضاً: “وقد لَبَّس إبليسُ عَلى أقوامٍ من أهل مِلَّتنا، فدخل عليهم من باب قوة ذكائهم وفطنتهم، فأراهم أن الصوابَ اتِّباعُ الفلاسفة لكونهم حكماءَ، قد صدرت منهم أفعالٌ وأقوالٌ دلت على نهاية الذكاء وكمال الفطنة، كَمَا يُنقَل من حكمةِ سقراطَ وأبقراطَ وأفلاطونَ وأرُسْطَاطَالِيس وجالينوسَ. وهؤلاء كانت لهم علوم هندسية ومنطقية طبيعية، واستخرجوا بفِطَنِهم أمورا خفية، إلّا أنهم لَمّا تكلموا فِي الإلهيات خلطوا؛ ولذلك اختلفوا فيها… وَقَدْ رأينا مِنَ المُتفلسِفة مِنْ أُمَّتنا جماعةً لمْ يكْسِبْهمُ التفلسفُ إلّا التّحيُّرَ، فلا هم يعملون بمقتضاه ولا بمقتضى الإسلام، بل فيهم مَن يصوم رمضان ويصلي؛ ثم يأخذ فِي الاعتراض على الخالق وعلى النُّبُوَّات، ويتكلم فِي إنكار بعث الأجساد. ولا يكاد يُرى منهم أحدٌ إلا ضربه الفقرُ فأضرَّ به، فهو عامّةَ زمانِه فِي تسخطٍ عَلَى الأقدار والاعتراضِ عَلَى المُقدِّر، حتى قَالَ لي بعضُهم: أنا لا أخاصم إلّا مَن فوقَ الفَلَك!”. [تلبيس إبليس، ابن الجوزي، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1421 هـ/ 2001م، ص 46-47].

* وقال الإمامُ تقي الدين ابن تيمية الحنبلي (ت 728هـ): “فَمَا ذَكَرَهُ الْمُتَفَلْسِفَةُ مِنَ الْحِكْمَةِ الْعَمَلِيَّةِ لَيْسَ فِيهَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تَسْعَدُ بِهِ النُّفُوسُ، وَتَنْجُو مِنَ الْعَذَابِ، كَمَا أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْحِكْمَةِ النَّظَرِيَّةِ لَيْسَ فِيهَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا تَهْتَدِي بِهِ النُّفُوسُ، وَلَا مِنَ الْأَخْلَاقِ مَا هُوَ دِينُ حَقٍّ”. [الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، تقي الدين ابن تيمية الحنبلي الدمشقي، تحقيق: علي بن حسن – عبد العزيز بن إبراهيم – حمدان بن محمد، دار العاصمة، السعودية، الطبعة الثانية، 1419هـ / 1999م، ج6 ص323].

* وذهب الإمامُ ابنُ جُزَيّ (ت 741 هـ) إلى أنّ الفلسفة هي من العلوم التي تضُرُّ وَلَا تنفع. [انظر: القوانين الفقهية، ابن جُزَيّ الغرناطي، دار الرشاد الحديثة – الدار البيضاء، طبعة 1427 هـ – 2006 م، الْفَصْل الثَّالِث فِي فنون الْعلم، ص436-437].

* وقال الإمامُ الشاطبي (790هـ) المالكي: “وَلَا يَغْتَرَّنَّ ذُو الْحِجَى بِأَحْوَالِ الْفَلَاسِفَةِ الْمُدَّعِينَ لِإِدْرَاكِ الْأَحْوَالِ الْأُخْرَوِيَّةِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ، قَبْلَ النَّظَرِ فِي الشَّرْعِ، فَإِنَّ دَعْوَاهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ بِخِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرَائِعَ لَمْ تَزَلْ وَارِدَةً عَلَى بَنِي آدَمَ مِنْ جِهَةِ الرُّسُلِ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَيْضًا لَمْ يَزَالُوا موجودين في العالم، وهم أكثر، كل ذَلِكَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى أَنِ انْتَهَتْ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ كَانَتْ إِذَا أَخَذَتْ فِي الدُّرُوسِ بَعَثَ الله نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَائِهِ يبيِّن لِلنَّاسِ مَا خُلقوا لِأَجْلِهِ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ لِلَّهِ.

فَلَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى مِنَ الشَّرِيعَةِ الْمَفْرُوضَةِ ـ مَا بَيْنَ زَمَانِ أَخْذِهَا فِي الِانْدِرَاسِ وَبَيْنَ إِنْزَالِ الشَّرِيعَةِ بعدها ـ بعض الأصول معلومة، فَأَتَى الْفَلَاسِفَةُ إِلَى تِلْكَ الْأُصُولِ فَتَلَقَّفُوهَا، أَوْ تلقفوا منها، ما أرادوا أَنْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى مُقْتَضَى عُقُولِهِمْ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ عَقْلِيًّا لَا شَرْعِيًّا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا، فَالْعَقْلُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ أَلْبَتَّةَ، وَلَا يَنْبَنِي عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، وَإِنَّمَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ مُتَقَدِّمٍ مُسَلَّمٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَا يُمْكِنُ فِي أَحْوَالِ الآخرة تصوّر أَصْلٌ مُسَلَّمٌ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ، وَلِهَذَا المعنى بسطٌ سيأتي إن شاء الله تعالى.

فَعَلَى الْجُمْلَةِ، الْعُقُولُ لَا تَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِ مَصَالِحِهَا دُونَ الْوَحْيِ”. [الاعْتِصَام، إبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق ودراسة الجزء الأول: د. محمد بن عبد الرحمن الشقير، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1429هـ – 2008م، ج1 ص63].

* وقال المؤرخ عبدُ الرحمن بنُ خلدون (808هـ) في «الفصل الحادي والثلاثون في إبطال الفلسفة وفساد منتحلها»: هذا الفصل وما بعده مهمّ لأنّ هذه العلوم عارضة في العمران كثيرة في المدن. وضررها في الدّين كثير فوجب أن يصدع بشأنها ويكشف عن المعتقد الحقّ فيها. وذلك أنّ قوما من عقلاء النّوع الإنسانيّ زعموا أنّ الوجود كلّه الحسّيّ منه وما وراء الحسّيّ تدرك أدواته وأحواله بأسبابها وعللها بالأنظار الفكريّة والأقيسة العقليّة وأنّ تصحيح العقائد الإيمانيّة من قبل النّظر لا من جهة السّمع فإنّها بعض من مدارك العقل. وهؤلاء يسمّون فلاسفة جمع فيلسوف وهو باللّسان اليونانيّ محبّ الحكمة. فبحثوا عن ذلك وشمّروا له وحوّموا على إصابة الغرض منه ووضعوا قانونا يهتدي به العقل في نظره إلى التّمييز بين الحقّ والباطل وسمّوه بالمنطق”. [العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، عبد الرحمن بن بن خلدون، ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس: أ. خليل شحادة، مراجعة: د. سهيل زكار، دار الفكر، بيروت، الطبعة: الأولى، 1401هـ – 1981م، ج1 ص707].

* وقال زينُ الدين ابن نجيم (970هـ) أحد فقهاء الحنفية: “تَعَلُّمُ الْعِلْمِ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ، وَهُوَ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِدِينِهِ.

  • وَفَرْضَ كِفَايَةٍ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَيْهِ لِنَفْعِ غَيْرِهِ.
  • وَمَنْدُوبًا، وَهُوَ التَّبَحُّرُ فِي الْفِقْهِ وَعِلْمِ الْقَلْبِ.
  • وَحَرَامًا، وَهُوَ عِلْمُ الْفَلْسَفَةِ وَالشَّعْبَذَةِ وَالتَّنْجِيمِ وَالرَّمْلِ وَعِلْمُ الطَّبِيعِيِّينَ وَالسِّحْرِ.
  • وَدَخَلَ فِي الْفَلْسَفَةِ الْمَنْطِقُ، وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ عِلْمُ الْحَرْفِ وَالْمُوسِيقِيِّ”. [الْأَشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِيْ حَنِيْفَةَ النُّعْمَانِ، زين الدين ابن نجيم، تحقيق: الشيخ زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1419هـ – 1999م، ص328].

* وأمّا الإمامُ محمد بن علي الشوكاني (1250هـ) فإنه ذكر موقفه من دراسة الفلسفة في معرِض بيانه كيف يصبح المرء عالما بالفلسفة، فقال: “وهكذا من أراد أن يطلع على علم الفلسفة فإنه يحتاج إلى معرفة العلم الرياضي، وهو علمٌ يُعرَفُ به أحوالُ الكمِّ المتصل والمنفصل، والعلم الطبيعي وهو العلم الباحث عن أحوال عالم الكون والفساد، والعلم الإلهي وهو العلم الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود مع ما يتعلق بذلك من أحوال المبدأ والمعاد، وهكذا علم الهندسة وهو العلم الباحث عن مقاديرِ الأشياء كمًّا وكيفا ومبادئِ الأشكال. فمن جمع هذه العلوم الأربعة أعني الرياضي والطبيعي والإلهي والهندسي صار فيلسوفا.

والعلم بالعلوم الفلسفية لا ينافي علم الشرع بل يزيد المتشرع الذي قد رسخت قدمه في علم الشرع غبطة بعلم الشرع ومحبة له؛ لأنه يعلم أنه لا سبيل للوقوف على ما حاول الفلاسفة الوقوف عليه إلا من جهة الشرع وأن كل باب غير هذا الباب لا ينتهي بمن دخل إليه إلى غاية وفائدة”. [أدب الطَلَب ومنتهى الأَرَب، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى 1427هـ – 2006م، ص125-126]

فالإمامُ الشوكاني يرى أنه لا بأس بدراسة الفلسفة لمَن (قد رسخت قدمُه في علم الشرع)، وبَرَّرَ موقفَه هذا بكونِ هذه الدراسة ستزيد مَن كان راسخًا في العلم بالشريعة (غبطةً بعلم الشرع ومحبةً له؛ لأنه يعلم أنه لا سبيل للوقوف على ما حاول الفلاسفة الوقوف عليه إلا من جهة الشرع وأن كل باب غير هذا الباب لا ينتهي بمن دخل إليه إلى غاية وفائدة).

وأمّا موقفُه من الفلسفة فلقد عبّر عنه في نفس الكتاب السابق بقوله: “ولقد رأينا هؤلاء الذين يسخطون على السنة المطهرة، ويُعادون من اشتغل بها وعكف عليها يسمع أحدهم في المساجد والمدارس علوم الفلسفة وسائر علوم غير الشريعة يقرأها الطلبة على الشيوخ فلا ينكر ذلك ولا يرى به بأسا. فإذا سمع حدثنا فلان عن فلان، قال: قالَ رسول الله ﷺ، كان هذا أشد على سمعه من علم أرسطوطاليس وأفلاطون وجالينوس، بل أثقل على سمعه من فرعون وهامان.

فقبح الله أهل البدع وقلل عددهم وأراح منهم؛ فإنهم أضرُّ على الشريعة من كل شيء، قد شغلوا أنفسهم بمسائل معروفة هي رأس مذهبهم وأساسه، وتركوا ما عدا ذلك وعابوه وعادوا أهله”. [المصدر السابق، ص52-53].

وهنا يجب أن نُفَرِّقَ بين موقف الشوكاني من علم الفلسفة، وموقفه من دراستها.

تعقيب: الواقعَ يشهدُ أنّ بعض الشباب الذين درسوا الفلسفة، لم يخرجوا من دراستها سالِمِين، وهذا قد يكون بسبب ضعف تكوينهم الشرعي وعدم دراستهم للعقيدة الإسلامية. ومَن كان كذلك، فإنَّه لا يستطيع أن يُفرِّقَ بين الأقسام التي ذكرها الإمامُ أبو حامد الغزّالي؛ ثُمَّ إنَّ مادة الفلسفة أصبحت إلزامية في الثانويات وكليات الأدب، والأساتذةُ الذين يُدَرِّسونها لهم مشاربُ مختلفةٌ، وهنا مَكْمَنُ الخطرِ؛ لأنّ بعضَهم تكوينُهم ضعيفٌ في الثقافة الإسلاميّة، وخصوصاً في العقيدة الإسلامية، وبعضَهم عندهم انحرافاتٌ فكريةٌ وعقَدِيّةٌ، ويستغلون مقعدهم لنشرها بين طُلّابِهم؛ ولذلك فلا بُدَّ أنْ يدرسَ الطُّلّابُ العقيدةَ الإسلاميةَ، وخصوصاً أولئك الذين اختاروا التخصص في الفلسفة في الجامعات.

جاء في فتوى بعنوان (حكم دراسة الفلسفة)، نُشِرت في موقع ”الإسلام سؤال وجواب“، تحت رقم: 88184 : “إذا كانت دراسةُ الفلسفةِ إلزاميةً، فينبغي أنْ تَحْذَرَ من اعتقاد شيء من باطلها، أو الافتتان برجالاتها، وأن تَجِدَّ في طلب العلم الشرعي، لا سيّما ما يتصل بعلم العقيدة، حتى يكون لديك حصانةٌ ومنَعةٌ من الشبهات”.

الوقفة التاسعة: وفيها بيانُ موقف ابن حزم الأندلسي (456هـ) من الفلسفة والفلاسفة:

قال الدكتور أحمد البرقاوي: “فليس من مهمةٍ لابنِ حزم إلا الدفاع عن الترسيمات الدينية الإيمانية الشعبية. ودحض التفكير الفلسفي النظري واعتبار الفلاسفة خصوماً، ملاحدة، يجب الرد عليهم وتسفيههم.‏

وليس رسالة الرد على الكندي الفيلسوف إلا مظهر من مظاهر عداء ابن حزم للفلسفة.‏

فلنتأمل أولاً الوصف الذي خلصه صاحب «طوق الحمامة» على الكندي حين قال بحقه: «لا شك إنه غير صحيح الإيمان، غير عالم بربه، غير ذي بصيرة في شيء، لأنه تناقض في كلامه، واضطرب اضطراباً يخبر أنه لم يحصل على ما يقول».‏

إذاً الكندي: غير «صحيح الإيمان»، «غير عالم بربه»، «غير ذي بصيرة» بل و «جاهل».‏

أوصاف كهذه إذا قيلت بحق الفيلسوف الكندي، فإنها ولا شك تنسحب على كل فيلسوف من الفلاسفة العرب. فما يصح من نقد للكندي يصح أيضاً على الفارابي وابن سينا وابن ماجه وابن طفيل وابن رشد… إلخ.‏”. مقال للدكتور أحمد برقاوي، بعنوان ”موقف ابن حزم من الفلسفة“، نُشِر بموقع ”ثقافات“، بتاريخ: 9 أبريل 2014. رابط المقال: https://thaqafat.com/2014/04/22993

هذا رأي الدكتور أحمد البرقاوي – وهو من الفلاسفة المعاصرين –، ولكننا نجد أنّ ابن حزم قال في كتابه «الفصل في الملل والأهواء والنحل»: “الفلسفة على الْحَقِيقَة إِنَّمَا مَعْنَاهَا وثمرتُها وَالْغَرَضُ الْمَقْصُود نَحوه بتعلمها لَيْسَ هُوَ شَيْئا غير إصْلَاح النَّفس، بِأَن تسْتَعْمل فِي دنياها الْفَضَائِل وَحسن السِّيرَة المؤدية إِلَى سلامتها فِي الْمعَاد، وَحسن السياسة للمنزل والرعية. وَهَذَا نَفسه لَا غَيره هُوَ الْغَرَض فِي الشَّرِيعَة، هَذَا مَا لَا خلافَ فِيهِ بَين أحد من الْعلمَاء بالفلسفة، وَلَا بَين أحد من الْعلمَاء بالشريعة. فَيُقَال لمن انْتَمَى إِلَى الفلسفة بِزَعْمِهِ، وَهُوَ يُنكر الشَّرِيعَة بجهله على الْحَقِيقَة بمعاني الفلسفة وَبعده عَن الْوُقُوف على غرضها وَمَعْنَاهَا: أليست الفلسفة بِإِجْمَاع من الفلاسفة مبينَة للفضائل من الرذائل، موقفة على الْبَرَاهِين المفرقة بَين الْحق وَالْبَاطِل؟ فَلَا بُد من نعم وضرورة، فَيُقَال لَهُ: أَلَيْسَ الفلاسفة كلهم قد قَالُوا صَلَاح الْعَالم بشيئين: أَحدهمَا بَاطِن وَالْآخر ظاهر، فالباطن هُوَ اسْتِعْمَال النَّفس للشرائع الزاجرة عَن تظالم النَّاس وَعَن القبائح، وَالظَّاهِر هُوَ التحصين بالأسوار واتخاذ السِّلَاح لدفع الْعَدو الَّذِي يُرِيد ظلم النَّاس والإفساد؟…”. [الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم الأندلسي القرطبي، مكتبة الخانجي – القاهرة، ج1 ص81].

