المدخل الفلسفي للقيم
بقلم: د. فتحي حسن ملكاوي
ملاحظة: هذه المادة هي جزء من خمسة أجزاء من بحث بعنوان:
“فلسفة القيم في العلوم الإسلامية وآفاقها الحضارية”.
لا نجد حاجةً للتوقّف عند استعمال مصطلح الفلسفة حين ننطلق من مرجعية دينية إسلامية. لإنّنا نعوِّل على أن تقودنا هذه المرجعية إلى شحن المصطلح بما تقتضيه هذه المرجعية من فهمنا لمباحث الفلسفة برؤية قرآنية واضحة عن الله الخالق سبحانه، والإنسان المستخلَف في الأرض التي يعيش عليها، وأشياء الأرض وظواهرها ومواردها المسخّرة لذلك الإنسان، وطبيعة الحياة وأصلها ومصيرها، وغير ذلك مما يتّصل في رأينا بالمبحث الأول من مباحث الفلسفة، وهو مبحث الوجود. والمبحث الثاني من مباحث الفلسفة، وهو مبحث المعرفة، يكفينا فيه أن نُشير إلى أنَّ مرجعيتنا القرآنية تحدّد لنا مصادر المعرفة ووسائلها وطرق اختبارها ومقاصدها بصورة تجعلنا نضع أي فهم آخر في موضعه المناسب. أما المبحث الثالث وهو مبحث القيم، فإنَّنا نجد في نظرية القيم التي نستطيع صياغتها من فهمنا للقرآن الكريم، ما يكفي للتفكر في فروع القيم الثلاثة الحق والخير والجمال، بما يحفظ للإنسان كرامته، ويهذّب مشاعره، ويزكّي سلوكه، ويوجّه سعيه إلى سعادته في الدنيا والآخرة.
وما يمكن أن نصل إليه في أي من المباحث الثلاثة للفلسفة، الوجود والمعرفة والقيم، من خبرات ومرجعيات بشرية أخرى نجدها في الدراسات الفلسفية، هي موضوعات للتحليل النقدي التي قد نجد فيها من الحكمة ما نستفيد منه ويكون جزءاً من معرفتنا الفلسفية، وقد نجد فيها من الأوهام ما نستغني بما عندنا من الحق عنه، وقد نجد فيه من الخطل والخلل ما تقتضي شهادة الأمة المسلمة على الناس تصحيحه وبيان وجه الحق فيه، والإسهام في ترشيد المعرفة البشرية.
ونحن نجد في تراثنا الإسلامي من استعمل مصطلح الفلسفة وحرر مضامينه، فقبل منها ورفض، وناقش علماؤنا بعضهم بعضاً فيما رأوه في الفلسفة من حق وباطل. ومنهم من اكتفى باستعمال مصطلحات أخرى للدلالة على المضامين المعروفة في الفلسفة. وكلٌّ من هؤلاء وأولئك اجتهد لزمانه وأدّى واجب وقته، وتعامل مع المشكلات والقضايا التي وجدها أمامه.
لكنَّ الفلسفة ليست موضوعاً من مواضيع المعرفة البشرية وحسب، وإنِّما هي منهج في البحث والدراسة لغيرها من الموضوعات؛ إذ يستعمل الباحثون مداخل مختلفة في معالجة موضوعات بحوثهم، فثمَّة مدخلٌ تاريخي، ومدخلٌ مفاهيمي، ومدخلٌ تجريبي، ومدخلٌ اجتماعي، ومدخلٌ نفسي، ومدخلٌ فلسفي، وغيرها ذلك. ولكلِّ مدخل منها قيمته وضرورته وَفق هدفه وموضوعه ومنهجه.
والمدخل الفلسفي الذي اخترناه في هذا البحث هو منهجٌ في التفكير في القيم، وهو ينطلق من أنَّ مبحثَ القيم واحدٌ من أهم مباحث الفلسفة، ويدرس مصدر القيم وعلاقته بالذات الإنسانية وقواها العقلية والنفسية، وطبيعة القيم وأهميتها في سعي الإنسان للترقّي في مراتب الكمال البشري. كما يُعنى المدخل الفلسفي بالتحليل النقدي لما نعرفه عن القيم في التعليم الجامعي، ولـِمَا يَلزم أن يُعرف عن هذا الموضوع، والبحث في إجابات الأسئلة التفسيرية التي تُطرح بشأنه.
