منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فلسطين بعيون الشعراء (قصيدة)

فلسطين بعيون الشعراء (قصيدة)/ ابو علي الصبيح

0

فلسطين بعيون الشعراء (قصيدة)

ابو علي الصبيح
___

____
أودعتُ في الليل سرا لا يُطارُ له
على جناح ولا يُسعى على قدمِ
ولا اشرأبت له الأعناقُ آملةً
ولم يباشرْهُ حلّاجٌ على هممِ
____

قالوا: ارْتَقِبْ
والصَّوْتُ في حُمّى الأصابِعِ مُلْتَهِبْ

وَرَسائِلُ الفُقَراءِ يَحْرِقُ
جَمْرَ نَشْوَتِها الغَضَبْ

مَنْ يُوقِفُ النَّزْفَ المُسافِرَ
في المَدامِعِ والمَخادِعِ واللُّعَبْ ؟

مَنْ يَشْتَري صَوْت النَّشازِ
على الجَوامِعِ والصَّوامِعِ والقُبَبْ ؟

مَنْ يَمْنَحُ العَرّابَ إذْناً
كَي يُغادِرَ مَوْتَنا
أو يَسْتَفِزّ الخَوْفَ فينا
كَي نُشَيِّعَ صَمْتَنا فَوْقَ المَدارِجِ والمَخارِجِ
بَيْنَ أقْبِيَةِ الصَّخَبْ

مَنْ يُوقِفُ الزَّحْفَ الأخيرَ لِعَرْشِنا
والماءُ يَرْسمُ مِن هَياكِلِنا الصِّغارِ
هُناك أثْوابَ القَصَبْ

نَدعو الإمارَةَ والسّفارَةَ والحَضارَةَ
والبَداوةَ حينَ يَجْمَعُها الطَّرَبْ
أنْ تُوقِفَ الرّيحَ الخَبيثَةَ
عَن جُنودِ الرّوم في أرْضِ العَرَبْ

أو أنْ يَفُكَّ النَّمْلُ أضْلاعَ الحِصارِ
عن المَدينَةِ والسَّفينَةِ والنَّقَبْ

كَي يَعْزُفَ الفُقَراءُ والغُرَباءُ
عن جَمْعِ القُمامَة والنَّدامَة
في المَطاعِمِ والفَنادِقِ والحَدائِقِ
خَلْفَ أسْوارِ السَّغَبْ

أدْري سَيَمْنَحكَ الغَبِيُّ رِياءَهُ
هذا الذي مُذْ خَلْقِ آدَمَ
أجّرَ العَقْلَ الرَّخيصَ
عَلى المَنافِذِ
للقَنافِذِ والدُّبَبْ

واخْتارَ من بينِ الأنامِ التّافِهينَ إلهَهُ
بِيَدَيْهِ يُطْعِمُهُ الوَلاءَ أو البَراءَ
بِلا حَياءَ
لِيَسْتَفِزَّ لأجْلِهِ النَّخْلَ الكَريمَ
لِكَي يُثيرَ على مَوائِدِهِ الرّطَبْ

أدْري سَيَسْعى
نَحْوَكَ الخَتْمُ المُذيبُ شُموعَهُ
عندَ المَداخِلِ
خَلْفَ أسْرارِ المَناخِلِ
حيثُ تَزْدَحِمُ
المَواكِبُ بِالأميرِ وبِالسَّفيرِ وَبِالرُّتَبْ

يا أيُّها المَخْلوقُ مِن
طينٍ وَماءٍ واحِدٍ
لا تَفْرش السّجادَةَ الحَمْراءَ
لِلْآتينَ مِن خَلْفِ التُّرَبْ

لِتَنامَ فَوْقَ حَصيرَةٍ
وعَلى شِتائِكَ وَحْدَها
تُنْسيكَ بَرْدَ الله أوْراقُ العِنَبْ

سَرَقوا دُموعَكَ
عِند أبْوابِ الدُّعاءِ
وَساوَموكَ
وَما تَزالُ على مَجامِرِهِمْ حَطَبْ