وكلام ابن حزم واضحٌ على أنّه لم يكن عدوًّا للفلسفة، وأن هجومه على بعضهم إنما كان بسبب إنكارهم للشَّرَائِع، وهو إنّما اتهمهم بأنهم لم يفهموا الفلسفة فهما حقيقياً.

هذا، وانتقادُ بعض العلماء لابن حزم بسبب دراسته للفلسفة، دليل آخر على أنه لم يكن عدوًّا لها، وأن ردَّه على بعض الفلاسفة لا يعني أنه كان عدُوًّا لجميعهم، قال الإمامُ شمس الدين الذهبي (748هـ) عن ابن حزم: “نشَأَ فِي تَنَعُّمٍ وَرفَاهيَّة، وَرُزِقَ ذكَاء مُفرطاً، وَذِهْناً سَيَّالاً، وَكُتُباً نَفِيْسَةً كَثِيْرَةً، وَكَانَ وَالِدُهُ مِنْ كُبَرَاء أَهْل قُرْطُبَة؛ عَمل الوزَارَةَ فِي الدَّوْلَة العَامِرِيَّة، وَكَذَلِكَ وَزَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي شَبِيْبته، وَكَانَ قَدْ مَهر أَوَّلاً فِي الأَدب وَالأَخْبَار وَالشّعر، وَفِي الْمنطق وَأَجزَاءِ الفلسفَة، فَأَثَّرت فِيْهِ تَأْثيراً لَيْتَهُ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَقَدْ وَقفتُ لَهُ عَلَى تَأَلِيف يَحضُّ فِيْهِ عَلَى الاعتنَاء بِالمنطق، وَيُقَدِّمه عَلَى العلُوْم، فَتَأَلَّمت لَهُ، فَإِنَّهُ رَأْسٌ فِي علُوْم الإِسْلاَم، مُتَبَحِّر فِي النَّقْل، عَديمُ النّظير عَلَى يُبْسٍ فِيْهِ، وَفَرْطِ ظَاهِرِيَّة فِي الْفُرُوع لاَ الأُصُوْل”. [سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي، تحقيق الجزء 18: محمد نعيم العرقسوسي، بإشراف: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1405هـ – 1985م، ج18 ص186].

فالإمامُ شمس الدين الذهبي يرى أن ابن حزم قد مهَر فِي الْمنطق وَأَجزَاءِ الفلسفَة، وأَثَّرت فِيْهِ تَأْثيراً بالغاً، حتَّى قال: “لَيْتَهُ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ”!

وقال عنه بعد ذلك: “وَفِي الجُمْلَةِ فَالكَمَالُ عزِيز، وَكُلُّ أَحَد يُؤْخَذ مِنْ قَوْله وَيُتْرَك، إِلاَّ رَسُوْل اللهِ ﷺ”. [سِيَرُ أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي، تحقيق الجزء 18: محمد نعيم العرقسوسي، بإشراف: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1405هـ – 1985م، ج18 ص187].

ونقل الإمامُ الذهبي عن أَبِي مَرْوَانَ بنِ حَيَّانَ قوله:” كَانَ ابْنُ حَزْمٍ – رَحِمَهُ اللهُ – حَامِل فُنُوْن مِنْ حَدِيْثٍ وَفقهٍ وَجَدَلٍ وَنَسَبٍ، وَمَا يَتعلَّق بِأَذِيَال الأَدب، مَعَ المُشَارَكَة فِي أَنْوَاع التَّعَالِيم القَدِيْمَة مِنَ المَنطق وَالفلسفَة، وَلَهُ كُتب كَثِيْرَة لَمْ يَخلُ فِيْهَا مِنْ غَلَطٍ لِجرَاءته فِي التَّسوُّر عَلَى الفُنُوْن لاَ سِيَّمَا الْمنطق، فَإِنَّهم زَعَمُوا أَنَّهُ زَلَّ هنَالك، وَضَلَّ فِي سُلُوْك المسَالك، وَخَالف أَرسطَاطَاليس وَاضِعَ الْفَنّ مُخَالَفَةَ مِنْ لَمْ يَفهم غَرَضَه، وَلاَ ارْتَاض”. [سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي، تحقيق الجزء 18: محمد نعيم العرقسوسي، بإشراف: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1405هـ – 1985م، ج18 ص200].

فالإمامُ مَرْوَانَ بنُ حَيَّان كان يرى أن ابْن حَزْمٍ كانت له مُشَارَكَة فِي أَنْوَاع التَّعَالِيم القَدِيْمَة مِنَ المَنطق وَالفلسفَة.

تعقيب 1: إن ابن حزم كان له اطلاع على الفلسفة، ومعجب بها، ولكن يبدو أنه أُبهِر ببعض جوانبها فقط، ويتبين ذلك من خلال قوله: “الفلسفة على الْحَقِيقَة إِنَّمَا مَعْنَاهَا وثمرتُها وَالْغَرَض الْمَقْصُود نَحوه بتعلمها لَيْسَ هُوَ شَيْئا غير إصْلَاح النَّفس، بِأَن تسْتَعْمل فِي دنياها الْفَضَائِل وَحسن السِّيرَة المؤدية إِلَى سلامتها فِي الْمعَاد، وَحسن السياسة للمنزل والرعية”.

فهو لم يطّلِع على الجوانب المُظلِمة فيها، ولقد كتب إليه أحدُ الناقمين عليه كتابا، اتهمه فيه بأن الفساد دخل عليه مِن تعويله على كتب الأوائل والدهرية وأصحاب المنطق وكتاب إقليدس والمجسطي وغيرهم من الملحدين. فردّ عليه ابن حزم بقوله: “أخبرنا عن هذه الكتب من المنطق وإقليدس والمجسطي: أطالعها أيها أنكرت ذلك على نفسك؟ وأخبرنا عن الإلحاد الذي وجدت فيها إن كنت وقفت على مواضعه منها”. [رسائل ابن حزم الأندلسي، أبو محمد بن حزم الأندلسي، تحقيق: إحسان عباس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1983م، الجزء الرابع، ص35].

تعقيب 2: رغم إعجاب ابن حزم ببعض جوانب الفلسفة، فإنه كان يرى أن من أراد التقرب إلى الله تعالى فعليه بالاشتغال بالعلم الشرعي:

ورغم أن ابن حزم كان مُعجباً بالفلسفة في إصلاح النفوس، فإنه لم يذكرها في كتابه «الأخلاق والسير في مداواة النفوس»، ونجِده يحُضُّ فيه على الاقتداء بالنبي ﷺ، والاشتغال بأعلى العلوم التي تُقرِّب إلى الله تعالى، فقال: “مَن أَرَادَ خير الْآخِرَة وَحِكْمَة الدُّنْيَا وَعدْل السِّيرَة والاحتواء على محَاسِن الْأَخْلَاق كلِّهَا وَاسْتِحْقَاق الْفَضَائِل بأسرها، فلْيَقْتَدْ بِمُحَمدٍ رَسُول الله ﷺ ولْيسْتَعْمِلْ أخلاقه وسِيَرَهُ مَا أمكنه”.[الأخلاق والسير، ابن حزم الأندلسي القرطبي، تحقيق: إيفار رياض، راجعه عبد الحق التركماني، دار ابن حزم، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1421هـ – 2000م، ص91]

وقال في مكان آخر: “من شغل نَفسه بِأَدْنَى الْعُلُوم وَترك أَعْلَاهَا وَهُوَ قَادر عَلَيْهِ، كَانَ كَزارِعِ الذُّرَّة فِي الأَرْض الَّتِي يجود فِيهَا الْبُرُّ، وكغارس الشَّعْراء حَيْثُ يزكو النّخلُ وَالزَّيْتُون”. [المرجع السابق، ص88].

والشَّعْرَاءُ، هي: الأرضُ أو الروْضَة الكثيرةُ الشجَر.

وقال أيضاً: “أجل الْعُلُوم مَا قربك مِن خالقِك تَعَالَى، وَمَا أعانك على الْوُصُول إِلَى رِضَاهُ”. [المرجع السابق، ص89].

ولا شَكَّ أنّ أعلى العلوم التي تقرِّب إلى الله تعالى هي علوم الشريعة الإسلامية.

الوقفة العاشرة: وهي وقفة مع بعض الفلاسفة المشهورين في العالم الإسلامي:

أوّلاً – مع الفيلسوف الفَارَابِيُّ (339 هـ): قال الإمامُ شمس الدين الذهبي (748هـ): “الفَارَابِيُّ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ طَرْخَانَ: شَيْخُ الفَلْسَفَةِ، الحَكِيْمُ، أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ طَرْخَان بن أَوْزَلَغ التُّركِي الفَارَابِي المنطِقيُّ، أَحَدُ الأَذْكِيَاء، لَهُ تَصَانِيْفُ مَشْهُوْرَةٌ، مِنِ ابْتَغَى الهُدَى مِنْهَا، ضلَّ وَحَارَ، مِنْهَا تَخرَّج ابْنُ سينَا، نَسْأَل اللهَ التَّوفيق.

وَقَدْ أَحكَم أَبُو نَصْرٍ العَرَبيةَ بِالعِرَاقِ، وَلقِي مَتّى بنَ يُوْنُسَ صَاحِبَ الْمنطق، فَأَخَذَ عَنْهُ، وَسَارَ إِلَى حرَّان، فَلِزمَ بِهَا يوحنَّا بن جيْلاَن النَّصْرَانِيّ”. [سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1405هـ – 1985م، الجزء 15 بتحقيق: إبراهيم الزيبق، تحت إشراف المحدث شعيب الأرنؤوط، ص416].

وقال الدكتور محمد بن عبد الله دراز في نقده للفارابي: “يقول الفارابي نقلًا عن قدماء اليونان: ”إِن اسم الفلسفة خاصٌّ عندهم بالعلم الذي تتعقل فيه حقائق الأشياء بذاتها، لا بمثالها، ويتوسل فيه إِلى إِثباتها بالبراهين اليقينية، لا بمجرد الإِقناع، أما المِلل والأديان فطريقُها في التفهيم إِقناعيٌّ، وتمثيلي“.

إِن صحت هذه التفرقة في بعض الأديان، فإِنها لا تنطبق على جميعها، فهذا دين الإِسلام – مثلًا – قد جمع في تعاليمه بين طريقتي اليقين والإِقناع، وبين منهجي التحقيق والتمثيل، والفيلسوف ابن رشد يقرر لنا هذه الحقيقة بطريقةٍ تطبيقية على كثيرٍ من المسائل والنصوص، في كتابه «فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال»، فبعد أن بين أن طباع النَّاس متفاضلةٌ في التصديق؛ فمنهم من يصدق بالبرهان، ومنهم من يصدق بالأقاويل الجدلية تصديق صاحب البرهان؛ إِذ ليس في طبيعته أكثر من ذلك، ومنهم من يصدق بالأقاويل الخطابية كتصديق صاحب البرهان بالأقاويل البرهانية، قال ما نصه: «ولما كانت شريعتنا هذه … قد دعت النَّاس من هذه الطرق الثلاث، عَمَّ التصديقُ بها كلَّ إِنسان، إِلا من يجحدها عنادًا بلسانه أو لإِغفاله ذلك من نفسه، ولذلك خُصَّ – عليه الصلاة والسلام – بالبعث إِلى الأحمر والأسود، أعني: لتضمُّن شريعته طُرُقَ الدعاء إِلى الله تعالى، وذلك صريح في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة}» [النحل: 125] وقال في موضعٍ آخرَ من هذا الكتاب: «فإِن الكتاب العزيز إِذا تُؤُمِّلَ وُجِدَتْ فيه الطرق الثلاثة، أعني: الطريق الموجودة لجميع النَّاس، والطريق المشتركة لتعليم أكثر النَّاس، والطريق الخاصة». [فصل المقال لابن رشد (ص8)].

ليس لنا إِذن أن نقول: إِن الأديانَ كلَّها تقوم على الإِقناع الخطابيِّ والتمثيلي، لا على التحقيق واليقين. ثم ليس من الصواب أن نقول من الجهة الأخرى: إِن التعليمات الفلسفية تُستمد دائمًا من نور العقل، وتستند إِلى البراهين القطعية؛ إِذ لو كانت كلها كذلك ما أمكن أن يحدث بينها هذا الاختلاف والتضارب، فإِن الحق لا يُعارِض الحق ولا يُكذبه، بل يسنده ويؤيده.

فهذا التعارض دليلٌ واضح على أنه ليس كل واحدٍ منها يمثل الحقيقة المطلقة أو يقول فيها الكلمة الأخيرة، بل من الجائز أن يكون كل منهما يمثل جانبًا من حقيقةٍ مركبة تتألف من مجموعها، ومن الجائز أن يكون الحق واحدًا منها وسائرها باطلًا، أو يكون الحق وراء ذلك كله، ولا بد لمعرفة أي ذلك هو الواقع، في موضوع ما، من إِعادة النظر فيه بالفحص والمقارنة بين مذهب ومذهب، ودليلٍ وَدليل.