وقد يكون من المناسب أن نؤكد منذ البداية أننا نُبَرِئ مصطلح الفلسفة مما علق به من دلالات سَلبية؛ مِنْ تَأمُّلٍ لا يستند إلى حقائق، وضرْبٍ في الغيب لا يملك مرجعية، وظنٍّ لا يسعى إلى يقين. كما لا يهمنا في هذا السياق التأريخ للفلاسفة في العالم ومنطلقاتهم الفلسفية. يكفينا أن نعلم أنَّ الفلسفةَ في تاريخها كانت تعبيراً عن مجمل ما اكتسبه البشر من علم ومعرفة في المجالات الطبيعية والاجتماعية والنفسية، وكان الفيلسوف هو ذلك الفرد الذي يحيط بقدر كبير مما كان متاحاً من العلم والمعرفة البشرية من المنطق والرياضيات والطب والفلك والشعر والسياسة والأخلاق والفنّ وغيرها.
ومع تقدم البشرية اتسعت معارف الإنسان في كل فرع من فروع العلم، وتعذّر على الفرد الواحد أن يحيط بجميعها، فعرفنا العالِم بالطب طبيباً وحسب، وعرفنا في حقل الاجتماع علماء متخصصين في علم الاجتماع، وهكذا في علوم الاقتصاد والسياسية وعلم النفس وغيرها. وتواصل التوسّع والتفصيل في كل حقل، حتى أصبح لكلِّ علم فروعه المتعددة. وتميّزَ كلُّ فرع منها باسمه وموضوعاته ومناهجه ومتخصصيه. وبقيت الفلسفة فرعاً من هذه الفروع له اسمه وموضوعاته ومنهجه ومتخصصوه. لكن بعض هذه العلوم أصبحت مدخلاً متميزاً للتفكير في موضوعات العلوم الأخرى ودراستها، فثمة مدخل لغوي، ومدخل اجتماعي، ومدخل نفسي، ومدخل فلسفي… ومن هنا كان اختيارنا للمدخل الفلسفي في التفكير في موضوع القيم.
وثمة طرق مختلفة في تصنيف فروع الفلسفة، لكنَّ جميع الطرق التي نجدها في تصنيف الفلسفة تجعل القيم والأخلاق أحد فروعها الرئيسية، لا سيما عند النظر في تعريف الفلسفة بمباحثها الثلاثة الرئيسية، وهي مبحث الوجود ويتصل بما وراء الطبيعة، ومبحث المعرفة ويعبر عنه بنظرية المعرفة، ومبحث القيم ويتصل بالأخلاق.1
وثمة مسألتان نشير إليهما في هذا المقام، المسألة الأولى: أنَّ التفكيرَ الفلسفي في القيم يقتضي تناول نظرية القيم، وأصل القيم، وتفسيرها، وغايتها، وعقلانيتها، وعلاقتها بالمعرفة وتجلياتها في الفضائل والسلوك الإنساني. والمسألة الثانية: أنّ موضوع فلسفة القيم في سياق هذا البحث ومناسبته يتّصل اتصالاً وثيقاً بموضوع العلم، وفلسفة العلم بوجه عام، وفلسفة العلوم في التعليم الجامعي بوجه خاص. ونظراً للحدود المقرّرة لهذا البحث في هذا السياق، فإننا نكتفي بالإشارة إلى هاتين المسألتين، للتنويه بضرورة الوعي بهما، وبأهميتها إذا أردنا تناول الموضوع بما يستحقه من إحاطة وتفصيل. 2
