فلسطين (قصيدة)
بقلم: أبو علي الصُّبَيْح
يتآكلُ الذَّهبُ
ويبقى قلبُكِ ككتابٍ مقدّسْ.!
مِنْ قلبِ الوردةِ
سانتزعُ قصيدتي اليتيمةَ
وأُطلقُها لحريتي المُعتقلةِ
في صوامعِ الرّيحِ
فقد سئمتُ ذروةَ الوجودِ المعاقّ.!
فلسطين :
يا أٍّسَّ الشَّهادةِ
يا دُملُقَ الخيْراتِ
يا نهرَ القصائدِ
يا بَركاتِ الغضبْ
كوني هادئةً أَيَّتُها العاصفةُ
كي أُلملِمَ ما تناثرَ من حياتي
قبلَ مجيئكِ.!
تلمحُني أَزهارُ الموتَى عَنوةً
في حياتي معَ النُّباحِ
وأَنا أَدلفُ باِرتعاشيَ الكثيفِ
نحوَ هُدوءِ المقبرةِ على اِستِحياءٍ
تمنحُني شذى هُدنةٍ عابرةٍ
معَ الحياةِ اليتيمةِ
ريثما أبيعُ ما بقِيَ بمعطفي من مُدَّخراتٍ
وأَوراقِ الحزنِ الرَّابضِ في جبينيَ
وبعضِ قصائدِي الجريحةِ وهالةِ الأَشواقِ
التي تحتسي باِشتياقٍ منابتَ العُزلةِ
معي دائماً.!
قدمي تؤلِمُني في جُنونِ المفازةِ الصَّامتَةِ
وجبيني أَمامَ قِراءَتِها
يقطُرُ عرَقاً مغشوشاً
في مُداخلاَتِ الحُروفِ.!
وحدي ولا سِوايَ أُدخِّنُ غليونَها
تلكَ التي تركتْني بلا نارٍ
وتجلَّتْ وحدَها في رمادِ الحرائقْ.!
وحدي ولا سِوايَ أَخطو كرمادٍ
إِلى تلكَ الحرائقِ البريئةِ
التي يجمعُني نحوَها
مسيرةُ شكٍّ وشكْ.!
وَجْهِي غَرِيبٌ وَأَنْتِ بَعِيدَةٌ.!
وَأَنَا مِنْ دُونِكِ أَسْتَعِدُّ لِكُلِّ شَيءٍ مُؤْلِمٍ دُونَ مُبَالاَةٍ
لَمْ تَعُدِ الْخَسَارَاتُ تُشْغِلُنِي وَلاَ تُقْلِقُنِي سُعَالاَتُهَا حَوْلِيَ
وَلَكِنْ حِينَ تَحْضُرِينَ في مَجَالِيَ الْهَامِدِ
سَيَتَرَمَّمُ كُلُّ شَيءٍ بِاِنْدِهَاشٍ مُثْمِرٍ.!
سَتَنْهَضُ الْمَقْبَرَةُ وَتَنْطَفِئُ الْحَشْرَجَاتُ
وَيَتَشَكَّلُ الْوَرْدُ فِي الْحَدِيقَةِ الْأَرْمَلةِ
وَتَنْهَضُ مِنْ مِيتَتِهَا جُدْرَانِي الْغَافِيَةُ فِي الْكُهُوفِ
لِأَسْتَرِدَّنِي مِنْ أَجْدَاثِي الْمُتَلاَشِيَةٍ فِي الْجَحِيمِ
كَطِفْلٍ وَلِيدٍ يُغَادِرُ مِلْحَهُ الْاِنْطِوَائِيِّ
فَلَمْ أَعُدْ مُهْتَمَّاً بِتَرْكِيبَةِ الْفِطَامِ أَوِ الْعَطَشِ
غَيْرَ أَنَّنِي سَأَعِيشُ حَيَاتِي مَرَّتَينِ.!
وَسَيدْرِكُنِي شُعُورُ اِمْتِلاَكِ الْوَقْتِ مُضَاعَفَاً
أَمَامَ شَاخِصِ وجْهِكِ الَّذِي لا يَمُوْتُ بِاِنْكِسَارِ الْحُبِّ
لِأَنَّكِ مُتَوَاجِدَةٌ فِي آلاَمِي وَأَحْلاَمِي وَاِنْتِقَامِي
وَتِلْكَ الْمَرَايَا مِنْ فَوْضَاكِ الْمُغْرَوْرِقَةِ فِي دَمِي
هِيَ مَا تَكُونُ عَلَيْهَ سَعَادَتِي فِي نِهَايَةِ شُعْلَتِي.!