ونحن نعرف بالاستقراء والتجربة أن أكثر هذه النظريات الفلسفية المتضاربة فروضٌ وتقديرات، تدور كلها في ذلك الإِمكان والاحتمال، وتتفاوت فيما بينها بقدر ما فيها من حُسن العرض وتناسُق الوضع، لا اعتمادًا على العقل الخالص ومتانة البرهان، بل على جودة الخيال وبراعة البيان، فهي لا تعدو أن تكون ضَرْبًا من الشعر المنثور، يُناجي العاطفة ويستهوي القلوب، من غير أن يكون في حجتها ما يشفي طالب اليقين، ولا في حكمها ما يحسم مادة النزاع بما فيه فصل الخطاب”.  [الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، محمد بن عبد الله دراز، دار القلم ـ الكويت، الطبعة الأولى، 1371هـ / 1952م، ص62-64].

ثانياً – مع الفيلسوف ابن سينا 428هـ:

قَالَ الإِمَام أَبُو عبد الله الْمَازرِيّ الْمَالِكِي: “ثمَّ كَانَ فِي هَذَا الزَّمَان الْمُتَأَخر رجل من الفلاسفة يُعرَف بِابْن سينا، مَلأ الدُّنْيَا تآليف فِي علم الفلسفة وَهُوَ فِيهَا إِمَام كَبِير وَقد أدّتْه قوتُه فِي الفلسفة إِلَى أَن حاول رد أصُول العقائد إِلَى علم الفلسفة!”. [طبقات الشافعية الكبرى، تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي  (771هـ)، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي – د. عبد الفتاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1413هـ،ج6 ص241].

وقال الدكتور محمد عبد الله دراز: “يرى ابن سينا أن الدين والفلسفة، مع اشتراكهما في تعريف «الحق» و «الخير» يختلفان في مبلغ عنايتهما بهذين الأصلين، ويقول: «إِن الشريعة الإِلهية يُستفاد منها مبادئ الحكمة العملية وحدودها على الكمال، أما الحكمة النظرية فإِن الشريعة تُعنَى بمبادئها فقط على سبيل التنبيه، تاركة للقوة العقلية أن تُحصلها بالكمال على وجه الحجة». (رسالة الطبيعيات لابن سينا: ص2-3).

هذا الفرق – على عكس الفرق الذي حكاه الفارابيُّ – ينطبق بوضوح على الشريعة الإِسلامية؛ فإِنها نبّهتْ على مبادئِ الحكمة النظرية تنبيهًا رقيقًا، وبينت الحكمة العملية بكمالها. ولكن هل ينطبق ذلك على سائر الشرائع الإِلهية، فضلًا عن الديانات الأخرى؟ كل ما يمكن أن يقال هو أن عناية الأديان في جملتها بالناحية العملية أشد منها بالناحية النظرية، ولكننا نعرف من مدارس الفلسفة أيضًا ما يغلب عليها – أو يكاد يستأثر بها – هذا العنصر العملي. فلا يصلح ذلك فارقًا كافيًا لتمييز ماهية الدعوة الدينية عن التعاليم الفلسفية بصفة مطردة”. [المرجع السابق، ص64-65].

ثالثاً – مع الإمام أبي حامد الغزالي (505هـ):

* قال الإمامُ شمس الدين الذهبي: “ثُمَّ إِنَّ المَازرِي أَثْنَى عَلَى أَبِي حَامِد فِي الفِقْه، وَقَالَ: هُوَ بِالفِقْه أَعْرفُ مِنْهُ بِأُصُوْله، وَأَمَّا عِلْمُ الكَلاَم الَّذِي هُوَ أُصُوْلُ الدّين، فَإِنَّهُ صَنَّف فِيْهِ، وَلَيْسَ بِالمُتبحِّر فِيهَا، وَلَقَدْ فَطِنْتُ لِعدم اسْتبحَاره فِيهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَرَأَ عُلُوْمَ الفَلْسَفَة قَبْل اسْتبحَاره فِي فَن الأُصُوْل، فَأَكسبته الفَلْسَفَة جُرْأَةً عَلَى المَعَانِي، وَتسهُّلاً لِلْهجوم عَلَى الحقَائِق، لأَنّ الفَلاَسِفَة تَمرُّ مَعَ خَوَاطِرِهَا، لاَ يَزَعُهَا شَرْعٌ، وَعَرَّفنِي صَاحِبٌ لَهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عُكُوفٌ عَلَى (رَسَائِل إِخْوَان الصَّفَا)، وَهِيَ إِحْدَى وَخَمْسُوْنَ رِسَالَةً، أَلَّفهَا مَنْ قَدْ خَاض فِي علم الشَّرع وَالنَّقل، وَفِي الحِكْمَة، فَمزج بَيْنَ الْعِلْمين، وَقَدْ كَانَ رَجُل يُعْرَفُ بِابْنِ سِينَا ملأَ الدُّنْيَا تَصَانِيْفَ، أَدَّتْهُ قُوَّتُهُ فِي الفَلْسَفَة إِلَى أَنْ حَاول ردَّ أُصُوْلِ العقَائِد إِلَى علم الفَلْسَفَة، وَتلطَّفَ جُهْدَهُ، حَتَّى تَمَّ لَهُ مَا لَمْ يَتُم لغَيْره، وَقَدْ رَأَيْتُ جُمَلاً مِنْ دَوَاوِيْنه، وَوجدتُ أَبَا حَامِد يُعَوِّلُ عَلَيْهِ فِي أَكْثَر مَا يُشيرُ إِلَيْهِ مِنْ عُلُوْم الفَلْسَفَة”. [سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (748هـ)، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1405هـ – 1985م، ج19 بتحقيق الشيخ شعيب الأرنؤوط، ص341].

رابعاً – مع أبي الفتح الشهرستاني (548هـ) صاحب كتاب ”الملل والنحل“.

قال الإمامُ شمس الدين الذهبي عن الشَّهْرَسْتَانِيّ: “شَيْخ أَهْل الكَلاَم وَالحِكْمَة، وَصَاحِبُ التَّصَانِيْفِ… وَقَالَ ابْنُ أَرْسَلاَن فِي (تَارِيخ خُوَارِزْم): عَالِمٌ كيِّس مُتَفَنِّن، وَلَوْلاَ مَيْلُهُ إِلَى أَهْلِ الإِلْحَادِ وَتَخَبُّطُهُ فِي الاعْتِقَاد، لَكَانَ هُوَ الإِمَامَ، وَكَثِيْراً مَا كُنَّا نَتعجب مِنْ وُفور فَضله كَيْفَ مَالَ إِلَى شَيْءٍ لاَ أَصل لَهُ؟! نَعُوذ بِاللهِ مِنَ الخُذْلان، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ لإِعرَاضه عَنْ علم الشَّرْع، وَاشتغَاله بظُلُمَاتِ الفَلْسَفَة”. [سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1405هـ – 1985م، الجزء 20 بتحقيق محمد نعيم العرقسوسي، وبإشراف: المحدث شعيب الأرناؤوط، ص286-288].

خامساً – مع ابن رشد الحفيد (595هـ):

قال الإمامُ شمس الدين الذهبي: “ابْنُ رُشْدٍ الحَفِيْدُ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ القُرْطُبِيُّ، العَلاَّمَةُ، فَيْلَسُوْفُ الوَقْتِ،… وَبَرَعَ فِي الفِقْه، وَأَخَذَ الطِّبّ عَنْ أَبِي مَرْوَانَ بن حَزْبُول، ثُمَّ أَقْبَل عَلَى علُوْم الأَوَائِل وَبلاَيَاهُم، حَتَّى صَارَ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي ذَلِكَ…

قَالَ شَيْخ الشُّيُوْخِ ابْن حَمُّوَيْه: لَمَّا دَخَلتُ البِلاَد، سَأَلت عَنِ ابْن رُشْدٍ، فَقِيْلَ: إِنَّهُ مهجُور فِي بَيْته مِنْ جِهَةِ الخَلِيْفَة يَعْقُوْب، لاَ يَدخل إِلَيْهِ أَحَد؛ لأَنَّه رُفِعت عَنهُ أَقْوَال رديَّة، وَنُسبت إِلَيْهِ العلُوْم المهجورَة، وَمَاتَ محبوساً بدَاره بِمَرَّاكش”. [سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1405هـ – 1985م، ج21 بتحقيق بشار معروف، ص307- 309].

لقد اخْتَلَفَ المفكرون والفلاسفة المعاصرون في تحليل بعض أقوال ابن رشد وتفسيرِها، فمنهم مَن أنكرها ورأى أن فيها انحرافاً عن الشريعة الإسلامية، وأن فلسفته تدعو إلى تبنِّي العلمانية الغربية؛ ولذلك تبنَّى أفكارَه العلمانيون والحداثيون العرب، ورحّبوا بها. ومنهم مَن رأى أنّه لا مطعنَ فيها ولا يوجد فيها ما يخالف الشريعة الإسلامية، ونذكر هنا موقفين مختلفين حول فلسفة ابن رشد:

موقف الدكتور محمد عمارة (١): الدكتور محمد عمارة يُعَدُّ من الذين يرون أن فلسفةَ ابنِ رُشْد لا مطعنَ فيها ولا يوجد فيها ما يخالف الشريعة الإسلامية، حيث قال في كتابه ”ابن رشد بين الغرب والإسلام“:لقد أرادت النهضةُ الغربية الحديثة إقامة قطيعة معرفية مع اللاهوت النصراني؛ لتأسيس نهضتها الحديثة على تراثها الإغريقي.. فقدَّمت لذلك، نظرية الحقيقتين:

أ – العقلية العلمية الوضعية.. التي تؤسَّس عليها النهضةُ..

ب – والدينية التي لا تخضع لمناهج العلم، ولا ترقى إلى مستوى الحقيقة العلمية.

ولقد نسبوا القول بالحقيقتين إلى ابن رشد.. وسمى فريق من رواد هذه الدعوة أنفسهم «بالرشديين» ولقد كانوا – في الحقيقة منطلقين من – الأرسطية كما رأوها في شروح ابن رشد لأرسطو، وليس من الرشدية التي قدمها ابن رشد في إبداعه الخاص.. ومن هنا جاءت جناية النظرة الجزئية، وحيدة الجانب، لهؤلاء الذين لم يروا من ابن رشد سوى الشروح على أعمال فليسوف اليونان…

ولقد سلكوا إلى ذلك أبواباً عدة، في مقدمتها، ومن أهمها  باب التزييف لمذهب ابن رشد في التأويل… حتى لقد صوروا دعوتهم إلى إحياء فلسفة ابن رشد: دعوة إلى تبني الخيار الغربي العلماني في التقدم والنهوض، دون مواربة أو تأويل..

يقول أصحاب هذه الدعوى: إن الاتهامات التي أصدرها أسقف باريس، في مارس 1277م، والتي حَرَّمَتْ ثلاث عشرة قضية فكرية للرشديين اللاتين.. ومنها:

– انكارهم علم الله للجزئيات الحادثة.

– وانكار العناية الإلهية فيما يخص الأفعال الانسانية.

– وقولهم بقدم العالم.

  • وتقديم الفلسفة على الشريعة.
  • وانكارهم الخوارق والمعجزات.
  • وقولهم بحقيقتين مختلفتين، فلسفية ودينية، وصادقتين معاً.

يقولون: إن هذه القضايا هي أفكار ومقولات رشدية.. وإن أهمها «هو نظرية الحقيقة المزدوجة» ومفادها: إمكان صدق نتيجتين متناقضتين في آن واحد، أي: إحداهما صادقة في مجال العقل والفلسفة، والأخرى صادقة في مجال الايمان الديني.. وأنّ فلسفة ابن رشد – هذه –  قد أفرزت تياراً رشدياً في أوروبا أسْهَم في الإصلاح الديني وفي التنوير.

بل لقد تجاوزوا هذه الحدود لهذه الدعوى ـ التي سبقهم إليها فرح أنطون ـ إلى ادعاء أن ابن رشد «قد أخضع الدين للعقل.. بالتأويل».. وهو ادعاء يفضي إلى أن ابن رشد قد تجاوز وألغى الحقيقة الدينية، عندما اعتمد ـ بالتأويل ـ حقيقة واحدة، هي الحقيقة العقلية…

وإنما سنعمد إلى الإبداع الفكري لابن رشد، عارضين مقولات «الرشديين اللاتين» على هذا الإبداع؛ لنرى هل هناك نسب حقيقي بين هذه المقولات وبين فكر أبي الوليد؟..

ولنتبين حقيقة الموقع الفكري لفيلسوف قرطبة من مذاهب النظر وتيارات الفكر ومذاهب الأمم في التقدم والنهوض.

 1 – العلم الإلهي بالجزئيات:

ولقد كان فكر ابن رشد في هذه القضية إسلامياً خالصاً.. فالله، سبحانه وتعالى، عنده، عالم بالجزئيات، كما هو عالم بالكليات…

2 – قِدَمُ العالم: فابن رشد، هنا، يقدِّم – في الخلاف حول قدم العالم وحدوثه – مذهباً ثالثاً فيه حلٌّ للخلاف الذي أحدث استقطاباً بين الفلاسفة وبين بعض المتكلمين… وليس قائلاً بالقدم الحقيقي للعالم… وهو مذهب يجعله على النقيض من مذاهب التنويريين، الماديين والوضعيين..

فليس من الأمانة ولا من الموضوعية «حشرُه» في إطار التنوير الوضعي والمادي والعلماني.. فضلاً عن جعله المؤسس لهذا التنوير!

3 – علاقة الفلسفة بالشريعة:

لقد جعل التنويرُ الغربيُّ شعارَه: «أنه لا سلطان على العقل إلا للعقل».. ولهذه المنطلقات والمواقف الثابتة في فلسفة التنوير الغربي، كان تقديم الفلسفة – وهي ثمرة عقلية على الشريعة الدينية – بل، إذا شئنا الدقة، إحلال الفلسفة محل الشريعة، واتخاذها «شريعة عقلية» بدلاً من الشريعة السماوية…

كذلك أنكر هذا التنويرُ الخوارقَ والمعجزاتِ، انطلاقاً من مبدأ اكتفاء الطبيعة بذاتها، وإنكاره وجود موجود غير مادي، مفارق للطبيعة قادر على تبديل القوانين الطبيعية والأسباب الذاتية بالخوارق والمعجزات..

إن مفهوم العقل، عند ابن رشد، مخالف لمفهومه عند فلاسفة التنوير الغربي…

ابن رشد لا يَحُلُّ الفلسفة العقلية محل الشريعة الإلهية – كما يصنع الماديون الغربيون – ولا يجعلهما متجاورتين ومنفصلتين انفصال الغُرَف المعزولة – كما يرى الوضعيون – وإنما يؤسس الفكر عليهما معاً، بعد التوفيق والمؤاخاة بينهما، ولهذا المقصد عقد ابن رشد كتابه المنهجي (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال).. وفيه قَدَّم هذا الموقف – الذي لا يَحُلُّ الفلسفةَ محَلَّ الشريعة.. ولا الشريعةَ محل لفلسفة.. ولا يفصلهما عن بعضهما – وإنما ينطلق من النظرة القرآنية التي علمتنا أن الله هو الذي أنزل «الكتاب» و «الحكمة»، أي: جعل للإصابة مصدرا جاء به الوحي إلى الأنبياء والرسل.. ومصدراً يستقل به العقل الإنساني …

وإذا كان التنوير الغربي – لوضعيته وماديته – قد أنكر الخوارق والمعجزات، فإنه قد اتخذ هذا الموقف لأنه قد رآها خارجةً عن الإدراك العقلي، وهو قد نفى صفاتِ المعرفةِ والحقيقة والصدق والعلم عن كل ما لا يُدرَك بالعقل والتجربة المحسوسة، وجعل شعاره «لا سلطان على العقل إلا للعقل»..

