منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحياةِ اليتيمةِ ‏(قصيدة)

الحياةِ اليتيمةِ ‏(قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح

0

الحياةِ اليتيمةِ ‏(قصيدة)

بقلم: أبو علي الصُّبَيْح

فَنَاؤكِ فِريةٌ كبرى تَرامى
على تكذيبها الوطنُ الكبيرُ
وشعبُكِ للخلودِ به تسامى
كما يسمو على الخبرِ الخبيرُ
___
تلمحُني أَزهارُ الموتَى عَنوةً
في حياتي ‏معَ النُّباحِ
وأَنا أَدلفُ باِرتعاشيَ الكثيفِ
نحوَ ‏هُدوءِ المقبرةِ على اِستِحياءٍ
تمنحُني شذى هُدنةٍ عابرةٍ
معَ الحياةِ اليتيمةِ ‏
ريثما أبيعُ ما بقِيَ بمعطفي من مُدَّخراتٍ‏
وأَوراقِ الحزنِ الرَّابضِ في جبينيَ
وبعضِ قصائدِي الجريحةِ وهالةِ الأَشواقِ ‏
أراجيحُ كثيرةٌ في رأسي
لكنّ الأطفالَ حفاةٌ
و الممرُّ إليهم مضمّخٌ بالنّشيجِ،
لا جسرَ يعودُ بي إلى الماضي لأكونَ معهم
او آخذَ -كعادتي- رُكنًا من رصيفِ المراقبةِ،
لا أحياءَ يدسُّونَ الحُبَّ في جَرّةِ عَلْقمٍ،
لا عيونَ تتسلَّلُ من نوافذِ الحقائقِ الصّدئة،
لا رحيلَ و لا انتظارَ ،
صوتُ العدمِ مَدوٍّ ،
الأطفالُ ينادونني بأسماءِ ألعابِهم،
الأطفالُ -في رأسي- يلوّحُونَ،
يا للجحيمِ ..
إنّهم موتى!
قدمي تؤلِمُني في جُنونِ المفازةِ الصَّامتَةِ ‏
وجبيني أَمامَ قِراءَتِها
يقطُرُ عرَقاً مغشوشاً ‏
في مُداخلاَتِ الحُروفِ.! ‏
وحدي ولا سِوايَ أُدخِّنُ غليونَها ‏
تلكَ التي تركتْني بلا نارٍ ‏
وتجلَّتْ وحدَها في رمادِ الحرائقْ.!‏
وحدي ولا سِوايَ أَخطو كرمادٍ ‏
إِلى تلكَ الحرائقِ البريئةِ ‏
التي يجمعُني نحوَها
مسيرةُ شكٍّ وشكْ.!‏
تِلْكَ الْغَابَة :

