منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سُلطة الشعب

0

الشعب:هو إحدى العناصر المادية أو المقومات السوسيولوجية للدولة، فبدونه يصعب الحديث عن وجود الدولة. أما السلطة فتعني القدرة على فعل الشيء، أو القدرة على الاجبار أو على الإكراه. أما سلطة الشعب فتعني قدرة الشعب على  اتخاذ القرار بشكل مستقل دون أيّ إكراه داخلي أو تدخل خارجي.

لكن السؤال المطروح هو: إلى أي مدى يمكن لسلطة الشعب هاته أن تملك القدرة على اتخاذ القرار؟ وأي قيمة تكون لهذا القرار؟ وهل يكون له حقيقة تأثير في الواقع أم أنه مجرد غبار عابر وجعجعة بلا طحين؟.

إن الشعب هو إحدى الركائز الأساسية لأي نظام سياسي في العالم مهما كان شكله، فهو من يضفي الشرعية عليه، وهو من يجعله يتشبث بمنصبه. فإذا لم يكن الشعب لن تصبح لذلك النظام أي قيمة فعلية في الواقع، وإلاّ فعلى من سيملي أوامره؟ وعلى من سيمارس سيادته؟ وعلى من سيطبق تشريعاته؟ ف

بالرغم من أن بعض الأنظمة تنظر الى الشعوب وكأنها دمى بين أيديها توجهها كيفما تشاء وحيثما تشاء، وتُظهر عليها قوتها وجبروتها، إلا أنها في نفس الوقت تعي تمام الوعي بأن الشعب هو أكبر خطر يهدد مصالحها. فهي موجودة به ومنبثقة عنه.

فالشعب بهذا المعنى مثل حلبة الصراع تظل تحتمل نزال المتصارعين فوقها بقدر ثقل معين، فإذا زاد عن حدّه انهارت، وإذا ما انهارت تنتهي اللعبة وينتهي معها نزال المتصارعين. وهذا هو حال الشعب فإذا قام وانتفض يكون عمل السلطة السياسية قد انتهى وانقضى. فكم من نظام كان يظن أنه لا أحد يمكن أن يزحزحه من مكانه، أو يزعزع أركانه، ولكنه بفضل الإرادة الشعبية تمت تنحيته وإزاحته. ذلك أنه لا يمكن لشيء أن يقف أمام إرادة الجماهير. انظر مثلا إلى معمر القدافي في ليبيا أين هو الآن؟ وحسني مبارك في مصر؟ وشاه إيران قبلهما؟ فلا يمكن لشيء مهما كان يظن أنه قويا أن يقف في طريق الإرادة الشعبية.

إذا نظرنا إلى قرارات الشعب فهي في غالب الأحيان تكون قرارات مصيرية ذات تأثير قوي في النظام السياسي، خصوصا إذا كانت ثقافة المشاركة السياسة منتشرة بين أطيافه ومكوناته، فهي تعزز روح المحاسبة لصانع القرار ومنفذه، وتجعله مُراقبا دائما من قبل الرأي العام وأمام عينيه.

إن سلطة الشعب سلطةٌ لا تعادلها أية قوة مهما كانت، خصوصا إذا كانت سلمية تعتمد في ممارستها على اللاعنف، وعلى خيار المعارضة السياسية البناءة.  فهو البديل الأكثر فعالية  من المعارضة العسكرية. وهذا ما يمكن أن نتعلمه من المقاومة الهندية في زمن غاندي، والتي استطاعت أن تطرد المحتل الإنجليزي من أراضيه عن طريق المقاطعة الاقتصادية كخيار لمقاومة المحتل وإجلائه عن الوطن.

هذا كله يبين أن السلطة الشعبية فعلا لها تأثير قوي وبالغ في النظام السياسي مهما كان شكله، وقد يتجاوز هذا التأثير إلى الممارسة الفعلية. فكما هو معلوم أن العمل السياسي لا يقتصر على من يتخذ القرارات وحسب، بل يتعداه إلى من يؤثر في عمل النظام، لأن هذا الأخير لايمكن ولايستطيع أن يقدم على أي خطوة مهما كانت إلا بعد القيام بدراسة حولها وحول ردود فعل الرأي العام بجص نبضه.

وأما فيما يخص مطالب الشعب، فهي غالبا ما تتحقق، حتى وإن طال الزمن أو قصر. فهو لا يكترث بما يدفعه من ثمن مقابل ذلك. فهو يعلم يقينا أن طريق الحرية صعب وشائك، ويستلزم الصبر والنفس الطويل. لكن بحسن التخطيط والتسيير والتنظيم والتدبير سيصل إلى كل شيء مهما كان بعيدا. وهنا يجب أن تعي الجماهير الشعبية أهمية وجودها الوازن، ومدى تأثيرها القوي في العمل السياسي.

فإذن نخلص في الأخير إلى أن سلطة الشعب هي سلطة تعلو فوق جميع السلط التقليدية الثلاث، وفي نفس الوقت تخضع لها. وتستمر السلطة الشعبية في الخضوع للسلطة التقليدية مادام أن الأخيرة قائمة بعملها على أكمل وجه وفي أحسن الظروف. فبمجرد خروجها عن طريق السكة تقوم الأولى بإرسال الرسائل الرمزية للثانية، فإذا ما راجعت أخطاءها تعود المياه إلى مجاريها، أما إذا تمادت السلطة التقليدية في طريقها بعدم القيام بوظيفتها،  تستمر السلطة الشعبية  في إرسال رسائلها الرمزية حتى ينفذ صبرها. وهنا وفي هذه اللحظة لا تلام سلطة الشعب على مواقفها الصارمة، وعلى قرارها الحازم، بل وجب الحذر منها والاستسلام لها في الحين من دون قيد أو شرط، فحينذاك تكون كالطوفان الجارف. وما على النظام السياسي أو السلطة السياسية إلا أن تشدّ الحزام بشدة، فقد بانت عورتها عن حقيقتها، وانتهى نظامها إلى زوال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.