أما موقف ابن رشد، من هذه القضية، فهو على النقيض من موقف التنويريين الغربيين.. فهو يعلن – صراحة.. وفي الكثير من النصوص، والعديد من الكتب – أن هناك «أموراً إلهية تفوق العقول الانسانية»… ومن لا يُسَلِّمْ بهذه المبادئ الشرعية والمعجزات فهو كافر زنديق!…

التأويل العربي.. والتأويل الغربي:

 هكذا أعلن ابن رشد التزامه بالمذهب الإسلامي في التأويل:

أ – التأويل (جائز)..

ب – في المواطن التي يقوم فيها البرهان على استحالة الظاهر..

جـ – وبشرط تحقق شروط اللغة العربية في المجاز – الذي تخرج فيه دلالات اللفاظ من حقيقتها إلى مجازها..

د – وفيما لم يثبت فيه إجماع يقيني على ان المراد هو ظاهر الألفاظ..

هـ – وبترشيح دلالات التأويل في بعضها..

و – ومن أجل الجمع بين المعقول والمنقول – لا المقابلة بينهما، والانحياز لأحدهما، تجاوزاً للآخر أو نفياً له -.. ومع كل هذه الضوابط التي أحاط بها ابن رشد قضية التأويل.. رأيناه يؤكد على أن هذا التأويل هو حق للخاصة من الراسخين في العلم، لا يُصرَّح به للعامة..

وفيما يتعلق بعالم الغيب ومبادئ الشريعة، وكل ما لا يستطيع العقل الاستقلال بإدراك كنهه، أوجب ابن رشد أخذه على ظاهره، دون تأويل…

حقيقة واحدة؟.. أم حقيقتان؟؟:

الزعم بأن ابن رشد هو من القائلين بثنائية الحقيقة، لا بوحدة الحق… هو الادعاء الذي تنقضه وتنفده إبداعات فكر هذا الفيلسوف العظيم.. فالتأويل عند ابن رشد – كما سبق وأوردنا نصوصه فيه – هو سبيل إلى وحدة الحقيقة، وليس إلى تعددها؛ لأنه موقف من تعدد طرق ومستويات الناس في التصديق بالحقيقة الواحدة، وليس سبيلاً لإثبات ثنائية الحق والحقيقة.. وله في ذلك عشرات النصوص التي لا لبس فيها ولا غموض… فهو يؤكد على وحدة الحقيقة، في الذات الإلهية.. وفي الشريعة الإلهية.. وفي المخلوقات، مع تعدد طرق التصديق بالحقيقة الواحدة، تبعا ً لتعدد جِبِلّات وطبائع الناس – جمهوراً.. وحكماء.. ومتوسطين بينهما –…

تلك هي حقيقة «الرشدية الإسلامية» التي عبّرت عنها إبداعات فكر ابن رشد، إذا نحن قارناها «بالرشدية اللاتينية»، التي ألصقت مقولاتها، زوراً وبهتانا، بفيلسوفنا الإسلامي، إبان الصراع الذي خاضته الكنيسة الأوربية ضد «الرشديين اللاتين»..

… فإن هذا التزوير يعود اليوم على يد دعاة التنوير – الوضعي والمادي الغربي – محاولاً «اغتيال إسلامية فلسفة ابن رشد» مرة أخرى، وذلك عندما يزعمون أن «الرشدية اللاتينية» هي حقيقة فلسفة ابن رشد، وأنه هو المؤسس للتنوير الوضعي العلماني اللاديني، الذي تبلور في الغرب بالقرنين السابع عشر والثامن عشر.. فهم يتوسلون «بالتزوير» لنبتلع طعم «التنوير الغربي»، الذي يريدون إحلاله محل الخيار الإسلامي في التقدم والنهوض..”. [مختصر من كتاب ”ابن رشد بين الغرب والإسلام“، الدكتور محمد عمارة، دار نهضة مصر – القاهرة، الطبعة الأولى، تاريخ النشر: 1997م/ نُشِر هذا الكتاب تحت نفس العنوان بمجلة ”المسلم المعاصر“، العدد 86، نوفمبر 10 / سنة 1997].

موقفُ الفيلسوف طه عبد الرحمن (٢): وأمّا الفيلسوف طه عبد الرحمن، فله رأي آخر، عبَّر عنه بوضوح في كتابه ”حوارات من أجل المستقبل“، قال الدكتور محمد همام في قراءةٍ له لهذا الكتاب: “وفي فصل (رُشْدِيات) أوضح الدكتور طه لماذا هو ليس رُشديًّا؟ ولماذا ينبغي أن لا نكون رُشديين؟ فوقف بدقة عند حقيقة فلسفة ابن رشد وإضافته، وقام بكشف الغطاء الفِكراني الذي يلف دراسات العلمانيين، ممن أظهروا اهتمامًا زائدًا بفلسفة ابن رشد.

وابن رشد ينطلق من استقلال العلوم وعدم تداخلها، فهو بذلك فقيه وفيلسوف وليس فقيهًا فيلسوفًا؛ لأنه لم يستثمر تكوينه الفقهي في اجتهاده الفلسفي كما فعل الشاطبي مثلاً في مقاصده وموافقاته، كما أنه ليس فيلسوفًا فقيهًا؛ لأنه لم يستخدم معارفه الفلسفية في المجال الفقهي كما فعل الغزالي في استخدام العدة المنطقية في علم الأصول، فابن رشد إذن، بنظر الدكتور طه، لم يبدع في الفلسفة عن طريق الفقه، كما لم يبدع في الفقه عن طريق الفلسفة.

أما شهرة ابن رشد فيردها الدكتور طه إلى حاجة الغربيين إليه لتقريب فلسفة أرسطو ومواجهة سلطان اللاهوت الكنسي، كما ترجع هذه الشهرة إلى فتاوى التحريم التي أصدرتها الكنيسة في حق فلسفته، وانقسم حوله المفكرون الأوربيون بين مؤيد ومعارض، فهذه العوامل: الحاجة إلى الشارح والحاجة إلى الظهير، والدخول في الصراع والإفتاء بالتحريم، ولما كان العلمانيون العرب مقلِّدين لا مجتهدين، جعلوا شهرة ابن رشد بينهم كشهرته بين الأوربيين مع اختلاف الأحوال والعوامل.

والحقيقة الأخرى التي يكشفها الدكتور طه، هي أن اهتمام بعض المثقفين العرب بابن رشد اليوم هو برغبة بث روح (العلمانية) في نفوس المسلمين والعرب، فالرشدية (اللاتينية) عُرِفَتْ بخروجها عن الفلسفة اللاهوتية للكنيسة في القرن الثالث عشر، وهذه الفلسفة تقوم على ضربين من المبادئ: مادية تخالف المعتقد المسيحي السائد، إذ تقول بوحدة العقل، وقِدم العالم، وتنكر العناية الإلهية، والحرية وخلود النفس والمعجزات، ومبادئ منهجية تقول بتكافؤ الحقيقة الدينية والحقيقة العلمية، فسُمِّيَ ابن رشد (الفيلسوف ذا الحقيقتين)، وهو مبدأ يؤدي إلى الاستغناء عن إحدى الحقيقتين، ومن ثمة التخلي عن اللاهوت المسيحي لفائدة الفلسفة الأرسطية، كما أن هذه الروح الرشدية (اللاتينية) ستتطور لتصبح فصلاً تامًّا بين الدين والفلسفة مما انتشر بين أصحاب عصر التنوير وانتقل إلى المحْدَثين، فلا عجبَ أن ينصب ابن رشد إمامًا للعقلانيين والعلمانيين والحداثيين، وتكون بذلك إرادةُ الانتسابِ إلى ابن رشد إرادةَ الانتسابِ إلى العلمانية في أطوارها المعروفة (ص88)، أما المهرجانات المتنوعة احتفاءً بابن رشد، فإن لأصحابها مآربَ أخرى غيرَ التكريم والتقدير، وهي الرغبةُ في التشبه بالأسياد من الغربيين والمستشرقين وإرضائهم أو البحثُ عن لقب حداثي أو علماني، وكذا الإرادة الشرسة للعلمانيين لتصفية الحساب مع التيار الإسلامي.

وعليه، لم يكن الدكتور طه عبدالرحمن من ضحايا هذه الفتنة الفكرية بابن رشد لسابق علمه بهذا الفيلسوف في الفلسفة والكلام والفقه، فاطمأن إلى أن ابن رشد كان مقلدًا في الفلسفة، وتقليده لأرسطو لا ينحصر في شروحه وتفاسيره وملخصاته وجوامعه، بل يتعداه إلى كتبه التي تعتبر من التأليف الإبداعي (كتهافت التهافت) و(الكشف عن مناهج الأدلة) و(فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال)، فالكتاب الأول دفاع عن التقليد في وجه المعترضين عليه ممثلين في شخص الغزالي، والكتاب الثاني دفاع عن التقليد في وجه المتكلمين ممثلين في الأشاعرة، والكتاب الثالث دفاع عن التقليد في وجه رجال الدين ممثلين في الفقهاء (ص91)، والتقليد الذي يدعونا إليه ابن رشد يرجع إلى تاريخ سحيق يتجاوز، بل يتجاهل، فترة المد الفكري الإسلامي وكأنه لا يعتبرها، فكان بذلك واضع أصول التقليد وآلياته في الفلسفة بامتياز.!

فلا عجب أن يتهافت العلمانيون العرب على الفكر الغربي ينقلون ويجترون ما دام ابن شد تهافت هو الآخر على فكر أرسطو يشرح ويفسر، وفي التاريخ أشباه ونظائر فظنوا أنهم دخلوا عصر الحداثة، وهيهات! إذ كيف تجتمع الحداثة والتقليد!

ويخلص الدكتور طه إلى أن انبعاث الأمة الإسلامية لن يكون عن طريق فكر ابن رشد ولو استنفر الرشديون عددهم وعدتهم كلها لبثه في النفوس، بالترغيب أو الترهيب، إلا أن ينسلخوا عن جلدتهم ويلبسوا غيرها فيذوبوا في أهلها ذوبان الثلجة في البحر، أما أن يطمعوا في أن يحققوا لهذه الأمة انبعاثها بواسطة هذا التقليد مع بقائهم هم أنفسهم، عربًا مسلمين متميزين عمن يقلدون فذاك أمر دونــه ولوج الجمــل في ســـم الخياط. (ص92).

إن فلسفةَ ابنِ رشد فلسفةٌ مفصولةٌ  – أي منقولةٌ – لكنها لم تتداخل مع المعارف الإسلامية ولا تعاطت للتوافق مع مقتضيات المجال التداولي الإسلامي، وكانت قريبة من الفكر الغربي بعيدة عن الفهم الإسلامي”. [مجلة ”المسلم المعاصر“، قراءة في كتاب: ”حوارات من أجل المستقبل“، للدكتور طه عبد الرحمن، العدد 105، محمد همام، أغسطس 29 – 2002].

(١) الدكتور محمد عمارة (ت 28 فبراير 2020)، مفكر إسلامي، حصل على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية من كلية دار العلوم جامعة القاهرة عام 1975م، وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، ورئيس تحرير مجلة الأزهر.

(٢) الدكتور طه عبد الرحمن، فيلسوف مغربي، وأستاذ جامعي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في مجال التداول الإسلامي العربي منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين.

الوقفة الحادية عشرة: وهي وقفةٌ مع آراء علماء الغرب حول الفرق بين الدين والفلسفة:

يقول الدكتور محمد عبد الله دراز: “أما علماء الغرب اليوم فيرون الفرق بين الدين والفلسفة من الوجوه الآتية:

1 –  مشاكل الفلسفة يُناط حلها بالأفذاذ من ذوي العقول الراجحة، بينما مسائل الدين – في زعمهم – تحلها الشعوب والجماهير، قالوا: ولذلك كانت نشأة الأديان، وحياة واضعيها، والظروف التي أُلِّفَتْ فيها كتبها؛ غامضة مدفونة في ظلمات التاريخ، ولا كذلك الآثار الفلسفية.

2 – الدين يرثه الشعب عن أسلافه، والفلسفة يستمدها الفيلسوف من عقله ومن ملاحظاته الشخصية، ولو خالفت العقائد الموروثة.

3 – الفلسفة متجددة، والديانة تميل إِلى الثبات وعدم التطوُّر؛ لأن الجماعات لا تقبل أن تُغير عقيدتها كل يوم، أو أن تُعيد النظر فيها من جديد، ولا سيما إِذا كان كتاب العقيدة مفروضًا فيه أنه كلام الرب المعبود.

4 – الديانة لها في المجتمع مكان الصدارة؛ لأن لها الأسبقية وتقادُم العهد، الذي مكَّن لها من الرسوخ في القلوب؛ لأنها عقيدة الجمهور، وفي متناول عقليته.

5 – الدين لا يستغني عن مظهر اجتماعي، في حفلات يومية، أو سنوية، أو موسمية، يُوثق بها الأفراد أواصرهم الطائفية، كما أن الفكرة الدينية بحاجة إِلى التجسد في صُورٍ معينة، ورسوم محددة، يُجدد بها المتدين عهده بعقيدته، التي هي دائمًا عُرضةٌ للنسيان، من جراء المشاغل الحيوية المادية، بينما الفلسفة لا حاجة بها إِلى هذه المحافل؛ لأن عقيدة الفيلسوف حاضرةٌ في نفسه في غالب الأمر، كما أنها لا يصح أن تتمثل في رسوم عبادة معينة؛ لأنه لا شيء من تلك الصور المحددة يفرضه العقل فرضًا، بحيث يكون الخروج عنه شُذوذًا في التفكير، ولو التزم الفيلسوف شيئًا من هذه الأوضاع الخاصة، وجعله شعارًا لفلسفته لَخرج إِلى ضرب من الهزل والمجون، حريٌّ أن يُسخر منه.

6 – الديانة تعيش بسلطانٍ ونفوذ كنفوذ الدولة، والفلسفة لا تعيش إِلا في جو الحرية”. [الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، محمد بن عبد الله دراز، دار القلم ـ الكويت، الطبعة الأولى، 1371هـ / 1952م، ص65-66].