فإلى مَتى
والقَيْدُ يَأسِرُ عَقْلَكَ المُصْغي
لأعْرافِ القَبيلَةِ والنَّسَبْ

وإلى مَتى
تُلقي سِلالَ الجَمْرِ
في وَضَحِ النَّهار المُسْتَبِدّ بِشَمْسِهِ
تَدْعو لِشَوّال المُسافِر في الكَواكِبِ
أنْ يُتِمَّ هِلالَهُ
لِتَظَلَّ أفواهُ الجِياعِ
بِكُلِّ مُنْعَطَفٍ
تُتَمْتِمُ يا رَجَبْ

وإلى مَتى
بابُ اصْطِبارِكَ مُغْلَقٌ
إلّا بِوَجْهِ القادِمينَ
مِن المَرافي والمَنافي
مَنْ تَصاغَرَ عِند فَكَّيْهِ اللَّقَبْ
الشارعُ الذي أعبرُه كلَّ يومٍ
الأشياءُ التي مزَّقتْها الريحُ
الأمُّ التي تزرعُ كِسْرةَ خبْزٍ في المنامْ
الضبابُ الذي يُخَبِّئُني من يقظةِ الذئابْ
والطفلُ الهاربُ منِّي
يُطلقُ رصاصَتَه الأُولَى
ليقتلَ آخرَ الخطواتِ
في رحلةِ امرأةٍ تغالبُ الغيابْ…
صَوْتُ اُلْأذَانِ
وَصَوْتُ بَائِعَةِ اُلْخُبْزِ
أَيُّهُمَا اُلْأَسْبَقُ إِلَى أُذْنِي
كَيْ أُنْشِدَ فِي حَضْرَةِ ألمساء صَلاَتِي …

تِلْكَ اُلْغِوَايِةُ اُلرِّوَايَةُ
تَشَّابَهُ عَلَيْنَا اُلْحِكَايَةُ
أَوْ قُلْ هِيَ :
اُلتَّغْرِيبَةُ اُلْمَحْبُوسَةُ فِي آخِرِ اُلطَّرِيقِ
وَفِي أَنْفَاسِ عَاشِق مُوسِيقَى فْلاَمِنْكُو
عَلَى صَدْرِ لُورْكَا اُلْحَزِينِ
حِينَ مَدَّ لِحَبِيبَتِهِ اُلْغَجَرِيَّةِ
أَلْفَ حِكَايَةٍ عَنِ اُلْمَسِيرِ …

أََيَّتُهَا اُلْمَنْسِيَّةُ هُنَاكَ
أَوْ هُنَا …
كُلَّمَا أَسْرَعْتُ اُلْخُطَى
يَمْحُو اُلْوُضُوءُ وُضُوئِي
لِأَقْمِشَ فِي عَيْنَيْكِ
رَكْعَةَ خُبْزٍ
حَتَّى إِِذَا وَضَعْتُ يَدِي فِي يَدِكِ
طُفْنَا فِي اُلرَّحَى
نَطْحَنُ مَا فِي اُلْجَسَد
وَنَعُودُ عِنْدَ آخِرِ اُلنَّهَارِ نَحْمِلُ لَيْلَنَا
نَبْحَثُ طَوِيلاً عَنْ عُمَرَ فِي جُمْلَتَيْنِ …
فَلَفَظْنَا لَفْظَيْنِ:
أُرِيدُ خُبْزاً وَكَأْسَ حليب …
فَآمَنَّا بِرَبِّ جَائِعَةٍ
قَتَلَتْ طِفْلَهَا اُلْوَحِيدْ
وَاُخْتَفَتْ فِي اُلرِّيحِ
تَنْسُجُ فِي اُلْأَحْشَاءِ غَيْمَتَهَا
لِتُمَشِّطَ ضَفَائِرَ اُلسَّمَاءِ
فِي أَعْتَابِ اُلْأَمِيرَةِ…

