فلسطينُ المجد (قصيدة)
فلسطينُ المجد (قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح
فلسطينُ المجد (قصيدة)
أبو علي الصُّبَيْح
لأنّكِ من سماءِ المجدِ دانِ
يُشارُ إليكِ دومًا بالبَنانِ
إذا قيلتْ “فلسطينُ” استبانتْ
على وجهِ البريّةِ فيضُ شانِ
بلادٌ قد تباهتْ بالجنانِ
وعزّتْ عن مكائدِ كلّ خوانِ
رُباكِ النخلُ يعلو في شموخٍ
كأنّ جذوعَهُ نارُ الطِّعانِ
ووجهُ القدسِ يزهو في عُلاكِ
كأنّ النورَ من عَيْنَيْكِ دانِ
على جدرانِكِ التاريخُ يُتلى
وتُكتبُ في ثراكِ قصيدةُ الزمانِ
سكنتِ القلبَ مذ كانتْ صِباهُ
ولم تبرحيهِ يا دارَ الأمانِ
على أبوابِكِ الأحرارُ صالوا
كأُسْدٍ لا تُروَّعُ في الرِّهانِ
رمى فيكِ العِدى نَبلَ الخداعِ
فما زادوا البطولةَ إلا بيانِ
توضّأتِ الدماءُ على ثراكِ
وأنبتَ جرحُكِ الزهرَ القُرانِ
ومنكِ تَفوحُ رائحةُ الثواري
كأنّ الريحَ تبكي في الجِنانِ
سلامٌ فيكِ يا أرضَ المعالي
وعطرُكِ في المدى مسكُ العِنانِ
بكِ الأقصى يُنادينا بدمعٍ
تجاوبُهُ المآذنُ بالأذانِ
إذا ما صاحَ فيكِ الطفلُ يومًا
تردّ الأرضُ: “لبّيكَ الأمانِ!”
يُصلّي فيكِ زيتونٌ وأرضٌ
وفي عينيكِ أسرارُ المكانِ
وفي دمِ كلِّ حرٍّ من فِداكِ
تُضيءُ نجومُ عزمٍ لا تُدانِ
كأنّكِ من بقايا الأنبياءِ
ومن رُوحِ الهدى خيرُ البيانِ
أيا مهدَ الرسالاتِ استقيمي
ففيكِ الوعدُ يجري كالحنانِ
وليس لغيرِ دربِكِ أن نُسامي
ولا غيرَ الهوى فيكِ الأماني
إذا ما قالَ خصمُكِ: لن تراها
أجابتْهُ السيوفُ على اللسانِ
وإن طالتْ يدُ الليلِ احتلالًا
فصبحُكِ قادمٌ رغمَ الطُّغَانِ
تهونُ الروحُ إن عزّ اللقاءُ
ولا تهوي الكرامةُ في الهوانِ
فلسطينُ العلا والمجدِ تمشي
وفي كفّيْكِ تاجُ الخالدينِ
لأجلكِ تُورقُ الدنيا رجاءً
ويُزهرُ في فؤادِ العاشقينِ
هنا جيلٌ تعمّدَ بالرصاصِ
وأقسمَ أن يعيشَ بلا توانِ
على الأعتابِ أرواحٌ تُناجي
وتسكنُ في دموعِ المؤمنينِ
يُنادونَ المدى: “هيّا اصحَبيها
ففي عينيكِ تختصرُ الزمانِ”
فلسطينُ التي سجدَتْ لها
قوافي الشعرِ من شوقٍ كَمانِ
أناجيها فترجعُ بي طفولًا
كأنّي لم أفارقْها بثانِ
على الأفقِ انكساراتٌ وسيفٌ
وفي الكفِّ الرجاءُ مع الإيمانِ
تقولُ: “أنا التي لم تُسقَ قهرًا
ولا نامتْ عُروبيًّا دهانِ”
تُقاومُ كلَّ محتلٍّ بعزمٍ
وتسخرُ من تهكّمِ كلّ جانِ
إذا ما ضجّتِ الدنيا بظلمٍ
فأنتِ العدلُ في وجهِ الطُّغَيانِ
تُنادينَ المدى: “هيّا اصحَبيهم
على دربِ البطولةِ والتفانِ”
هنا غزّةُ، هنا بيتُ الفدائي
هنا القدسُ المكلَّلةُ العِنانِ
هنا أبطالُ شعبٍ لا يلينُ
هنا التاريخُ مكتوبٌ بآنِ
هنا الخنساءُ تبكي ثمّ تمضي
وتضحكُ بعدَ دمعٍ في أمانِ
هنا طفلٌ يُواجهُ دبّابةً
ويرميها بحجرٍ من حنانِ
هنا مَن علّمَ الدنيا صمودًا
وصاغَ منَ الرمادِ لنا جَنانِ
فلسطينُ الحبيبةُ، يا نشيدًا
على شَفَةِ الزمانِ بلا لسانِ
سنبقى فيكِ ما بقيتْ حياةٌ
وما سطّرْتِ فينا من بيانِ
على مرِّ العصورِ سنستعيدُكِ
ولو في الحلمِ، أو في الوردِ دانِ
تنامينَ على قلبي رجاءً
وتصحينَ على وهجِ الأذانِ
وإنْ متُّ، ادفنوني في ثراكِ
فذاكَ الفخرُ من بعدِ الكفانِ
سأُوصي الريحَ أن تبقى تؤازرْ
ثرى الأحرارِ في صمتِ الجِنانِ
وسأهتفُ باسمكِ العليا دواليًا
كما يهفو المحبُّ إلى الأمانِ
سلامٌ يا فلسطينُ المعالي
ومجدٌ لا يُضاهى في الزمانِ
—