مناقشة الدكتور محمد عبد الله دراز لهذه الآراء:

ناقش الدكتور محمد عبد الله دراز هذه الآراء، بقوله: “الناظر في هذه الفُروق يرى أنها – في جُملتها – لا تُصوِّر الديانة والفلسفة في كل الأدوار التي مرت بهما، بل تصفهما في حالتهما الحاضرة، وفي أوروبا المسيحية على وجهٍ أخص، فهي تصور لنا الأديان الموروثة عن السلف في حالة استقرارها وثباتها، بعد أن أصبحت عقيدةً للجمهور، وصارت جُزءًا من تاريخه، يَحُفُّ بها جلالُ الماضي، ويحوطها سلطان الكنيسة، وقد بَعُدَ عهدُها بتاريخ نشأتها الغامض؛ ثم تُصوِّر لنا الفلسفةَ بازغةً في عقل الفيلسوف، مطبوعةً بطابع عقله ونزعاته وأحاسيسه، طليقةً من كل قيد، تستطيع أن تلبَسَ كل يوم ثوبًا جديدًا.

ولا ريب أننا حين نعقد المقارنة هكذا في ملابسات متباينة، نحصل على صورتين متفاوتتين: فالدياناتُ تبدو لنا في مظهرها الاجتماعي المستقر، والفلسفة في طابعها الفرديِّ الحر المتجدد، وهكذا يصدق القول بأن «الديانة هي فلسفة الشعوب والجماهير»، وأن «الفلسفة هي ديانة الأفذاذ الممتازين».

أما إِذا عدنا بالديانات إِلى عصور نشأتها، أو عصور تجديدها وإِصلاحها، فإِنها تبدو لنا هي أيضًا وهي تحمل أعلامًا شخصية: موسى، أو بوذا، أو عيسى، أو ماني، أو محمدًا، أو لوثر، أو عبد الوهاب، أو غيرهم، حتى الديانات الوثنية لم تعدم زعماء وضعوا أساسها، أو وسعوا بنيانها، إِما بالتفنُّن والاختراع، وإِما بجلب «تماثيل الآلهة» من رحلاتهم في مختلف الأقطار، كما يُحدثنا التاريخ عن بعضهم.

وليس جهل الشعب بحياة مؤسس ديانته دليلًا على أن هذه الديانة في نشأتها كانت من وضع الشعب في الجيل نفسه أو في جيلٍ سابق، وكل ما في الأمر أنها ميراثٌ جهلوا مُوَرِّثَه، نعم إِن هذه التركةَ قد يكون أصابها على مر العصور شيءٌ قليل أو كثير من التحول والتطور، حتى أصبحت في وضعها الأخير أثرًا مشترَكًا، وثوبًا مرقَّعًا، ينتسب إِلى أكثر من فرد واحد، وتقبَّلَه الشعبُ هكذا على عِلَّاتِه، ولكننا متى ارتقينا بهذا الميراث الشعبي من عصر إِلى عصر، حتى نصل إِلى عهد نشأته، لا بد أن نصل إِلى مبدأ، لا يكون هو الشعب في جملته ولا جماعة من الشعب. وإِلا فلْيُجيئونا بمثالٍ تاريخي واحد، اجتمع فيه شعبٌ من الشعوب أو طائفة من رؤسائه، فتواضعوا فيما بينهم على ابتكار منظمة دينية جديدة، يخلقون عقائدها وعباداتها جملةً وتفصيلًا، من غير أن يكون بين أيديهم أثرٌ يَأثُرونَه عن سلفهم، ولا كتابٌ يدرسونه ويجتهدون في فهمه وتأويله، منسوبٌ إِلى فلان أو فلان.

على  أن غموضَ تاريخ مؤسسي الديانات، وعدمَ تحديد العصور والملابسات التي ظهرت فيها كتُبُهم ليس قاعدة عامة؛ فهذا تاريخُ الإِسلامِ ونبيُّه وكتابُه غضٌّ طري، كأنه وُلِدَ أمْسِ، وعلماءُ أوروبا يعترفون بذلك ويُعلِنونه في إِنصاف وصراحة. غير أنهم يعدونه استثناءً من قاعدة الأديان، لكن الحقيقة أن القدر الذي يصح عَدُّهُ استثنائيًّا في الإِسلام من هذه الناحية هو درجةُ الوضوحِ التاريخيِّ ومتانةُ الأسانيدِ المتصلةِ لكتابِه في جملته وتفصيله، أمّا الوجودُ التاريخي لزعماء الأديان ومُجمل دعوتهم، فهذا قدْرٌ مشتركٌ بينه وبين كثير من المِلل، حتى لو سلمنا أنه استثناء، فقد أصبح الفارق الذي يزعمونه بين نشأة الدين ونشأة الفلسفة غير صحيحٍ على عمومه.

وكما أن الديانات بعد تأسيسها تميل إِلى الثبات والاستقرار بين الشعوب حتى يقوم فيها مجددون أو مصلحون، فكذلك تعاليم الفلسفة ومقررات العلوم، حتى الرياضيات والطبيعيات نفسها، مالت إِلى الركود في كثير من القرون. والتجديد في كلا الميدانين يلاقي مناهضةً شديدة، وكم من الاختراعات والاكتشافات الحديثة عُدَّتْ جنونًا من مُدعيها حتى في الأوساط السياسية والعلمية.

أما حديث المظاهر الاجتماعية في شعائر العبادة، فإِنه ينطبق حقيقةً على الأديان العامة التي استكملت عناصرها وفروعها؛ ولكنه لا ينطبق على الأديان الفردية، التي لا تعدو أن تكون وجدانًا غامضًا أو عقيدة مبهمة تتجمجم في الصدر، ولا يُحسِن صاحبُها التعبيرُ عنها بشعارٍ خاص، وقد رأينا مثلًا من ذلك في أديان الحنفاء؛ ولا نزال نرى أمثالهم في كل أمة من ذوي الفطر السليمة، الذين لم تصل إِليهم تعاليم الأديان الصحيحة، ولم يعجبهم ما في بيئتهم من العقائد الزائغة، والعوائد المنحرفة، ولكنهم في الوقت نفسه لم يصلوا إِلى تحديد وضعٍ معَيَّن يتخذونه شعارًا لعقيدتهم، فهؤلاء غرباء في قومهم، لا يجد الواحد منهم في نفسه حافزًا على الاجتماع بغيره – لأن كل واحدٍ منهم أمةٌ وحده – فضلًا عن أن يتفقوا بعد ذلك على نشيدٍ واحد وحركاتٍ واحدة يجعلونها شعارًا ظاهرًا لعقيدتهم، بل نقول: إِن حديث الشعائر والمظاهر لا ينطبق على كل الأديان الشعبية. فهذه البوذية الأولى يقولون: إِنها لم تكن تعرف إِلا العزلة التامة والتفكير العميق، بعيدًا عن كل الرسوم والأوضاع العملية. وعلى نقيض ذلك رأينا بعض الفلاسفة «مثل أوجست كونت»، يجهِّزون مذاهبهم الفلسفية بكافة النظم والشعائر المعروفة في الديانة المعاصرة لهم، وهكذا نرى التفرقة المذكورة لا تستقيم طردًا ولا عكسًا”. [الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، محمد بن عبد الله دراز، دار القلم ـ الكويت، الطبعة الأولى، 1371هـ = 1952م، ص66-68].

الوقفة الثانية عشرة: حقيقة الفرق بين الدين والفلسفة:

يقول الدكتور محمد عبد الله دراز: “بقيت التفرقة بين الدين والفلسفة بأن الفلسفة لا تعيش إِلا في جَوِّ الحرية، وأن الدين لا يقوم إِلا على السلطان والنفوذ، فهذا قولٌ سديدٌ في الجملة لا على الإِطلاق. وهو – إِذا استُفصِل عن معناه – يفتح أمامنا الباب لتقرير الفروق الصحيحة بين هاتين الحقيقتين:

ذلك أنه إِن كان المقصود قيام الدين دائمًا على سلطان الدولة ونفوذها، فهي دعوى باطلة؛ إِذ إننا نعرف ديانات كثيرة عاشت ونمت في ظل الرفق والتسامح، بعيدًا عن كل حُكْمٍ وسيطرة، والبوذية أوضح مثال على ذلك، بل المسيحية والإِسلام – في أول عهدهما على الأقل – قاما على احترام حرية الضمير، وعدم الإِكراه في الدين، كما أننا نعرف عهودًا تطاولت فيها الفلسفة إِلى مقام الحكم، وتسلحت لمطاردة أعدائها وإِخضاعهم.

وإِن كان المقصود اعتماد الدين على السلطان الأدبي للمجتمع، بمعنى: أن الحياة الاجتماعية من شأنها أن تطبع الأفراد بطابعٍ واحد، وأن تجعل منهم وِحْدَة متجانسة التفكير، متشاكلة العوائد والعقائد، بحيث يعد الشاذ عنها مذمومًا منبوذًا، فهذا إِن صح – إِلى حد ما – في الجماعات «البدائية» المحصورة في نطاقٍ ضيق، لا يسري حكمه على سائر المجتمعات؛ فنحن نرى الأمم والشعوب في كل عصرٍ تضم تحت أجنحتها العقائد المختلفة، والنظم المتفاوتة، ولا يحول ذلك دون تعاون الجميع في مرافق الحياة العامة، وتَسانُدُهم في الواجب الوطني المشترك.

أما إِذا كان المقصود سلطان العقيدة على نفوس معتنقيها أنفسهم، فلا ريب أن هذه ميزة تستأثر بها الديانات؛ وليس للفلسفة أن تطمح إِلى نيلها، وإِلا لجاوزت طورها، وتناقضت في نفسها؛ لأنّ حقيقةَ الفلسفة هي «محبة الحكمة» أو «الرغبة في المعرفة»، ووَظيفتَها البحثُ عن الحقيقة بقدر الطاقة البشرية، وعرض ما تظفر به من جوانب تلك الحقيقة، والفيلسوف هو أول من يعرف قُصور العقل البشري، وقُصور كل ما هو إِنساني، عن درجة الكمال، ولذلك كان التسامح والتواضع العلمي من أظهر خصائصه، وهذا سقراط يضرب لنا أروع الأمثال في ذلك، حين يقول: «الشيء الذي لا أزال أعلمه جيدًا هو أنني لست أعلم شيئًا».

أما الفكرة الدينية فإِنها – في مختلف مظاهرها ودرجاتها – تفترض أن ما تقرره في شأنٍ من الشئون مستمدٌ من سر الوجود، وأنه يمثل حقيقة الأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر، فهي بطبيعتها ملزمة، تتقاضى من صاحبها الخضوع والتسليم ولا تقبل منه في حكمها جدالًا ولا مناقضة، بل لا تبيح له في نفسها بحثًا ولا ترديدًا، فإِن فعل ذلك في مسألة ما، كان في هذه المسألة بعينها متفلسفًا غير متدين، حتى يستقر فيها على رأيٍ معين ويدين به، فهنالك لا يقبل فيه مساومة ولا يستطيع منه تحللًا؛ إِذ يصبح عقيدة يخلص لها إِخلاصًا خارقًا للعادة، حتى لا يبالي أن يضحي في سبيلها بحياته، ولا نكاد نجد هذا السلطان على النفس لفكرة أخرى: علمية، أو سياسية، أو غيرها.

فإِذا أردنا البحث عن السر في هذه الظاهرة العجيبة، فإِننا نجده لو أمعنَّا النظر في الفرق بين حقيقة المعرفة وحقيقة الإِيمان، وفي الفرق بين القوة النفسية التي تقوم بوظيفة المعرفة، والقوة النفسية التي تقوم بوظيفة الإِيمان. فالواحد من النَّاس قد يدرك معنى الجوع والعطش وهو غير محسٍّ بآلامها، وقد يفهم معنى الحب والشوق وليس من أهلهما، وقد يرى الأثر الفني البارع فيفهم أسراره، ويقف على دقائق صنعه، ولكنه لا يتذوقه، ولا يتملك قلبه الإِعجاب به. وقد يعرف لفلان فضل عقلٍ أو حزم، أو أدب أو سياسة، أو أولئك جميعًا، ولا يشعر نحوه بعاطفة ولاء، ولا رابطة مودة، بل يكاد يغص فؤاده بهذه الفضائل حقدًا وحسدًا، ويكاد ينكر قلبه ما تراه عيناه.

هذه كلها ضُروبٌ من العلم والمعرفة يهديها إِلينا الحس، أو الفكر، أو البديهة، أو الحدس، فتلاحظها النفس وكأنها غريبة عنها، أو تمر بها عابرة فتمسها مسًّا جانبيًّا لا يبلغ إِلى قراراتها، أو تختزنها وتدخرها، ولكنها لا تهضمها ولا تتمثلها. كل حالة نفسية تقف بالأفكار والمبادئ عند هذه المراحل ليست من الإِيمان في قليلٍ ولا كثير، الإِيمان معرفةٌ تتجاوب أصداؤها في أعماق الضمير، وتختلط مادتها بشغاف القلوب فلا يجد الصدر منها شيئًا من الضيق والحرج، بل تحس النفس فيها ببردٍ وثلج.

إِن الإِيمان تذوقٌ ووجدان يحمل الفكرة من سماء العقل إِلى قرارة القلب، فيجعلها للنفس ريًّا وغذاءً يدخل في كيانها، ويصبح عنصرًا من عناصر حياتها، فإِذا كان موضوع الإِيمان الحقيقة الكبرى، والمثل الأعلى، فهنالك تتحول الفكرة قوةً دافعة، فَعَّالة، خَلَّاقة، ولا يقف في سبيلها شيءٌ في الكون إِلا استهانتْ به حتى تبلغ هدفها.

ذلك هو فصل ما بين الفلسفة والدين، غاية الفلسفة المعرفة؛ وغاية الدين الإِيمان، مطلب الفلسفة فكرة جافة، ترتسم في صورةٍ جامدة؛ ومطلب الدين روحٌ وَثَّابة، وقوةٌ محركة

لا نقول – كما يقول كثيرٌ من النَّاس – إِن الفلسفة تُخاطب العقول، وإِن الدين يُخاطب القلوب ويستهوي المشاعر، غير مبالٍ بمبادئ المنطق وقواعد العلم، أو كما قال القديس أوغسطين St. Augustin: «أومِن بهذا لأنه محال Credo quia absurdom» فذلك وصفٌ لا ينطبق على كل الأديان، ولكنا نقول: إِن الدين في كل أوضاعه لا يقنع بعمل العقل قليلًا أو كثيرًا حتى يضم إِليه رُكون القلب.

الفلسفة تعمل إِذن في جانبٍ من جوانب النفس، والدين يستحوذ عليها في جملتها. الفلسفة ملاحظة، وتحليل، وتركيب؛ فهي صناعة تقطع أوصال الحقيقة وتُزهق روحها، ثم تؤلف بينها لتعرضها من جديد في نُسقٍ صناعي على مرآة الفطنة، فتنطبع على سطح النفس قشرةً يابسة. أما الدين فهو حداء ونشيد يحمل الحقيقة جُملة، فيعبر بها هذه القشرة السطحية، لينفذ منها إِلى أعماق القلوب وأغوارها، فتعطيها النفس كليتها، وتملكها زمامها.

