منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الخطابات الحماسية في ظل الأزمات الراهنة (هُتَافٌ كَلَهْبَةِ التِّبْنِ)

سعد أفوغال

0

الخطابات الحماسية في ظل الأزمات الراهنة

(هُتَافٌ كَلَهْبَةِ التِّبْنِ)

بقلم: سعد أفوغال

باحث في قضايا الفكر الإسلامي

   ” تريد أن تلتحق بك الجماهير وتلتف وتقاتل من دونك؟ أين أنت من قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾؟ آمنوا وعملوا الصالحات إخلاصا لوجهه سبحانه لا شركا سياسيا نفاقيا لتحصيل ولاء الناس. وما يُحصل بالمظاهر النفاقية، إن حصلت، إلا’’  هُتَافٌ كَلَهْبَةِ التِّبْنِ’’ لا تلبث أن تنطفئ. وأنت لا بد لك من جماهير تصدق معك الكرة “[1].

   عبارة’’ هُتَافٌ كَلَهْبَةِ التِّبْنِ ’’ مستعارة من كلام الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، في سياق حديثه عن’’الطليعة القدوة’’ وما ينتظر جند الله عز وجل داخل معمعة الصراع الإسلامي السياسي. إن عبارة “هتاف كلهبة التبن” تشكل صورة بيانية بليغة لوصف نوع معين من الحماس. واستحضار “لهبة التبن” تشبيه بديع لسرعة الاشتعال التي يحدثها اللهب في التبن، وما تلبث هذه اللهبة أن تخمد بسرعة فائقة وتتحول إلى رماد. كما أن العبارة تحمل إشارات في غاية الأهمية، من قبيل: سرعة الانفعال، ردود الأفعال الشعبانية[2]، الحركات غير المنظمة والسطحية … وبالجملة أي حماس خادع يضيء الدنيا صخباً في البداية ويفتقد إلى الوقود الذي يجعله يستمر، فينتهي بالصمت والرماد.

   ماذا لدينا الآن؟

   لو عكسنا العبارة المستعارة حول مجريات ومستجدات الأحداث الماضية والحالية في الشرق الأوسط، فالمفارقة أن قراءة بعض المحللين للأحداث والتعاطي الكلامي والتهديدات المتبادلة وإطلاق الشعارات المختزلة كلها حماسة تشبه “لهبة التبن” وهتاف تحليلي يبحث عن الإثارة في بركةٍ واقعها العسكري والسياسي يُدار ببرود شديد.

  من جهة ثانية، يشكل التراكم المعرفي و”لهب التخمة” المسجلة من التقارير الاستخباراتية ومراكز البحث والتقارير الإعلامية في الحروب السابقة اغترارًا بإنتاج رؤية أكثر وضوحًا. والحقيقة والأصل أنها ساهمت في كثير من الأحيان في تعقيد الفهم وإرباك القرار! فكلما حدثت أزمة، مثلاً ضربة عسكرية أو توتر في الممرات البحرية، اشتعلت التقارير والتحليلات بحماس منقطع النظير. وبمجرد رفع أو انتهاء الأزمة يُكتشف أن آلاف الصفحات في التقارير لم تلامس جوهر الإنسان في المنطقة، بل كانت مجرد هتاف… “هتاف كلهبة التبن”.

   هذا وإن الأخطر في تراكم المعرفة ليس أنها كثيرة، بل قد تمنح الشخص أو الطرف الذي يعمل عليها ثقة زائفة بسيناريوهات الحسم السريع.

   إننا نعيش عصر “المعرفة العمياء”، حيث يحاصر صانع القرار نفسه بأسوار من الورق ظانًّا أنها حصون تحميه من المفاجآت، بينما هي في الحقيقة تبن ينتظر أول شرارة واقعية ليكتشف أنه كان يرى ضوءًا لا يُدفئ، ويسمع ضجيجًا لا يُحرر.

   إن غياب القراءة المتأنية يُحوّل المعلومات المتراكمة والخطابات الحماسية إلى مجرد “تبن معرفي” سهل التداول لكنه يفتقر إلى الجوهر السترجي[3]. فالمعرفة التي لا تُراجع ولا تُنتقد تتحول إلى مادة سريعة الاشتعال، تُنتج ضجيجًا وضوءًا يُبهر الناظرين للوهلة الأولى، لكنه يعجز عن الصمود أو التأثير.


[1] حوار مع الفُضلاء الديمقراطيين، عبد السلام ياسين، الطبعة الاولى، سنة 1994، الدار البيضاء، ص.12

[2] الشعبانية في مُقابل اللفظ الفرنسي Le Populisme ولا نعتمد على الاستعمال الشائع «شعبوية» في مقابل اللفظ الأجنبي  Populisme/Populism أخذا بالقاعدة القائلة: “أن كل لفظ جاز النسب إليه بلاحقة «ـيُّ/ـيّةٌ» مثل: (شعب-شعبي/شعبية) لا يعود جائزا النسب إليه بلاحقة «ـويّ/ـويّةٌ»، وإنما فقط بلاحقة المبالغة «ــاني/ــانية». لمزيد من البيان، يراجع: بعيدا عن العلمانية والإسلامانية، روح الإسلام  ومقتضيات الدولة الراشدة، عبد الجليل الگور، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، سنة2017، ص22-23.

[3] هكذا ينبغي أن تكتب بدل اللفظ الشائع: «استراتيجية»، هذا الأخير لا يكاد يستوي على أي صيغة مستعملة في اللسان العربي، فضلا عما يحملهُ نُطقه المُفَخّم من تهويل. وبهذا نفضل استعمال فعل “سَترجَ” واسم فاعله “مُسترِج” واسم مفعوله “مُسترَج”. و «سَترَجة» مقابلها الأجنبي هو: Strategy.  لمزيد من البيان، يراجع: ملحمة انتقاض اللسان العربي، لسانُ العرب القَلِق، عبد الجليل الگور، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، سنة2013م، ص141، هامش2.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.