وإذا كان موضوع الفلسفة اليوم هو حقل اختصاص علمي نجد فيه الكثير من أسماء الفلاسفة ودارسي الفلسفة والكتابات والجمعيات الفلسفية المتخصصة، فإن التفكير الفلسفي بالصورة التي عرضناها أعلاه ليس حكراً على الفلاسفة، فالإنسان العادي خلقه الله مزوداً بالقدرة على التفكير والتأمل والتساؤل والمحاججة. لكنَّ الله سبحانه ينوّه بالإنسان الذي يمارس عملية “التفكُّر”، وهي عمليةٌ تتجاوز مجرد التفكير العادي إلى ما يمكن تسميته بعملية “التفكير في التفكير”، وهو تفكيرٌ متعمّق يتكرّر فيه النظر العقلي والتحليل المنطقي والمحاكمة النقدية، واختبار المعرفة بقدر كبير من الوعي بالهدف من التفكير، وبممارسة مجموعة من مهارات التفكير العليا، والتفكير فيما وراء الإدراك. ولعلّ التفكير الفلسفي بهذه المواصفات يحيل إلى مصطلح “التفكَّر” في الألفاظ القرآنية. فإذا كان التفكير في أي موضوع هو عمليةٌ عقليةٌ ممتدة أفقياً في عناصر الموضوع وعلاقاته بغيره من الموضوعات في الحقول القريبة منه، وَفق ما يتيسَّر من معلومات، تستدعيها ضرورة الإحاطة بالموضوع، فإنَّ التفكُّر هو عملية عقلية ممتدّة كذلك، لكن امتدادها يكون بصورة رأسية أو عمودية تستدعي الدخول إلى صُلْب الموضوع، والتعمُّق فيه، وتحليل ما هو متوافر من معلومات حول كلِّ عنصر من عناصره والكشف عن شبكة التواصل والتكامل فيما بين هذه العناصر. 3
وبصرف النظر عن الأصل اللغوي لكلمة “الفلسفة” وارتباط هذا الأصل بالعلم، أو العقل، أو الحقيقة، أو حب الحكمة، فقد أطلق العرب على الفلسفة لفظ الحكمة، فالفيلسوف هو الحكيم: “فالحكمة: هي المعرفة المُحْكَمة؛ أي الصائبة المجردة عن الخطأ، … ولذلك عرَّفوا الحكمة بأنَّها معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بحسب الطاقة البشرية، بحيث لا تلتبس على صاحبها الحقائق المتشابهة بعضها ببعض، ولا تخطئ في العلل والأسباب. وهي اسم جامع لكل كلام أو علم يراعى فيه إصلاح حال الناس واعتقادهم، إصلاحاً مستمراً لا يتغير.” 4
وربط الكفَوي في “الكليات” بين الحكمة والعلم، فبعد أن أتى على المعاني المختلفة للفظ “الحكمة” في القرآن الكريم عند عدد من المفسرين، ختم بالقول: “وجميع هذه الوجُوه عند التحقيق يرجع إلى العلم. وأكثر أهل العلم على أَن الحِكْمة ليست للعلم المُجَرّد، بل للعلم مع زيادة مبالغَة فيه، أو للعلم مع العمل.” 5
وربط محمد رشيد رضا بين الحكمة والفلسفة فقال: “والحكمةُ هي العلوم النافعة الباعثة على الأعمال الصالحة، وما يُسمى في عُرف شعوب الحضارة بالفلسفة.
6
وربط علّال الفاسي معنى الحكمة بمناهج النظر والفكر التي يمارسها الفلاسفة النظّار، فقال: “وتعليم الحكمة هي الدلالة عليها، … أي أنَّه يزكّي عقلهم، وينمِّي إدراكهم بدلالتهم على طرق الفكر، ومناهج النظر، حتى يصبحوا فلاسفة نُظَّاراً.” 7 “والحكمة إشارة إلى محاسن الشريعة وأسرارها وعللها ومنافعها.” 8
ويتلوَّن المنهج الفلسفي بلون الموضوع الذي يُمارس المنهج في بحثه، فمثلاً المنهج الفلسفي في البحث يعني النظر في الافتراضات التي يقوم عليه البحث حول طبيعة الحقيقة والمعرفة وطرق جمع البيانات البحثية وتحليلها واستعمالها.
والمنهج الفلسفي في الأدب يبحث في المحتوى الأخلاقي للعمل الأدبي عن طريق تقويم العمل في مجمله. والنظر في آثاره المترتبة على الناس.