ومن هنا يُستنبط فرقٌ دقيق بين الفلسفة والدين:

ذلك أن غاية الفلسفة نظرية حتى في قسمها العلمي، وغاية الدين عملية حتى في جانبه العملي، فأقصى مطالب الفلسفة أن تُعرِّفنا الحق والخير ما هما؟ وأين هما؟ ولا يعنيها بعد ذلك موقفنا من الحق الذي نعرفه، والخير الذي تحدده. أما الدين فيُعرفنا الحق لا لنعرفه فحسب، بل لنؤمن به ونحبه ونمجده، ويُعرفنا الواجب لنؤديه ونوفيه، ونكمل نفوسنا بتحقيقه.

وأول الآثار العملية للفكرة الدينية هو لفتها شعور المتدين إِلى صلةٍ بينه وبين الحقيقة العليا التي يدين لها، وهي صلة تقوم في جوهرها على معنى الإِلزام والالتزام الأدبي بينهما، على حين أن الفلسفة من حيث هي فلسفة – أعني: من حيث هي صناعة عقلية، مستقلة عن التصوف والمعاني الوجدانية – تستطيع أن تعيش من غير اعتراف بهذه الصلة، ذلك أن غاية الفيلسوف من ربطه المسببات بأسبابها هو فهمه الأشياء على وجه منطقي معقول، بحيث يأخذ كل حد منها موضعه اللائق به، فالقوة العليا التي يضعها الفيلسوف على رأس الحوادث الكونية يكفي فيها أن يكون شأنها في الكون شأن الصانع في تدبير صنعته، أو الربان في قيادة سفينته، وهي – كما ترى – صلة آلية خارجية، لا يُتبادل فيها الخطاب، ولا تتناجى فيها الأرواح، ولا يتجه فيها العبد إِلى الرب بالمحبة والتبجيل، والخشية والتأميل، وما إِلى ذلك من المعاني التي لا يتحقق مفهوم الدين من دونها؛ إِذ الدين ليس إِيمانًا ومعرفة فحسب، بل هو فوق ذلك التفاتٌ روحيٌّ متبادل، هو رِباطٌ من الطاعة والولاء، ومن الحَدْب والرعاية، بين المتدين وبين الحقيقة العلوية التي يؤمن بها.

ومن هنا تعرف السر في اتفاق مؤرخي الأديان على أن المذهب الذي اشتهر في القرن الثامن عشر باسم «الديانة الطبيعية» – والذي يتلخص في الاعتراف بثلاثة أركان: «وجود إِله خالق، وخلود الروح، وسلطان الواجب الأخلاقي» – ليس في الحقيقة دينًا، ولم يكن يومًا ما دينًا من الأديان، بل هو نوعٌ من الفلسفة الجافة، ينقصه قيام هذه الصلة الروحية بين الخلق والخالق، ليستحق اسم الدين.

والمظهر الثاني من المظاهر العملية للفكرة الدينية هو ميلُها إِلى التدفُّق في الميدان الاجتماعي، ذلك أن طبيعةَ العقيدة كريمةٌ فياضة، تنزع دائمًا إِلى الانتشار وطلب المشاركة، وتهز صاحبها إِلى تحقيق أهدافها بالنشر والدعوة. بينما الفكرة العلمية أو الفلسفة تميل — ككل ثروة إِنسانية — إِلى الاحتجاز والاحتكار والاستئثار، أو على الأقل لا تسعى بطبعها لهذا التوسع، ولا يعنيها أن تصبح في متناول الجمهور.

ولعلنا لا نسيء التعبير إِذا قلنا: إِن الاختلاف بين هاتين الطبيعتين كالاختلاف بين الديموقراطية والأرستوقراطية، فإِذا رأينا فيلسوفًا يدعو إِلى مذهبه، ويحمل النَّاس على اعتناق رأيه؛ علمنا أن فكرته قد أصبحتْ إِيمانًا، وأنه قد خلع ثوب الفيلسوف ليحمل أعباء الأنبياء والمرسلين، وإِذا رأينا متدينًا ينطوي على نفسه، ولا يبالي بما يجري حوله من ضلالٍ في الرأي، أو فسادٍ في العمل؛ كان لنا أن نحكم بأن نار إِيمانه قد استحالتْ رمادًا، أو أنها قد كمنت تحت أكداسٍ من الرماد.

هذه كلها وجوهٌ من النظر يَستبين بها حدودُ ما بين الفلسفة وبين الأديان بوجه عام.

فإِذا انتقلنا إِلى المقارنة بين الفلسفة وبين الأديان السماوية بخصوصها، فإِننا نظفر – فوق ذلك كله – بعنصرٍ جديد، به يتم الفصل بين هاتين الحقيقتين.

ذلك أن الفلسفة في كل عصورها «عمل إِنساني» يتحكم فيه كل ما في طبيعة الإِنسان من قيودٍ وحدود، وتدرُّج بطيء في الوصول إِلى المجهول، وقابلية للتغير والتحول، وتقلب بين الهدى والضلال، واقتراب أو ابتعاد عن درجة الكمال.

أما الأديان السماوية فإِنها «صنعة إِلهية» لها كل ما للإِلهيات من ثبات الحق الذي لا تبديل لكلماته، وصرامة الصدق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثم هي فوق ذلك «منحةٌ كريمة» تصل إِلى حامليها وسفرائها عفوًا بلا كدح ولا نصب، وتغمرهم بنورها في فتراتٍ خاطفة، كلمح البصر أو هو أقرب.

فإِذا انفردت الفلسفة في حكمٍ لم يؤمن عليها العثار، وإِذا التقى العقل والوحي على أمر فقد اتصلت مشاعل الليل بضوء النهار، {نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ}. [الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، محمد بن عبد الله دراز، دار القلم ـ الكويت، الطبعة الأولى، 1371هـ/ 1952م، ص68-73].

الوقفة الثالثة عشرة: هل الدين يوجب النظر الفلسفي؟ 

يُنْسَب إلى ابن رشد القولُ بأنّ “الدين يوجب النظر الفلسفي”.

تعقيباتٌ:

أوّلاً – قال الأستاذ الدكتور محمد السيِّد يوسف – المدرس بكلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق -: “المنهج القرآني هو المنهج الوحيد الصالِح والمُصلِح لكل زمان ومكان، وليس للأمة الإسلامية عذر في أن تتركَ منهج اللهِ تعالى، لِتُغامر بتجربة مناهجَ وضعيّةٍ أثبتت الأيامُ فشلها الذريع في إسعاد الأفراد وإصلاح المجتمعات…

وَسِعَتِ الحركةُ الإصلاحيةُ في المنهج الإسلامي كلَّ المجالات، وعلى رأسها: العقيدة، والسياسة والحُكْم، والأخلاق، والاجتماع، والاقتصاد. وهذه المحاور الخمسة هي: عصَبُ الإصلاح وركائزُه، وإذا صلحت كان ذلك إيذاناً بصلاح المجتمع…

المنهج الإسلامي ليس في حاجة إلى نصوص أو نظريات جديدة، إنه فقط في حاجة إلى العمل بنصوصه وفكِّ إسارها وتوظيفها في توجيه حركة الحياة”. [منهج القران الكريم في إصلاح المجتمع، الدكتور محمد السيِّد يوسف، دار السلام – القاهرة/ الإسكندرية، الطبعة الثالثة، 1428هـ – 2007م، خلاصة البحث ونتائجه، ص483-484].

ثانياً – إذا كان التفلسفُ معناه استخدام العقل، فإنَّ هذا التفلسفَ يسميه القرآن التفكر، وكتابُ الله فيه آياتٌ كثيرة تدعو إلى استخدام العقل، والتفكر في خلق السموات والأرض، منها: قولُه تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة/ 164].

وقولُه تعالى: {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [يونس: 101].

 و قولُه تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21].

والصحابةُ كانوا يحبون التفكر في عجائب الدنيا، حتَّى إنهم كانوا يرون أن التأمل أفضل من قيام الليل، فلقد روى البيهقي في “الشعب” بسند صحيح عَنْ الصحابي الجليل أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه، أنه قَالَ: “تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ”!

وإذا كان التفلسف معناه الاستفادة من الفلاسفة لِفهم الدين، فإنّ الدِّينَ لا يؤخذُ من فيلسوف كافرٍ، ولا من فيلسوف مسلم مَطْعونٍ في علمه أو مطعونٍ في دينه، بل إنّ الواجبَ أنْ نأخذ دينَنا مِنَ العلماء الْعُدُولِ وَالثِّقَاتِ، قالَ التّابِعِيُّ الجليل ابْنُ سِيرِينَ: “إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ”. [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

ثالثاً – إن استخدام الفلاسفة لعقولهم لا يعني أنهم كلُّهم يستخدمونها استخداماً صحيحاً؛ ثُمَّ إن كثيراً منهم لم ينتفعوا بعقولهم للوصول إلى الحق، قال تعالى: ﴿وَلِلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِیرُ * إِذَاۤ أُلۡقُوا۟ فِیهَا سَمِعُوا۟ لَهَا شَهِیقࣰا وَهِیَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَیَّزُ مِنَ ٱلۡغَیۡظِۖ كُلَّمَاۤ أُلۡقِیَ فِیهَا فَوۡجࣱ سَأَلَهُمۡ خَزَنَتُهَاۤ أَلَمۡ یَأۡتِكُمۡ نَذِیرࣱ * قَالُوا۟ بَلَىٰ قَدۡ جَاۤءَنَا نَذِیرࣱ فَكَذَّبۡنَا وَقُلۡنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَیۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِی ضَلَـٰلࣲ كَبِیرࣲ * وَقَالُوا۟ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِیۤ أَصۡحَـٰبِ ٱلسَّعِیرِ * فَٱعۡتَرَفُوا۟ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقࣰا لِّأَصۡحَـٰبِ ٱلسَّعِیرِ﴾ [الملك 6-11].

قال الإمامُ فخرُ الدين الرازي (606هـ) في تفسيره «مفاتيح الغيب»: “قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾، هَذا هو الكَلامُ الثّانِي مِمّا حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ جَوابًا لِلْخَزَنَةِ حِينَ قالُوا: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾، والمَعْنى لَوْ كُنّا نَسْمَعُ الإنْذارَ سَماعَ مَن كانَ طالِبًا لِلْحَقِّ، أوْ نَعْقِلُهُ عَقْلَ مَن كانَ مُتَأمِّلًا مُتَفَكِّرًا، لَما كُنّا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ، وقِيلَ: إنَّما جَمَعَ بَيْنَ السَّمْعِ والعَقْلِ؛ لِأنَّ مَدارَ التَّكْلِيفِ عَلى أدِلَّةِ السَّمْعِ والعَقْل”.

وقال الإمامُ ابنُ كثير (774 هـ) في تفسيره: “فَقَالُوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أَيْ: لَوْ كَانَتْ لَنَا عُقُولٌ نَنْتَفِعُ بِهَا أَوْ نَسْمَعُ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ الْحَقِّ، لَمَا كُنَّا عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَالِاغْتِرَارِ بِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَنَا فَهْمٌ نَعِي بِهِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَا كَانَ لَنَا عَقْلٌ يُرْشِدُنَا إِلَى اتِّبَاعِهِمْ”.

الوقفة الرابعة عشرة: هل التأويل ضروري للتوفيق بين الشريعة والفلسفة؟

يُنْسَبُ إلى ابن رشد – أيضاً – أنه قال: “يجب تأويل كلّ نصٍّ شرعيًّ ظاهرُه يخالف البرهان؛ حتى لا يصطدم الشرع مع النظر العقلي أو النظر الفلسفي”.

تعقيب: إنّ الفيلسوف قد يتبنّى بعض الأفكار اتِّباعاً لهواه، أو تأثُّراً ببعض الفلاسفة الذين سبقوه، وليس من خلال التفكير العقلي السليم.

ثُمَّ إن الفيلسوف عندما يفكر، فإن ما يصل إليه تفكيره أو نظره فيجب أن يُعرض على الشرع أوّلاً، فإنْ صادم نصًّا واضح الدلالة من الكتاب أو السنة، فلا بُدَّ من إنكاره، وفي هذه الحال لا يجوز أن نعكس مسار البحث، ونعرض النص على ما وصل إليه النظر الفلسفي؛ لأن كلام الله تعالى يعلو ولا يُعْلَى عليه، ولا يمكن أن نرفع مقام الفلسفة فوق مقام شرع الله، بحجة أن الفلسفة مصدرها العقل؛ لأن الوحي مُقدَّم على العقل.

وإنْ لمْ نجد نصًّا يعارض ما وصل إليه نظرُ الفيلسوف، فلا بُدَّ بعد ذلك من أن نعرض ما وصل إليه تفكيره على العقل نفسه، أي: يجب إعادة التفكير من جديد، لأن العقل قد يصيب في الوصول إلى الحقيقة وقد يخطئ.

الوقفة الخامسة عشرة: التفسير الفلسفي للقرآن الكريم في الميزان الشرعي:

أوّلاً – المشهور عند العلماء أن أقسامَ تفسير القرآن الكريم ثلاثةٌ، وهي:

1 – التفسير بالمنقول: ويطلق على:

 – تفسير القرآن بالقرآن، وهذا أفضلُ التفاسيرِ وآكدُها، لأن القرآنَ يُفسِّر بعضُه بعضاً، مثال: قول الله: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] فسّره قولُه تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].

– وتفسير القرآن بالسنّة الصحيحة عن رسول الله ﷺ، مثال: أخرج مسلم عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، ألا إن القوة الرمي.

وأخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ عن الكوثر: «إنه نهر وعَدَنِيهِ ربي في الجنة».

– وتفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين”.[انظر: معجم علوم القرآن، إبراهيم محمد الجرمي، دار القلم – دمشق، الطبعة الأولى، 1422هـ – 2001م، ص100-101].

فائدة: من التفاسير التي فسرت القرآن الكريم بالقرآن كتابُ ”أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن“، للشيخ العلاّمة محمد الأمين الشنقيطي (ت1393هـ)، وهو يركز على تفسير القرآن بآيات من القرآن نفسه، مع الاستعانة أحيانًا بالأحاديث النبوية.

ومن التفاسير التي ركزت على تفسير القرآن الكريم بالسنة النبوية تفسيرُ ”الجواهرُ واللآلئ المصنوعة في تفسير القرآن العظيم بالأحاديث الصحيحة المرفوعة“، للشيخ العلاّمة عبد الله بن عبد القادر التليدي، و ”التفسير النبوي مُقَدِّمَةٌ تَأْصِيْلِيَّةٌ مَعَ دِرَاسَةٍ حَدِيثِيَّةٍ لِأَحَادِيْثِ التَّفْسِيْرِ النَّبَوِيِّ الصَّريح“، للدكتور خالد بن عبد العزيز الباتلي.

2 – التفسير بالرأي، وهو قسمان:

أ – تفسير جائز ومحمود: وذلك إذا استنار المُفسِّر بما نُقِل عن الرسول ﷺ مع التحرُّز عن الضعيف والموضوع، وعليه أن يأخذ بِقَوْلِ الصحابي – وخصّه بعضُهم بأسباب النزول ونحوها مما لا مجال للرأي فيه –، وأن يكون عارفا بقوانين اللغة العربية وخبيرا بأساليبها، وأن يكون بصيرا بقانون الشريعة حتى يُنزِل كلام الله على المعروف من تشريعه.