قَبْلَ اُلْفَجْرِ اُلْأَوَّلِ
قُلْتِ :قُمْ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اُلأَقْرَبِينَ ..
فَسَقَطْتِ تُصَلِّينَ
تَبْعَثِينَ فِي اُلطَّابُورِ حِكَايَةَ حُلْمٍ
كَيْفَ كَانَ اُلْحَمْلُ
كَيْفَ يَجِيءُ اُلْمَخَاضُ
وَكَيْفَ تَزْرَعِينَ فِي اُلصَّدْرِ لِبَاناً
لِجَائِعٍ سَيَأْتِي
أَوْ سَارِقٍ يَكْتُبُ فِي صَلاَتِهِ
رَكْعَتَهُ اُلْأَخِيرَةَ …

تِلْكَ اُلتَّغْرِيبَةُ اُلْمَحْبُوسَةُ
هُنَاكَ …
غَيَّرَتْ وِجْهَتَهَا
لاَ قِنْدِيلَ يُنِيرُ دَمْعَ اُلْخُطْوَاتِ…
وَلَا مِنْدِيلَ يُمَسِّحُ أَثَرَ اُلْغَزَوَاتِ
غُرَبَاءَ نَحْنُ… يَا نَحْنُ
أَحْرَاشُ اُلصَّحْرَاءِ أَيْضاً
نَأْكُلُ اُلْمُرَّ مَعاً
نَجْتَرِحُ عَطَشَ اُلرَّمْلِ
فَهَلْ كُنَّا نَشْرَبُ تَلاَبِيبَ اُلْبَرِيقِ …؟

فَبأَيِّ عَيْنٍ أَرَانِي
وَقَدْ سَقَطَتْ عَنْ هُدْبِهَا اُلْمَعَانِي
تُوَزِّعُ دَهْشَةَ اُلْغُرَبَاءِ
وَمَا تَبَقَّى مِنْ آخِرِ اُلتَّنْهِيدَةِ .

فَيَا أَيَّتُهَا اُلنَّفْسُ اُرْجِعِي
انْفِخِي فِي اُلتُّرَابِ
وَخُذِي اُلنَّايَ
جَفَانِي اُلْهَوَاءُ
وَبِعْتُ صَدْرِي بِطَلْقَةٍ فِي اُلفُؤَادِ
كَيْ أَمْحُو سُلاَلَتِي
رُبَّمَا سَأَخْتَبِرُ آيَاتِ اُلْقِيَامَةِ
عَارِياً مِنْ سَرَابْ …
غُرَبَاء نَحْنُ… يَا نَحْنُ
سَأَغْسِلُ باُلْكَلِمَاتِ مَجَازَاتِي
وَأَمْنَحُ حُرَّاسَ اُلاِسْتِعَارَةِ كُلَّ آيَاتِي
قَدْ تَنَامُونَ بِضْعَ هَزيعٍ
قَبْلَ أَنْ تَدُبَّ عُرُوشُ اُلشَّجَرَاتِ
فَتَكْبُرَ كَأَوَّلِ اُلْفَرَحِ
وَتَمُوتَ فِي مَحَطَّةِ اُلْفُقَرَاءِ
صَفْرَاءَ فِي وَرَقاتِ اُلنَّشِيدْ
تُرَاوِدُ الرِّيحِ تَأْتِي
وَتَعُودُ لِتَمْسَحَ اُلرُّفَاتَ عَنِ اُلْخَرَابْ…
تُغَنِّي :
أَيَّتُهَا اُلتَّغْرِيبَةُ
اُقْتُلِيني بِطَلْقَةٍ ثَانِيَةٍ
كَيْ أَنْفُخَ اُلرُّوحَ في اُلتُّرَابْ …
وإلى مَتى
تُلْقي انْكِسارَكَ
في جُيوبِ الغائِبينَ عن الرَّدى
وَسَماءُ عَيْنَيْكَ الفَضاءاتُ المَليْئَةُ
بِالنُّجومِ وَبِالذَّهَبْ
مِنْ تَعَبٍ تنْتَشِي
شَاعراً يَقْتَفِي أثرَ المُسْتَبَاحْ
تُمَرْمِدُ في جَسَدِ النّايِ
خَيبتَهُ
واللُّحونُ بألفِ صياحْ
تقول أمَا للهوى أن يُقيمَ جنازتَهُ
كَيْ يُعانقَ دربَ التَّمَنِّي …
رُبّ الّذي شَنقَ المَوتَ يَدْري
” بأنك كنت تطارد خيط دخان”
فلا تمتحنْ تعبَ العائدينَ من الصحوِ
ولا تجئْنِي بخاتمِ حلمِك
قبل الرحيلِ
لأعبرَ فيك المسافاتِ ذكْرَى
ونَمْ في سريرِ المجازِ عَنِيداً
تَدثّرْ رسالةَ عاشقةٍ
تَعتلي ليلةَ الذَّارياتِ
بِحُمّى قصيدٍ تراقصَ نوراً
وناراً تُذَكِّرُهَا بِجنُونِ الرِّياحْ…