والتفكير الفلسفي في الاقتصاد يعني النظر في طبيعة الثروة وأسبابها، وقوانين جمعها وتوزيعها، والنظر في الطرق التي تشارك بها القيم الأخلاقية في التفكير الاقتصادي – قيم الرفاهية الإنسانية والعدالة الاجتماعية والأولويات التي تتطلبها الخيارات الاقتصادية.
والمنهج الفلسفي في التعليم يبحث في الفلسفات التربوية والتقويم النقدي لأهداف التعليم ومُثُله العليا، وتحليل طبيعة الإنسان وأساليب اكتسابه للمعرفة، وتصميم المناهج التربوية، وعلاقة التعليم بالمجتمع، وأهدافه في التطور والتقدم.
أمَّا المنهج الفلسفي في التعليم العالي فيتعامل مع أربعة عناصر أساسية؛ أوّلها عنصر المعرفة بوصفها حلقة الوصل بين الذات العارفة وموضوع المعرفة. وثاني هذه العناصر هو الحقيقة المراد الوصول إليها في موضوع المعرفة الذي تقدّمه الجامعات بما تطرحه من أسئلة ومناهج في البحث عن الحقيقة وتمييزها عمَّا يُعدّ من الأوهام والأفكار الضالّة. وثالث هذه العناصر هو المناهج البحثية التي تقوم أساساً على التفكير النقدي في التعامل مع المعرفة والحقيقة على المستوى الأكاديمي المتقدم الذي يناسب التعليم الجامعي، بعيداً عن المؤثرات الإدارية والسياسية للحكومة والمصالح الشخصية للمدرسين أو الطلبة الساعية إلى تحويل التعليم العالي إلى مؤسسات تجارية. أما العنصر الرابع في المنهج الفلسفي للتعليم العالي فيختص بما يتوقع من الجامعات وأساتذتها من الإسهام في تطوير المجتمع المحلي والمجتمع الإنساني عن طريق تعزيز منظومات القيم والمعتقدات، وتقديم المبادرات والتأثير في المناقشات والأحداث، من أجل بناء “ثقافة” النمو والتنمية وروح المشاركة في بناء الحضارة وتقدمها.
فهذه العناصر أو الركائز الأربع تشكّل مجال البحث في فلسفة التعليم العالي، وتتناول الواقع المعاصر لحالة المعرفة وقيم المجتمع الإنساني وثقافته من جهة، وتبني على تراثه، وتستشرف مستقبله من جهة أخرى.
وعلى أساس هذا الفهم ل”فلسفة القيم” سيكون حديثنا عن “القيم في العلوم الإسلامية في مؤسسات التعليم الجامعي” وعن “الآفاق الحضارية لهذه القيم”.
التوثيق
1. زقزوق، محمود حمدي. تمهيد للفلسفة، القاهرة: دار المعارف، ط5، 1994م، ص 60-61.
2. ملكاوي، فتحي حسن. فلسفة القيم وتجلياتها في التعليم الجامعي المعاصر، مجلة الفكر الإسلامي المعاصر، العدد 102ـ خريف 1442هـ/2021م، ص 49- 100.
3. ملكاوي، فتحي حسن. “موضوعات التربية الفكرية: رؤية تكاملية في السياق الحضاري المنشود”، في كتاب: التربية الفكرية في سياق النهوض الحضاري المنشود، تحرير: فتحي حسن ملكاوي، هرندن-فرجينيا، وعمّان- الأردن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 2021م، ص215-257.
4. ابن عاشور، محمد الطاهر. تفسير التحرير والتنوير، تونس: الدار التونسية للنشر 1984م، جزء 14، ص327.
5. الكفَوي، أبو البقاء أيوب بن موسى. الكليات: معجم المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط2، 1998م. ص382.
6. رضا، محمد رشيد. الوحي المحمدي. بيروت: دار الكتب العلمية، 2005م، ص119.
7. الفاسي، علال. مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط5، 1993، ص 77-78.
8. الرازي، فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين الرازي، (توفي606ه). تفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير، أو مفاتيح الغيب. دمشق: دار الفكر، ط1، 1981م، ج9، ص82.