وأنواع العلوم التي يجب توافرها في المفسر هي: اللغة والنحو والصرف وعلوم البلاغة، وعلم أصول الفقه وعلم التوحيد، ومعرفة أسباب النزول، والقصص، والناسخ والمنسوخ، والأحاديثُ المُبَيِّنةُ للمُجْمل والمُبْهم، وعلم الموهبة وهو علم يوَرِّثُه اللهُ تعالى لمن عمل بما علم، ولا يناله مَن في قلبه بدعةٌ أو كِبْرٌ أو حبُّ الدنيا أو ميْلٌ إلى المعاصي.

ب – تفسيرٌ غيرُ جائزٍ ومذمومٌ: ويكون بالتهجم على تبْيِين مُراد الله من كلامه على جهالةٍ بقوانين اللغة أو التشريع، ومنها حملُ كلام الله على المذاهب الفاسدة، ومنها الخوضُ فيما استأثر الله بعلمه، ومنها القطعُ بأن مُرادَ الله كذا من غير دليل، ومنها السَّيرُ مع الهوى والاستحسان.

هذا، ومِن التفاسير بالرأي المذمومة تفاسيرُ الباطنية، وهم قوم يرفضون الأخذ بظاهر القرآن، ويزعمون أنّ للقرآن ظاهراً وباطناً، والمرادُ منه باطنُه دون ظاهرِه.

ومن تأويلاتهم الفاسدة في القرآن الكريم أنهم يقولون – مثلاً – في تفسير قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ}: إن الإمامَ علِيًّا ورث النبيَّ في علمه.

ويقولون: معنى (الطهارة) التّبرِّي من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام، ومعنى (الصيام) الإمساك عن كشف السِّرِّ.

وهذه التأويلاتُ الفاسدةُ تجعل القرآنَ والسنةَ فوضى فاحشةً يُقالُ فيهما ما شاء الهوى أن يُقال، وما دام لكل واحد أن يفهم من القرآن ما شاء له الهوى والشهوةُ، دون اعتصام بالشريعة ولا التزام بقواعد اللغة، لم يَعُدِ القرآنُ قرآنا وإنما هُمَا الهوى والشهوةُ فحسْبُ.

3 – التفسير بالإشارة: ومعناه: تأويل القرآن الكريم بغير ظاهره – وبدون إنكار المعنى الظاهرِ والمرادِ الحقيقيِّ منه – لإشارة خَفِيَّة تظهر للمُتَمَعِّنِ في كتاب الله، ولأرباب السلوك والتصوف.

وهذا التفسير حرّمه بعضُ العلماء، وأجازه آخرون واشترطوا لقبوله خمسة شروط، وهي:

  • ألا يتنافى وما يظهر من معنى النظم الكريم، (أي: لا يَبعُدُ في تفسيره عن المعنى الظاهر الواضح) [كما جاء في هامش الكتاب].
  • ألّا يُدَّعَى أنه المراد وحده دون الظاهر (وذلك لكي يتميّزَ عن التفسير الباطني الملحد الذي يمنع إرادة المعنى الظاهر، ويتمسك بالمعنى الباطني وحده) [كما جاء في الهامش أيضاً].
  • ألا يكون تأويلا بعيدا سخيفا، كتفسير بعضهم قوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} بجعل كلمة {لَمَعَ} ماضيا، وكلمة {الْمُحْسِنِينَ} مفعوله.
  • ألا يكون له معارضٌ شرعيٌّ أو عقليٌّ.
  • أن يكون له شاهد شرعي يؤيده.

بَيْدَ أن هذه الشروطَ متداخلةٌ، فيمكن الاستغناء بالأول عن الثالث، وبالخامس عن الرابع. ويحسن ملاحظة شرطين بدلهما، أحدهما: بيان المعنى الموضوع له اللفظ الكريم أوَّلًا، ثانيهما: ألا يكون مِن وراء هذا التفسير الإشاري تشويش على المفسَّر له.

ثم إن هذه شروطٌ لقبوله، بمعنى: عدم رفضه فحسب، وليست شروطا لوجوب اتباعه والأخذ به؛ ذلك لأنه لا يتنافى وظاهرَ القرآن؛ ثم إن له شاهداً يعضده من الشرع، وكلُّ ما كان كذلك لا يرفض، وإنما لم يجب الأخذ به لأن النظم الكريم لم يوضع للدلالة عليه بل هو من قبيل الإلهامات التي تلوح لأصحابها غير منضبطة بلغة ولا مقيدة بقوانين…

نصيحة خالصة: بيد أن هذا التفسير كما ترى جاء كله على هذا النمط دون أن يتعرض لبيان المعاني الوضعية للنصوص القرآنية، وهنا الخطر كل الخطر فإنه يُخاف على مطالعه أن يفهم أن هذه المعاني الإشارية هي مراد الخالق إلى خلقه في الهداية إلى تعاليم الإسلام والإرشاد إلى حقائق هذا الدين الذي ارتضاه لهم.

ولعلك تلاحظ معي أن بعض الناس قد فتنوا بالإقبال على دراسة تلك الإشارات والخواطر؛ فدخل في روعهم أن الكتاب والسنة بل الإسلامَ كلَّه ما هي إلا سوانح وواردات على هذا النحو من التأويلات والتوجيهات، وزعموا أن الأمر ما هو إلا تخييلات وأن المطلوب منهم هو الشطح مع الخيال أينما شطح، فلم يتقيدوا بتكاليف الشريعة ولم يحترموا قوانين اللغة العربية في فهم أبلغ النصوص العربية كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.

والأدهى من ذاك أنهم يتخيلون ويخيلون إلى الناس أنهم هم أهل الحقيقة الذين أدركوا الغاية واتصلوا بالله اتصالا أسقط عنهم التكليف وسما بهم عن حضيض الأخذ بالأسباب ما داموا في زعمهم مع رب الأرباب وهذا لعمر الله هو المصاب العظيم الذي عمل له الباطنية وأضرابهم من أعداء الإسلام كما يهدموا التشريع من أصوله ويأتوا بنيانه من قواعده {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} .

فواجب النصح لإخواننا المسلمين يقتضينا أن نحذرهم الوقوع في هذه الشباك ونشير عليهم أن ينفضوا أيديهم من أمثال تلك التفاسير الإشارية الملتوي، ولا يعولوا على أشباهها مما ورد في كلام القوم بالكتب الصوفية؛ لأنها كلَّها أذواقٌ ومواجيدُ خارجةٌ عن حدود الضبط والتقليد، وكثيرا ما يختلط فيها الخيال بالحقيقة والحق بالباطل. وإذا تجردت من ذلك فقلما يظهر منها مراد القائل، وإذا ظهر فقد يكون من الكفريات الفاحشة التي نستبعد صدورها من العلماء والمتصوفة بل من صادقي عامة المسلمين، والتي نرى الطعن فيها بالدس والوضع أقرب وأسلم من الطعن فيمن عزيت إليه بالكفر والفسق.

فالأحرى بالفطن العاقل أن ينْأَى بنفسه عن هذه المزالق وأن يفر بدينه من هذه الشبهات وأمامه في الكتاب والسنة وشروحهما على قوانين الشريعة واللغة رياض وجنات.

{أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ}؟!.

قال ﷺ: “فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه”.

وقال ﷺ: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك”. [التفسير بالرأي والتفسير بالإشارة مأخوذ – مع شيءٍ من الاختصار والتصرف – من كتاب (مناهل العرفان في علوم القرآن)، للعلاّمة محمد عبد العظيم الزُّرْقاني، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، تحقيق أحمد شمس الدين، الطبعة الخامسة 1440هـ – 2019م، مبحث ”أقسام التفسير“، ج2 ص293-312].

ثانياً – وأمّا بالنسبة لتفسير القرآن الكريم تفسيراً فلسفيا، فلقد جاء في ”الموسوعة القرآنية المتخصصة“، في مبحث ”التفسير الفلسفي“: “ومن العلماء من اتجه في تفسير القرآن اتجاها فلسفيا. ففي العهد العباسي شجع العباسيون حركة الترجمة إلى العربية بصورة كبيرة وخطيرة في الوقت ذاته، حتى أضحت بغداد كعبة علمية وجامعة ثقافية، يفد إليها طلاب العلم من كل حدب ينسلون، ومن الكتب التي ترجمت كتب الفلسفة، التي وقف حيالها علماء المسلمين فريقين:

(أ‌)  فريق معارض محارب، حيث رآها تتعارض مع القرآن الكريم، وكان على قمة هذا الفريق الإمام أبو حامد الغزالي، والفخر الرازى، الذى امتلأ تفسيره بالرد على هذه الفلسفة، في المواضع المناسبة.

(ب) وفريق أعجب بها إلى حد كبير، ورأى أنه يمكن التوفيق بين القرآن والفلسفة بإحدى وسيلتين:

1 – الوسيلة الأولى: تأويل النص القرآني بما يساير أقوال الفلاسفة، وهذا فيه إلحاد ظاهر في آيات الله.

2 – الوسيلة الثانية: شرح النصوص القرآنية بآراء الفلاسفة، وهو يجعل كلام الفيلسوف حاكما على كلام الله تعالى، وفى هذا قلب للموازين، وإلحاد أعظم من سابقه”. [الموسوعة القرآنية المتخصصة، مجموعة من الأساتذة والعلماء المتخصصين، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، مصر، عام النشر: 1423 هـ – 2002 م، ج1 ص285-286/ مع شيءٍ من الاختصار].

وقال الدكتور محمد حسين الذهبي في مبحث ”الأثر الفلسفي في تفسير القرآن الكريم“: “وأما الفريق المسالم للفلسفة، المصدِّق بكل ما فيها من نظريات وآراء، فإنه لما فسَّر بالقرآن سلك طريقاً كلَّه شرٌّ وضلالٌ، إذ أنه وضع الآراء الفلسفية أمام عينيه، ثم نظر من خلالها إلى القرآن. فشرح نصوصه على حسب ما تمليه عليه نزعته الفلسفية المجرَّدة من كل شيء إلا من التعصب الفلسفي..

وأخيراً وجدنا أنفسنا أمام شروح لبعض آيات القرآن، هي في الحقيقة شروح لبعض النظريات الفلسفية، قُصِدَ بها تدعيمُ الفلسفة وخدمتُها على حساب القرآن الكريم، الذى هو أصل الدين ومنبع تعاليمه”. [التفسير والمفسرون، الدكتور محمد السيد حسين الذهبي، مكتبة وهبة، القاهرة، ج2 ص 309-310].

وهذه أمثلةٌ لبعض التفسيرات الفلسفية للقرآن الكريم، التي هدفها نَصْرُ بعض النظريات الفلسفية، ننقلها من كتاب ”التفسير والمفسرون“، للدكتور محمد حسين الذهبي، مع شيءٍ من الاختصار والتصرف: “فسر الفيلسوف الفارابي (339 هـ) في كتابه «فصوص الحكم»، قوله تعالى: ﴿هُوَ الأول والآخر﴾ تفسيرًا أفلوطونيًا مبنيًا على القول بِقدَم العالَم…

وفسَّر إخوانُ الصفا، في ”رسائلهم“ الجنَّةَ والنارَ، بما يُفهم منه أن الجنَّة هي عالَم الأفلاك، وأن النار هي عالَم ما تحت فلك القمر، وهو عالَم الدنيا…

وفسَّروا الملائكة بأنها كواكب الأفلاك فقالوا: «إن كواكب الفلك هم ملائكة الله وملوك سمواته.. خلقهم الله تعالى لعمارة عالمه، وتدبير خلائقه، وسياسة بريته، وهم خلفاء الله في أفلاكه، كما أن ملوك الأرض هم خلفاء الله في أرضه».

وزعموا أن قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ﴾ معناه «أن نفس المؤمن بعد مفارقة جسدها تصعد إلى ملكوت السماء وتدخل في زمرة الملائكة، وتحيا بروح القدس، وتَسْبَح في فضاء الأفلاك في فسحة السموات، فرِحة، مسرورة، منعمة، متلذذة، مكرَّمة، مغتبطة».

وفسَّروا قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُورًا﴾ بقولهم: «فشياطين الجن هي النفوس المفارقة الشريرة التي قد استجنت عن إدراك الحواس، وشياطين الإنس هي النفوس المتجسدة المستأنسة بالأجساد»..

إنّ إخوان الصفا كانوا يعتقدون أن القرآن ما هو إلا رموز للحقائق البعيدة عن أذهانِ العامة، وقالوا: إن النبي ﷺ يُخبر خواص أُمته بما جاء به واعتقده بالتصريح في السر والعلن، غير مرموز ولا مكتوم، ثم يشير إليها، ويرمز عنها عند العوام بالألفاظ المشتركة، والمعاني المحتملة للتأويل بما يعقلها الجمهور، وتقبلها نفوسهم. وغير خاف أن هذا هو عين مذهب الباطنية القائل بأن ظواهر القرآن غير مرادة…

وأمّا الفيلسوف ابن سينا فإنه كان حريصًا كلَّ الحرص على أن يوفق بين الدين والفلسفة، وفعلًا قام بهذه العملية التي كانت – فيما أعتقد – شرًا على الدين، وإبطالًا لحقائق القرآن الصريحة الثابتة؛ وذلك لأنه كان يعتقد أن القرآن ما هو إلا رموز رمز بها النبي ﷺ لحقائق تدق على أفهام العامة، عجزت أفهامهم عن إدراكها، فرمز إليها النبي بما يمكنهم أن يدركوه، وأخفى عنهم ما يعجز عن إدراكه عامة الناس إلا الخواص منهم، وقال: «إن المشترط على النبي أن يكون كلامه رمزًا، وألفاظه إيماءً، وكما يذكر أفلاطون في كتاب النواميس: إنَّ مَن لم يقف على معاني رموز الرُّسُل لم ينَلِ الملكوتَ الإلهي، وكذلك أجِلَّةُ فلاسفةِ يونان وأنبياؤُهم كانوا يستعملون في كتبهم الرموز والإشارات، التي حشوا فيها أسرارهم، كفيثاغورس وسقراط وأفلاطون».

وعلى هذا الأساس نظر ابن سينا إلى نصوص القرآن كرموز لا يعرف حقيقتها إلا الخواص أمثاله، ففسَّرها تفسيرًا حكَّم فيه ما لديه من نظريات فلسفية…

ومن تفسيراته الباطلة أنه فسَّر العرش في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ بأنه الفلك التاسع الذى هو فلك الأفلاك، وفسَّر الملائكة الثمانية التي تحمل العرش بأنها الأفلاك الثمانية التي تحت الفلك التاسع.

وفسّر الجنَّة والنار والصراط تفسيرًا فلسفيًا بعيدًا عن المأثور الثابت الصحيح، فيقسم العوالم إلى ثلاثة أقسام: عالَم حِسِّى، وعالَم خيالي وهمي، وعالَم عقلي، والعالَمُ العقلي عنده هو الجنَّة، والعالَم الخيالي هو النار، والعالَم الحِسِّى هو عالَم القبور.