وإلى مَتى
تَبْكي لأجْلِ ثَرائِهِمْ
وَتخيطُ مِن غَزْلِ السَّحابِ ثِيابَهُمْ
وعلى جَبينِكَ
تَعْصِرُ اللَّيمونَ
مِن بابِ الصَّلاة على الحَياةِ
وَسُنَّةٍ فيها دُعاؤكَ مُضْطَرِبْ

إملأ فَراغَكَ بِاليَقينِ وَبِالهُدى
واتْرُكْ لِأصْنامٍ صَنَعْتَ وُجودَها
دَرْباً تُغادِرُ سِجْنَها

عَلِّقْ فُؤوسَكَ في رِقابِ هَواجِسٍ
جَعَلَتْكَ عَبْداً صاغِراً
لا تَخْشَ ناراً حينَ يَحْمَرُّ اللَّهَبْ
يَا لأَنَاكْ
مُعذَّبٌ في جسَدِ التّرابْ
تركتَ النخل وحيداً
وقضمتَ أذنابَ القطَاراتِ
ساعةٌ واحدةٌ لا تَكْفِي الاِنتظارْ
وتكْتَكَاتُ مِعصَمَيكَ دليلٌ على بُعْدِ المَسَافاتِ
بينَ القلبِ وعرَقِ الجبينِ ألفُ حكايةٍ
يا أنَاكَ المعطَّلُ في اختيارِ شخوصِ الرّمايةِ
كلّما رمَاك سهمٌ
قذفْتَ الجرحَ فيكَ
وقلتَ لله ما أقساكَ
جَرّبْتَ الصّلاةَ قُربَ صَراصِيرِ اللّيْلِ
ربما أخذتكَ دهشةُ الكلامِ
كي تتعلمَ أسرارَ الكونِ
تقولُ بيْني وبينَ الجُحْرِ مسافَةُ عُمْرٍ
وخنتَ كاهنةَ الماءِ
وهْي تستَجمعُ شَعْركَ مِنْ جنُوبِ الرُّوحِ
تتدلَّى كيْ تُسْمعكَ صوتَ النَّارِ
تُلْهبُ سعْفاتِ شَجْرةٍ تخَلّتْ عَنْ وجْهِها للرِّيحِ
والريحُ جنوبيةٌ ترسمُ لوحةَ أمّ
هي أمُّكَ التي لم يُمهلْها الإطَارُ
فضَمَّتكَ بالغيَابِ
تركتْ وراءَها قصيدةَ شعرٍ
تلْكَ أنتَ
حيرةُ مجنونٍ ترَدَّدَ أن يكونَ
فلَمْ يَغتسلْ
لأنّه هُوَ الماءُ
يتحَلَّبُ في الرِّمَالِ
ويقْصدُ بابَ الريح …
يشُقُّ مزمارَهُ بالنّفخِ باكراً
لِيُوقظَ الطير َ
في آخرِ سطرِ القصيدةْ
ليكتب عنوانها
فلسطين بعيون الشعراء؟؟

___

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.