الْحَرْبُ مِثْلُ الدَّغْلِ
تَنْبُتُ فِي ايِّ مَكَانٍ
الْحَرْبِ
لَا تَصْنَعُ الْجَمَالُ
الْحَرْبِ
أُمَّهَاتٌ يُنْدَبْنَ
وَيَأْكُلْنَ تُرَابَ الْحُزْنِ وَاللَّوْعَةِ
وَحَبِيبَاتٌ
رَجَعْنَ خَائِبَاتٌ
مِنْ بَعْدِ الدُّعَاءِ
قُرْبَ الَاضْرِحَةِ
الْحَرْبُ لُغَةً اُخْرَى
تَصْرُخُ كُلَّمَا عَضَّتْ شُظِيَّةٌ
حُلْمًاً بِلَوْنِ الْعُشْبِ
كُلُّنَا كُنَّا نَلُوبُ
وَنَرْسُمُ شَكْلَ الْبِلَادِ
بَعْدَ كُلِّ قَذِيفَةٍ
نَرْسُمُ احْلَامَنَا بِاقْلَامٍ ذَابِلَةٍ
وَنَكْتُبُ قَصَائِدًاً
لنِسَاءٌ يَخْرُجْنَ مِنْ الْحَرْبِ
بِلَا عَاهَاتٍ مُسْتَدِيمَةٍ
لَكِنَّ الْحُزْنَ الْتَصَقَ بِأَثْوَابِهِنَّ
الَى الِابْدِ..
أراجيحُ كثيرةٌ في رأسي
لكنّ الأطفالَ حفاةٌ
و الممرُّ إليهم مضمّخٌ بالنّشيجِ،
لا جسرَ يعودُ بي إلى الماضي لأكونَ معهم
او آخذَ -كعادتي- رُكنًا من رصيفِ المراقبةِ،
لا أحياءَ يدسُّونَ الحُبَّ في جَرّةِ عَلْقمٍ،
لا عيونَ تتسلَّلُ من نوافذِ الحقائقِ الصّدئة،
لا رحيلَ و لا انتظارَ ،
صوتُ العدمِ مَدوٍّ ،
الأطفالُ ينادونني بأسماءِ ألعابِهم،
الأطفالُ -في رأسي- يلوّحُونَ،
يا للجحيمِ ..
إنّهم موتى!
حُزْنِي يَشْرَبُ عُمْرِي مُذْ وَقَفَ مَلاَكُ الدَّوْلَةِ
يَسْأَلُنِي عَنْ وَطَنٍ يَنْهَضُ فِي قَفْرِ الرُّوحِ
مَاذَا أَفْعَلُ.؟
مَاذَا أُجِيبُ.؟
هَذَا الْأَزَلِيُّ الْأَزْرَقُ مِثْلَ الْحُوتِ أَو الْغَرَقِ
يَظَلُّ بِعُمْقِ الْبَحْرِ عَمِيقَاً فِي التَّارِيخِ الْأَسْوَدِ لِلْقَسْوَّةِ.!
عَمِيقَاً فِي لَيْلِ الْمُدُنِ الْمَصْلًوبَةِ بِأَشْوَاقِ الْحَرْبِ.!
وَحدَكَ مَن يُدخِلُني الجَنَّةَ مِن دُوْنِ حِسابْ .
ثُمَّ ، وَوَحدَكَ لَو تَنطَبِقُ الأرضُ علَى
السَّبعِ سَماواتٍ في هَذا المَلَكُوتِ ،
وَلَو ضاقَتْ هَذي الأرضُ بِما رَحُبَتْ ،
وَحدَكَ مَن سَيَكُونُ مَلاذي ،
ثُمَّ ، وَوَحدَكَ مَن سَيكُونُ المَوْئِلَ مِن دُونِ النَّاسِ ،
وَيَفتَحُ نافِذَةَ القَلبِ ، وَيَفتَحُ كُلَّ الأَبوابْ .
مِن أينَ هُدُوئي في هَذي الأيَّامِ المَمْلُوءَةِ بِالْهَمِّ ؟ ،
المَمْلُوءَةِ بِالْحُزنِ ؟
فَما عادَ الوَردُ ، وَلا عِطرُ الوَردِ يَضُوعُ عَلَى الأغْصانِ ،
وَلا الطَّيرُ يُغَنِّي مُنذُ طُلُوعِ الفَجرِ بِأَحلَى الألحانِ
أَقولُ : ألا انْكَسِري يَتُها الرُّوحُ
فَلا الوَقْتُ الآنَ لَهُ طَعمٌ ،
لا الزَّمَنُ المُرُّ وَلَو يَومَاً لَذَّ وَطابْ .
وَأنا في هَذي السَّاعَةِ أَسْأَلُ ، أَو أَتَساءَلُ :
أينَ صلاح الدين ؟ ، أَينَ أبن الوليد ؟ ،
أينَ ألمعتصم ؟ أينَ ؟ ،
وَأينَ تُرَى الفرسان وَما فيها ؟
أينَ ؟؟؟؟
لَدَيَّ بِهَذي السَّاعَةِ أَلفُ سُؤَالٍ وَسُؤَالٍ ،
وَأنا أدري أنَّ الأَلفَ سُؤَالٍ سَوفَ تَظَلُّ بِدُونِ جَوابْ .
__