وزعم أن «قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد﴾ إشارة إلى القوة النباتية: فإن النباتية موكلة بتدبير البدن ونشوه ونموه، والبدن عقد حصلت من عقد بين العناصر الأربعة المختلفة المتنازعة إلى الانفكاك، لكنها من شدة انفعال بعضها عن بعض صارت بدنًا حيوانيًا. والنفاثات فيها هي القوى النباتية، فإن النفث سبب لأن يصير جوهر الشيء زائدًا في المقدار من جميع جهاته أي الطول والعرض والعمق. وهذه القوى هي التي تؤثر في زيادة الجسم المغتذي والنامي من جميع الجهات المذكورة» … إلخ.

وزعم أن قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾: «عنى به النزاع الحاصل بين البدن وقواه كلها، وبين النفس».

وفسَّر قوله تعالى: ﴿مِن شَرِّ الوسواس الخناس﴾ بقوله: «هذه القوة التي توقع الوسوسة هي القوة المتخيلة بحسب صيرورتها مستعملة للنفس الحيوانية، ثم إن حركتها تكون بالعكس، فإن النفس وجهها إلى المبادئ المفارقة، فالقوة المتخيلة إذا جذبتها إلى الاشتغال بالمادة وعلائقها فتلك القوة تخنس – أي تتحرك – بالعكس وتجذب النفس الإنسانية إلى العكس، فلهذا سمى خَنَّاسًا».

وفسَّر قوله تعالى: ﴿مِنَ الجنة والناس﴾ بقوله: «الجن هو الاستتار، والإنس هو الاستئناس، فالأُمور المستترة هي الحواس الباطنة، والمستأنسة هي الحواس الظاهرة».

إنّ الإمامية الاثني عشرية والباطنية الإسماعيلية، ومتطرفي الصوفية، ورجال الفلسفة الإسلامية، كلهم يسيرون على نمط واحد هدَّام لمقاصد القرآن ومراميه، ذلك هو ما يُعبِّرون عنه بالرمز، أو الإشارة، أو الباطن. ويظهر لنا أنها عدوى سرت إلى المسلمين من قدماء الفلاسفة، ثم تلقتها هذه الفِرَق بصدر رحب، وتقبلتها بقبول حسن، لأنهم رأوا فيها عونًا كبيرًا على ترويج بدَعِهم، ونشر ضلالاتهم بين المسلمين!”. [انظر: التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، مكتبة وهبة، سنة النشر: 2000، ج2 ص310-318].

وانظر كتاب ”الأثر الفلسفي في التفسير“، للدكتور بكار محمود الحاج جاسم، حيث كشف في بحثه عن مدى تأثر بعض المفسرين بالفلسفة، سواءٌ كان قبولاً لها أو رفْضاً.

الوقفة السادسة عشرة: وهي وقفةٌ مع الأثر (الحكمةُ ضالّةُ المؤمنِ):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، حَيْثُمَا وَجَدَهَا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا”. [رواه ابن ماجه، قال المحققون: إسناده ضعيف جدًا/ سنن ابن ماجه، تحقيق: المحدث شعيب الأرنؤوط وآخرون، دار الرسالة العالمية، الطبعة الأولى، 1430هـ – 2009م، ج5 ص269].

وقال الإمامُ ابنُ عبد البر (463هـ): “وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ فِي كَلَامٍ لَهُ: «الْعِلْمُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ فَخُذُوهُ وَلَوْ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ وَلَا يَأْنَفْ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْخُذَ الْحِكْمَةَ مِمَّنْ سَمِعَهَا مِنْهُ»”. [جامع بيان العلم وفضله، أبو عمر يوسف بن عبد البر، تحقيق: أبو الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي – السعودية، الطبعة: الأولى، 1414هـ – 1994م، ج1ص421].

قال الإمامُ ابن المَلَك (854هـ): “والمراد بـ (الكلمة) هنا: الجملة المفيدة، وبـ (الحكمة): المُحكَمة الممنوعة عن الخطأ والفساد.

وقيل: الحكمة: الفقه في الدِّين، فُسّر به في قوله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}.

“ضالَّة الحكيم”؛ أي: مطلوبة، والحكيم: هو المُتقِن للأمور، الذي له غَور فيها.

“فحيث وجدَها فهو أحقُّ بها”؛ أي: بقَبولها والعمل بها، أو المعنى: كلمة الحكمة ربما تفوَّه بها مَن ليس لها بأهل، فإذا وقعت في أهلها فهو أَولى بها من قائلها، مِن غير التفاتٍ إلى خساسة قائلها، كالضالَّة؛ إذا وجدها صاحبُها فإنَّه أحقُّ بها من غيره”.[شرح مصابيح السنة للإمام البغوي، محمَّدُ بنُ عزِّ الدِّينِ، الرُّوميُّ الكَرمانيّ، الحنفيُّ، المشهور بـ ”ابن المَلَك“، تحقيق ودراسة: لجنة مختصة من المحققين بإشراف: نور الدين طالب، إدارة الثقافة الإسلامية، الطبعة: الأولى، 1433هـ – 2012م، ج1 ص205].

وقال عبد الرؤوف المناوي (1031هـ): “قال بعضهم: والحكمة هنا كل كلمة وعَظتْك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيحة، وقال القاضي: الكلمة هنا بمعنى الكلام والحكمة المحكمة، وهي التي تدل على معنًى فيه دِقَّةٌ للحكيمِ الفطنِ المُتقِن الذي له غَوْرٌ في المعاني وضالَّتُه مطلوبة…

تنبيه: قال العارف ابن عربي: لا يحجبنك أيها الناظر في العلم النبوي الموروث إذا وقفت على مسألة من مسائله ذكرها فيلسوف أو متكلم أن تنقلها وتعمل بها لكون قائلها لا دين له، فإن هذا قولُ مَنْ لا تحصيلَ له؛ إذ الفيلسوفُ ليس كلُّ عِلْمِه باطلاً، فإذا وجدنا شرْعَنا لا يأباها قبِلناها، سيما فيما وصفوه من الحِكم والتَّبرُّئِ من الشهوات ومكائد النفوس، وما تنطوي عليه من سوء الضمائر”. [فيض القدير شرح الجامع الصغير، زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري، المكتبة التجارية الكبرى – مصر، الطبعة: الأولى، 1356، مع الكتاب: تعليقات يسيرة لماجد الحموي، ج5 ص65].

تعقيب هامّ: إن الحديثَ – مع ضُعفِه – ليس فيه دليلٌ على جواز دراسة الفلسفة والتعمق فيها، أو فتح الباب لتتَبُّع جميع أقوال الحكماء والفلاسفة، وتضييع الوقت الثمين في ذلك، وإهمال تتَبُّع كلام الله تعالى وأقوال رسوله ﷺ كما قد يتوهّمُ البعضُ، وإنما فيه – حسب بعض الشُّرّاح – جوازُ أخذِ الحكمة من أهل الضلال والمِلل الأخرى؛ أي: أخذ بعض الكلمات التي هي عبارة عن جُمل مفيدة، ممنوعة عن الخطأ والفساد!

الوقفة السابعة عشرة: موقف العلماء من دراسة المنطق:

قال العلاّمةُ عبد الرحمن الأخضري (983هـ) في ”السلم المنورق في علم المنطق“:

وَالخُلـفُ فِي جَـوَازِ الاِشتِغَالِ ** بِــهِ عَـلَى ثَـلاَثَـةِ، الأَقــوَالِ

فَابنُ الصَّـلاَحِ وَالنَّوَاوِي حَرَّمَا ** وَقَـالَ قَـومٌ يَنبَـغِي أَن يُعْـلَمَا

وَالقَـولَةُ المَشهُـورَةُ الصَّحِيحَهْ ** جَـوَازُهُ لِـكَامِـلِ القَـرِيحَـهْ

مُمَـارِسِ السٌّـنَّةِ وَالكِتَـابِ ** لِيَـهتَدِي بِـهِ إِلَـى الصَّـوَابِ

جاء في فتوى نُشِرت بموقع ”الإسلام سؤال وجواب“، بعنوان (ما حكم دراسة المنطق؟): “علمُ المنطق من العلوم التي أثارت جدلاً واسعاً بين العلماء عبر العصور السابقة، ما بين مُؤيِّدٍ له ومعارضٍ… ولكن ذلك كلُّه لا يمنع أن يَدرس طالبُ العلم المتخصص قواعد المنطق من كتب أهله، كي يطلع على طرائق هذا العلم ويتعرف إلى مناهج أهله، فيكون على بصيرة من اصطلاحات القوم وأساليبهم، فلا يقع في مغالطات بعضهم، وينتبه إلى ما عندهم من الحق فيعرضه بطريقته المعتدلة، فيجمع بين العلوم النافعة، وينتبه إلى العلوم الضارة، ويستعين على ذلك بالله تعالى أولا، ثم بأهل العلم الراسخين الذين مارسوا هذا العلم وخبروا ما فيه من حق وباطل، كشيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة محمد الأمين الشنقيطي، حيث ألف الأخير كتابا في قواعد هذا العلم، صفاه من الدخل والغلط الذي راج على الكثيرين”.

وجاء في فتوى نُشِرت بموقع ”إسلام ويب“، بعنوان ”المنطق.. تعريفه.. وحكم تعلمه..“: “وأما المنطق فهو «آلة قيل إنها تعصم مراعاتها الذهن عن الزلل في الفكر». قال الأخضري في السلم المرونق:

وبعـدُ فـالمنطـق لِلجَنـــان ** نِـسبـتُـــه كالنـحـــــو لِلِّســـان فيعصِمُ الأفكارَ عن غَيِّ الخَطا ** وعن دقيق الفهم يكشف الغطا

وأصبحت دراستُه مطلوبةً عند بعض المتأخرين لدراسة بعض العلوم كالأصول؛ لأن كثيراً من مؤلفاتها صيغ في قالب منطقي فتعذر التمكن فيها إلا بدراسته، وقد قرر ذلك جماعة منهم الغزالي في المستصفى، حيث قال: من لا يعرف المنطق فلا ثقة بعلمه. وقال ابن سهلان في البصائر في علم المنطق: الحاجة له لابد منها وكذا قرر الدمنهوري وعبد الرحيم الجندي في شرحهما على السلم، وكذا محمد الأمين الشنقيطي في كتابه ”أدب البحث والمناظرة“. وقال عبد الرحيم الجندي شارح السلم: والخلاف إنما هو في المنطق الممزوج بكلام الفلاسفة، أما المنطق الخالص من ذلك فلا يمنع أحد من تعلمه وتعليمه. اهـ ومن كتب المنطق التي خلصها أصحابها عن الفلسفة ”السلم المرونق“ وشرحه للدمنهوري والجندي ومتن إيساغوجي، وغير ذلك”.

ولقد ألّف العلاّمةُ عبد الرحمن حسن حبنكة كتاباً بعنوان «ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة»، وقال عنه في مقدّمة الطبعة الثالثة: “لقي هذا الكتاب بفضل الله ومنِّه وكرَمِه استحساناً لدى كثيرٍ من طلاب العلوم الإسلامية، والأساتذة الكبار المتخصصين في العلوم العقلية الإسلامية لعدة أمور:

لما اشتمل عليه: من تذليلٍ وتبسيطٍ للمسائل والقضايا الصحيحة، التي احتوى عليها علم المنطق القديم، وعلم المنطق الحديث. ومن بيانٍ لطائفةٍ من أمهات القضايا والمصطلحات الفلسفية الدائرة في كثير من العلوم الإسلامية، والتي تعتبر من الأسس النافعة لضبط المعارف، وليس فيها ما يخالف مفاهيمَ نصوصِ مصادرِ التشريعِ الإسلاميِّ. ومن بيانٍ لطائفةٍ من القواعدِ الأساسية الضابطة للفكر، والنافعة في العلوم، لا سيما العلوم الإسلامية، التي كتب الكثير منها في ضوء ضوابط القضايا الفكرية والمصطلحات التي اشتمل عليها علم المنطق، وفي ضوء بعض المبادئ الفلسفية الصحيحة…”.

انتهى البحث بفضل الله وعونه، والحمد لله رب العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على خاتَمِ الأنبياء والمرسلين.


الفهرست

تمهيد

الوقفة الأولى: وهي وقفةٌ مع تعريف الفلسفة

تعقيبات

التعقيب الأوَّلُ: وفيه تعريف لِكَلمة ”الحكمة“

التعقيب الثاني: تعريف الجرجاني للفلسفة عليه ملاحظات

التعقيب الثالث: إنّ الرغبةَ في معرفة أصل الوجود وغايتِه، ومعرفةِ سبيل الحصول على السعادة الإِنسانية، كانت منتشرةً في جميع الشعوب

الوقفة الثانية: السِّر في اختيار جزيرة العرب لتكون مهْدَ الدين الإسلامي

الوقفة الثالثة: الإسلامُ ليس في حاجة إلى الفلسفة للخوض في الأمور الغيبة

الوقفة الرابعة: الفلسفة ليست بديلاً عن الإسلام؛ لإصلاح النفوس وتهذيب الأخلاق

الوقفة الخامسة: بعض المفاهيم الفلسفية قد تضر العقول الضعيفة

الوقفة السادسة: خطورةُ مَنْ يتعمَّدُ التّحرُّرَ من دِينه وقَطْعَ إسلامِهِ، حتَّى يكون حُرًّا لَحْظَةَ تفْكيرِه الفلسفي

الوقفة السابعة: لماذا منع أميرُ المؤمنين عمرُ بنُ الخطّاب النظر في كتب الفلسفة بعد الاستيلاء على بلاد الفرس؟

الوقفة الثامنة: مواقف أساطين العِلم من الفلسفة والفلاسفة

الوقفة التاسعة: وفيها بيانُ موقف ابن حزم الأندلسي من الفلسفة والفلاسفة

الوقفة العاشرة: وهي وقفة مع بعض الفلاسفة المشهورين في العالم الإسلامي

أوّلاً – مع الفيلسوف الفَارَابِيُّ

ثانياً – مع الفيلسوف ابن سينا

ثالثاً – مع الإمام أبي حامد الغزالي

رابعاً – مع أبي الفتح الشهرستاني صاحب كتاب ”الملل والنحل“

خامساً – مع ابن رشد الحفيد

موقف الدكتور محمد عمارة

موقفُ الفيلسوف طه عبد الرحمن

الوقفة الحادية عشرة: وهي وقفةٌ مع آراء علماء الغرب حول الفرق بين الدين والفلسفة

مناقشة الدكتور محمد عبد الله دراز لهذه الآراء

الوقفة الثانية عشرة: حقيقة الفرق بين الدين والفلسفة

الوقفة الثالثة عشرة: هل الدين يوجب النظر الفلسفي؟

الوقفة الرابعة عشرة: هل التأويل ضروري للتوفيق بين الشريعة والفلسفة؟

الوقفة الخامسة عشرة: التفسير الفلسفي للقرآن الكريم في الميزان الشرعي

الوقفة السادسة عشرة: وهي وقفةٌ مع الأثر (الحكمةُ ضالّةُ المؤمنِ)

الوقفة السابعة عشرة: موقف العلماء من دراسة المنطق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.