لَنْ أَقْلَقَ عَلَيْكِ بَعْدَ الْيَوْمِ فِي أَيِّمَا ظَلاَمٍ
إِنْ كُنْتِ لَوَحْدِكِ فِي الْغَابَةِ تَتَجَوَلِينَ بِاِسْتِفَاضَةٍ
أَو كَانَتِ الْغَابَةُ كُلُّهَا تَتَكَوَّرُ بِاِشْتِهَاءٍ عِنْدَ شَعْرِكِ
فَلاَ تَرْتَعِبِي مِنْ عَطَشِ الذِّئَابِ حِينَ تُوَاجِهُكِ بَأَنْيَابِهَا
وَلاَ تَقْنَطِي مِنْ لَوْثَةِ الْعَارِ الَّتِي سَتَغْزُوَ ثِيَابَكِ بِالْحُفَرِ
فَغَابَةُ النَّفْسِ هِيَ الْأَكْثَرُ فَتْكَاً فِي الْلَّحْمِ الْبَشَرِيِّ
مَرَايَا تَعْصِرُ أَشْكَالَ الْهَنْدَسِةِ صَانِعَةً مِنْهَا نُضُوْحَنَا الْأَخْرَسَ.!
دَعِي دَمَكِ يَشْرَئِبُّ فِي الْهَوَاءِ كَأُرْجُوحَةٍ تَسْطُو عَلَى أَطْفَالٍ.
دَعِي رُوحَكِ تَخْرُجُ مِنْ مَعَاطِفِ الْقَلَقِ وَأَوْهَامِ الْفِرَاءِ كَسَاحِرَةٍ.
سَتُحَلِّقِينَ عَالِيَاً كَوَمْضَةِ سِحْرٍ عِنْدَ هُبًوبِ الْخَطَرِ الْأَمِيبِي
وَسَتَجِدِينَ دَهْشَةً مَعْدَنِيَّةً لا يَحْتَكِرُهَا ضَجَرُ الزِّئْبَقِ فِي الْخَلاَيَا.!
**
قِصَصِي مَاتَتْ فِي اِنْطِفَاءِ الشَّوَارِعِ كَقَلْبِي الْوَحِيدِ.
قِصَصِي مَاتَتْ فِي زَوَايَا غُرُوبِ يَتوَسَّلُ خُدْعَةَ الْبَقَاءِ فِي الْهَبَاءِ
قَبْلَ أَنْ تَعْصِرُهَا وَدَاعَاتُ الْأَيَادِي بِمُرِّ الْغِيَابِ.!
قَلْبِي الَّذِي لَمْ يَعُدْ يَحْفَظُ سِوَى هُوِيَّةِ الْخَائِنِينَ وَالْخَائِبِينَ وَالْكِلاَبِ
الَّتِي تَحْتَكُّ بِالْأَحْذِيَةِ صَارَ مُتَسِخَاً كَأَرْضٍ مَوْبُوءَةٍ بِكِيمْيَاءِ الْجَرَبِ.!
آهٍ عَلَى طُوفَانِكَ الْكَاذِبِ أَيُّهَا الْحَجَرُ الْقَاسِيُّ الْحَادُّ.!
آهٍ لَو تَتَفَجَّرُ عُرُوقُكَ مَرَّةًّ وَاحِدَةً لِتُحْدِثَ الْمُعْجِزَةَ الْمُشْتَهَاةَ.!
آهٍ عَلَى مَوْتِكَ الشَّاهِقِ يَا صَبَاحَنَا الرَّصَاصِيَّ الْمُتَشَقِّقَ
مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ بِهَوَامِشِ الْمُخَلَّفَاتِ « النُّيُويُورْكِيَّةِ ».!
آهٍ عَلَى « الزيتون » كَيْفَ لَمْ يَهْدَأْ مِنْ حَصَى الْخَوفِ الْمُقَدَّسِ
الَّذِي صَارَ صَدِيقَ الْغُرَبَاءْ عِنْدَ أَرَائِكِ الْوَحْشَةِ فِي الدُّرُوبِ.!
آهٍ عَلَى « حَدِيقَةِ الْمَلِكِ » الْمَقْتُولِ وَسْطَ زُهُورِها الْمَسْحُوقَةِ
وَ« الشَّارِعِ الْعَامِّ » الَّذِي يَسْتَعْرِضُ بِهِ طُلاَبُ الْيَبَابِ زُرُوعَهُمْ
وَسُعَالِي فِي صَالَةِ الاِخْتِنَاقِ أَمَامَ بِقَالَةِ الأَطِبَّاءِ الْمَرْضَى
وَ« الأهل » الَّتِي تَرَكَتْ كُلَّ هَذَا الطِّينِ الْخُرَافِيِّ يَتَجَسَّدُهَا
وَبَشَمَتْ بَطنَهَا الْعَارِيَةِ بِالْغَازَاتِ الْفَوْضَوِيَّةِ لِلرِّعَاعِ.!
آهٍ عَلَى كُلِّ شَيءٍ حِينَ يَتَبَدَّدُ كُلُّ شَيءٍ.!
آهٍ عَلَى الْأُغْنِيَةِ الَّتِي غَدَتْ غَابَةً مُضِيئَةً بِالظَّلاَم
الْحَرْب مِثْل الدَّغَل
تَنْبُتُ فِي أَيِّ مَكَان
الْحَرْب
لَا تَصْنَعُ الْجَمَال
الْحَرْب
أُمَّهَات يندبن
ويأكلن تُرَاب الْحُزْن وَاللَّوْعَة
وحبيبات
رجعن خائبات
مِنْ بَعْدِ الدُّعَاءِ
قَرُب الاضرحة
الْحَرْب لُغَةٌ أُخْرَى
تَصْرُخ كُلَّمَا عَضَّت شَظِيَّة
حلماً بِلَوْن العُشْب
كُلُّنَا كُنَّا نلوب
ونرسم شَكْل الْبِلَاد
بَعْدَ كُلِّ قَذِيفَة
نرسم أَحْلَامَنَا باقلام ذَابِلَةٌ
وَنَكْتُب قصائداً
لِنِسَاء يَخْرُجَنَّ مِنْ الْحَرْبِ
بِلَا عاهات مستديمة
لَكِن الْحُزْن الْتَصَق بأثوابهن
إِلَى الأبَدِ . . .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.