منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أهمية الحوار

أهمية الحوار/السعيد بزوي

0

أهمية الحوار

بقلم: السعيد بزوي

حاصل على الماستر في الفكر الإسلامي

الحوار هو مناقشة الآخر قصد معرفة ما يستبطنه وما يعتمل في دواخله وما هي قناعاته وما هي أفكاره وما هي مراميه وأهدافه وماهي وفلسفته في الحياة….

وقد قال أحد الفلاسفة: تكلم لأعرفك، إذ من خلال حوارنا مع الآخر يضطر حتما للكلام حتى نعرفه حقيقة المعرفة كما قال الفيلسوف الحكيم.

وقد أثيرت أهمية الحوار قديما وحديثا وسالت وديان من الأسئلة والكتابات والمناظرات والسجال والجدال حول أهمية الحوار وضرورته وحتميته حتى غدا مادة دسمة للمفكرين والكتاب والمهتمين بقضايا السياسة والفكر والدين وشتى توجهات ومناحي الفكر البشري.

ويعد القرآن الكريم أول مؤسس للحوار سواء أكان كان الآخر خصما وعدوا أو كان مقربا وصديقا، ولنستحضر حوار الله عز وجل مع الملائكة المقربين حين أخبرهم الله عز وجل بكونه يريد أن يجعل في الأرض خليفة فمع علمه الأزلي والأبدي بما كان وما سيكون فقد آثر أن يحاوهم ليكون ذلك مؤسسا ومنطلقا للحوار والإنصات للآخر وليكون ذلك سنة محمودة يستن بها خلق الله في مشارق الأرض ومغاربها إلى يوم البعث.

ولم يكتف ربنا جلا وعلا عن حوار المقربين والمطيعين بل تجاوز ذلك حتى مع العصاة فقد أبدع القرآن الكريم أيما إبداع في تصوير الحوار بين الله عز وجل  وإبليس  فرغم عصيانه لأمر خالقه وهو يعرف تمام المعرفة مكانة الله عز وجل في هذا الكون وهو القائل كما ورد في القرآن الكريم ” إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين” حين يقتنع أنه استدرج مخلوقا وأوقعه في الضلالة والغواية، لكن الله عز وجل مع ذلك فقد حاوره ليعرف سبب رفضه لامتثال أوامر ربه عز وجل في قضية الامتناع عن السجود لنبي الله سيدنا آدم عليه وعلى الأنبياء والمرسلين أزكى الصلوات والتسليمات، وللتذكير فهذا السجود لا يحمل في طياته معنى العبادة إذ هي – العبادة – مخصصة لله عز وجل وإنما هذا السجود نوع من التكريم الإلهي لسيدنا آدم ومعه ذريته إلى يوم الدين قصد استخلافهم وعمارتهم للأرض عمرانا يسير وفق المنهج الرباني،  وهذا الحوار سجله القرآن الكريم كلاما يتلى إلى يوم البعث.

وهذا درس بليغ إن لم نقل أنها دروس لكل ذي عقل حصيف ورأي سديد  بضرورة الاستماع والتحاور مع الآخر حتى وإن كان مخالفا لرأيك، فالاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.

وقد استن الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام كما أخبرنا القرآن الكريم في كثير من الآيات وكما أخبرتنا السنة المطهرة في كثير من الأحاديث بسنة الحوار مع الآخر؛ فهذا سيدنا نوح عليه الصلاة السلام ضل يدعو قومه ويحاورهم قرونا من الزمن قصد هدايتهم واستمالة قلوبهم للحق.

أما سيدنا إبراهيم عليه الصلاة السلام فقد حاور أباه وقومه حوارا رقيقا رفيقا يحمل الأدلة والبراهين على كون تلك الأصنام الصماء المعبودة من دون الله لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا فبالأحرى أن تنفع وتضر غيرها.

وتتوالى مسيرة النبوة والرسالات وتتوالى معها دروس القرآن الكريم عن أهمية الحوار وضرورته وحتميته؛ فهذا نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام حاور السجينين بأدم جم وفريد حتى اقتنعا بنبوته واقتنع معه بقية السجناء بل وكان السجن نقطة الضوء التي انطلقت منه مسيرة نبوته ودعوته إذ من السجن كان المنطلق والمبدأ.

أما حوار سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام مع شخصية طاغية متجبرة لا ترى لشعبها سوى ما ترى وهو فرعون الذي تجبر وتكبر حتى ادعى الربوبية، فقد حاوره سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام امتثالا لأوامر ربه عز وجل بخطاب لين، وحين بالغ في طغيانه وأصرّ على ركوب نفسه أظهر له وكنوع آخر من الحوار معجزة العصا التي أفحمته وأفحمت معه كل مخططاته الإفسادية.

ونأتي إلى فترة أخرى من زمن النبوة؛ فهذا نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام حاور قومه حوارا مستفيضا، حتى وصل إلى قناعة مفادها أن طائفة منهم مُصِرّة على الكفر كما قال ربنا عز وجل في صورة الصف ” فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله، قال الحواريون نحن أنصار الله”.

ولما بعث الله عز وجل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سار على منهاج من سبقه من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام؛ فقد حاور عمه أبا طالب قصد هدايته وهو الذي نصره وعضده في بداية دعوته، كما حاور صناديد قريش راجيا هدايتهم إلى الحق، كما حاور اليهود في المدينة.

كما حاور الصحابة والتابعون ومن سار على نهجهم كل مخالف ومعاند،  وقد ألفت كتب كثيرة في هذا الباب، حتى غدت مرجعا للكتاب والباحثين والمهتمين بموضوع الحوار والتأصيل والتقعيد له.

وفي زماننا هذا فقد تفطن المجتمعات في مشارق الأرض ومغاربها  للحوار وأهميته، حتى أصبحت مادة قائمة بذاتها، تدرس في المدارس والجامعات ومعاهد الصحافة والإعلام لها قواعدها وضوابطها التي يسهر عليها مهتمون ومختصون في هذا المجال، أما وسائل الإعلام بكل أصنافها وأشكالها وتلاوينها فلا يكاد يمر عدد أو برنامج دون أن تبرمج حوارا مع ضيف من الضيوف حول قضية من القضايا، بل وتستضيف خبراء في هذا المجال لتنشيط الحوار واستفزاز المحاوَر وسبر أغوار القضية المراد نقاشها قصد الوصول للأهداف والمرامي المسطرة قبلا.

لكن تبقى الأسئلة المهيمنة وعلامات الاستفهام المحورية التي تفرض نفسها فرضا في هذا الباب ما هي  مخرجات وما هي نتائج هذه الحوارات التي نسمعها ونقرأ عنها وتخرج توصيات بشأنها هنا وهناك؟ لماذا تبقى نتائجها ضعيفة ودون المستوى المطلوب والمنتظر؟، وهل يعود سبب ذلك لقصور في الفهم أم في الإرادة أم في التنزيل؟؟؟!…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.