الجامود الفلسطيني… أرواح متخشبة في زمن الانتظار
د. نظمية فخري حجازي
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه الأزمات، يقف الفلسطيني وكأنه في مسرحٍ تجمدت مشاهده، لا تتغير إلا لتعيد إنتاج الألم ذاته. لم يعد الجمود مجرد وصف لحالة نفسية عصبية تُعرف في الطب بالكتاتونيا، بل أصبح استعارة لواقعٍ جماعي أصاب الروح قبل الجسد، وأدخل شعباً بأكمله في دائرة من الانتظار الطويل والتجمد الروحي.
الكتاتونيا في الطب النفسي تعني أن الجسد يتوقف عن الحركة، وأن الروح تنسحب إلى الداخل تاركة المريض في وضعية ثابتة لا يغيرها الزمن. وفي فلسطين، لم يعد الجمود حالة فردية، بل أصبح حالة جماعية، حيث تتجمد الأحلام في مكانها، وتبقى الأرواح معلّقة بين الأمل والخوف، وكأن الزمن توقف عند لحظة لا تنتهي.
كما يبقى المريض في وضعية واحدة، يظل الفلسطينيون في وضعية سياسية لا تتغير: مرة ينتظرون نهاية حرب غزة، ومرة يترقبون انفراجاً إقليمياً بين أمريكيا و إيران ولبنان، ومرة يعلقون آمالهم على مبادرات دولية. لكن المسرح يبقى كما هو، والجمهور يزداد إنهاكاً، والستارة لا تُسدل أبداً. هذا الجمود السياسي ينعكس على كل تفاصيل الحياة، فيحوّل الانتظار إلى حالة دائمة من العجز عن الحركة نحو المستقبل.
الاقتصاد بدوره يعيش حالة من التخشب الشمعي؛ يبقى في الوضعية التي فُرضت عليه، حتى لو كانت مؤلمة. بلا نمو ولا انفتاح، محاصر بالقيود، وكأن الفلسطينيين عالقون في قيدٍ اقتصادي يرهق الأجيال ويُقيد أحلامهم، فلا حركة ولا انطلاق، فقط بقاء في وضعية خانقة.
أما الصمت، فهو الوجه الأكثر قسوة للجامود ، وفي فلسطين أصبح لغةً جماعية. أصوات تُكمم، أحلام تُؤجل، وقلوب تتجمد لأنها لم تعد ترى جدوى من الكلام. إنها حالة من “التجمد الروحي”، حيث لا يعود الإنسان قادراً على الصراخ أو حتى على الحلم، فيختار الصمت كآلية بقاء.
لكن الألم لا يقف عند حدود الصمت؛ فهناك من طُرد من بيته، ومن فقد أرضه، ومن حمل أطفاله على كتفيه باحثاً عن مأوى مؤقت. البيوت التي كانت مأوى الروح تحولت إلى أطلال، والجدران التي كانت تحتضن الضحكات تحولت إلى أنقاض، والذكريات التي كانت تُغذي الأمل تحولت إلى جرح مفتوح. الأمهات المكلومات يجررن أطفالهن بين المخيمات، والآباء المقهورون يحملون مفاتيح بيوتٍ لم تعد موجودة، كأنهم يحملون رماداً في جيوبهم. هذا الطرد القسري ليس مجرد فقدان للمكان، بل هو اقتلاع للروح من جذورها، وإضافة طبقة جديدة من الجمود على قلوب الناس.
وبين السلبية والهياج، تتأرجح الأرواح. كما يقاوم المريض الأوامر بلا سبب، يقاوم الفلسطينيون الحلول المفروضة، لكنهم في الوقت ذاته عالقون في دائرة الانتظار السلبي. وحين ينفجر الغضب، يظهر الهياج في شكل انتفاضات واحتجاجات، لكنها كثيراً ما تُستهلك وتعود بنا إلى الجمود من جديد، وكأننا ندور في دائرة مغلقة لا مخرج منها.
نحن بحاجة إلى علاج روحي–سياسي يعيد لنا الحركة. كما أن المريض لا يُشفى بالصبر وحده، كذلك الشعب لا يخرج من الجمود بالانتظار. نحن بحاجة إلى حرية وعدالة وحق تقرير المصير، حتى تذوب طبقات الجمود، وتعود الأرواح إلى الحركة، ويستعيد الفلسطينيون قدرتهم على الحلم من جديد.
أيها العالم، إن الجمود الذي أصاب الفلسطينيين ليس قدراً أبدياً، بل نتيجة حصارٍ طويل وظلمٍ متواصل. أرواحنا تجمدت لأن الأفق أُغلق، وقلوبنا نزفت لأن البيوت هُدمت والأهل شُردوا. أمهاتنا يجررن أطفالهن بين المخيمات، وآباؤنا يحملون مفاتيح بيوتٍ لم تعد قائمة، كأنهم يحملون ذاكرةً من رماد. نداءنا إليكم أن تنظروا إلينا لا كأرقام في نشرات الأخبار، بل كأرواح تبحث عن الحرية، وكأحلام تنتظر أن تُروى لتزهر من جديد. إن كسر هذا الجمود مسؤولية إنسانية جماعية، تبدأ بالاعتراف بحقنا في الحياة، وتنتهي بفتح أبواب العدالة والكرامة أمام شعبٍ يستحق أن يتحرك، أن يتنفس، وأن يحلم بلا قيود.