يا ماء دجلة (قصيدة)
بقلم: أبو علي الصُّبَيْح
يا ماء دجلة
إني على دين الأوائلِ سائرُ
أهجو الهوانَ و ذاك نظمي ثائرُ
***
يا شعورا على الكلام تأبّى…
ودموعا عصيةً لا تُراقُ….
كل شئٍ سألتهُ لمَ تبكي..
قال أبكي حين يبكي العراق..
**
يا زاعمًا نسبًا … في قدسنا النسبُ
ما ضرَّنا أبدًا .. للغرب مَنْ نُسِبوا
لو طفتُ في حرمٍ وَجْدي به نَجَفٌ
أو سِحْتُ في يمنٍ في حضنها الذهبُ
أو هِمتُ في حلبٍ فالعز سابغتي
لبنان حاضرتي و البصرة العَصَبُ
العين إثمدها … بغداد في سَحَرٍ
و الكوفة انفرجت .. من همسها الكربُ
و النيل خاصَرَهُ من عمره أملٌ
تحيا العروبة و الأوطان لا الخُشُبُ
يا ماءَ دجلةَ كيف الوجه نغسله
و العار بين ضلوع العرْب مُنتخَبُ
ذاك الفرات بقلبي نبضه خجلٌ
زفَّ العروبةَ دمعًا حين يلتهبُ
نبكي على قدحٍ ـ العزُّ جذوته
فاليوم نُصْلىٰ بنارِ الصمتِ يا عربُ
من بعلبك إلى يافا تجادلني
حيفا و ماءُ غمامِ الصمتِ منسكبُ
هل مات فينا صلاح الدين يا ولدي
أم أننا لجحيم الخزي من ذهبوا
أسمِعْ و أبصِرْ بذاك الصمت في وطني
إن الحروف بذاك العصر تنقلبُ
يا أهل حطين كيف النار نخمدها
إنّا وقودٌ بنار الصمتِ أو حطبُ
لبنان ناطقةٌ بيروتُ يا كبدي
تلك الموانعُ بين العرْبِ .. قد نصبوا
امسحْ دموعك في أصداء عزتنا
بيتُ العرينِ فراغٌ كله عجبُ
يا ضاد أمتنا حارت قصائدنا
إنا و هم بِدَوِيِّ الصمت من نُكِبوا
……….
أيّ المساءاتِ مدّتْ للنّوى دربي
فخاصمَ العشْبُ في إحساسِهِ قلبي
وجرّحَتْ في حواكيرِ الضّحى شَفة
وقرّرَتْ وحدَها في عُتمتي صَلبي
وطفلُ جرحي أقالَ النّجمُ عثرتَهُ
والصّيفُ لملمَ من أنوائِهِ سُحْبي
والماءُ أوحى إلى تشرينَ سوفَ يرى
سُورَ النهايةِ مكسوراً منَ الوثبِ
وفتّتَ الضّوءُ ثغرَ التمرِ وانكسرَتْ
ربابة الليلِ فاهتزّتْ يدُ الذّنبِ
وراحَ يمسحُ ثوبي في دِما وَجَعي
لكي يقولَ بأنّ الذّنْبَ للذئبِ
فودّعَ البابُ مزلاجَ الرّؤى وبكى
قالَ الوداعَ وحنّى خصلة الشيْبِ
يوماً سيأتي على البرديّ يقرأُ لي
ما قدْ تيسّرَ منْ قرآنِهِ الغيبي
يوماً سأتلو بلا وعْدٍ سأذكرُهُ
قصائدَ الحلمِ في جمهورِنا الشّعبي
بلى سأقرأ عندَ الشّطّ ما رسَمَتْ
حمّالة الهمّ في أيقونةِ الشّطْبِ
وألبسُ الصّبحَ موّالاً وقافيةً
ليطلعَ النّورُ منْ روحي ومِنْ جَيْبي
ويعرفَ النخلُ أحزاني ويدرسُها
ويعزفُ الجرحُ ما قدْ فاضَ منْ سَكبي
بلى سيعرفُ قلبي أنّ أخوتَهُ
تجرّدوا منْ حبالِ اللهِ في الجُبّ
وأوقدوا عندَ وادي الطورِ جمرَتَهُمْ
لتعرفَ الفلْكُ معنى الضوءِ في الشّهْبِ
وتسهرُ الشّمْسُ في كرسيّ دورتِها
لتحْجبَ النّورَ عنْ شرقي وعنْ غربي
وقدْ أرتّلُ آياتي بلا وترٍ
وقد يُقاومُ دفّ الصمْتِ للضرْبِ
وقدْ أسجّلُ في الأشعارِ تأتأتي
وقدْ أعاتبُ بعضَ الشّيء للرّبّ
وقدْ أعيرُ سكاكينَ الأسى رئتي
وقدْ أقيمُ طقوسَ الذّبحِ والنّهْبِ
وقد أحاولُ أنْ ألغي مُحاورتي
معَ الجراحِ وألغي صيحة الكرْبِ
وقد أقولُ لبعضي لسْتَ تفهمُني
وقدْ أقولُ لبئري لسْتَ للشّرْبِ
أحاولُ الآنَ إلّا أنْ أكونَ أنا
وبي أحاولُ أطفي النّارَ بالجذٖبِ
بلى سأنزعُ كفّي منْ مخابئِهِ
وبي سأزرعُ صوتَ القحطِ والجُدْبِ
فالليلُ يغمسُ في أعصابِ محبرتي
رمْحَ التشرذمِ مجروحاً من الكذْبِ
ويجرحُ الجوعُ جلدَ الحرْفِ من سَغبٍ
والرّمْلُ ينسى اغتيالَ الرّيحِ للكتْبِ
سيفُ النبوءاتِ مسلولاً يُراودُني
ليذبحَ الصبرَ قرباناً إلى الحزْبِ
ويشنقَ الطفلَ حتّى لا يُرَى رجلاً
ولا يراهُ يُمالي موْكبَ السّبّ
لكنّني رئة فيها قدِ ازدَحَمَتْ
كلّ الرّئاتِ وغصّتْ في ندى الشّرْبِ
سيحفرُ الغيمُ بئرَ الماءِ منْ عَطشٍ
ويشربونَ ويبقى نازفاً نُخبي
ويجرحونَ شُواظَ الويْلِ منْ تعبٍ
ويخرجونَ بلا ماءٍ منَ الرّعْبِ
فللرّغاليينَ يوماً قادماً أبداً
ويدركونَ بأنّ الأرْضَ للعُربِ
يوماً سأرجعُ منْ مثوايَ دونَ يدٍ
ولا أراني وصوتي ذابَ في النّحْبِ
وقدْ أعودُ وأمشي دونما جهةٍ
ويركضونَ طوالَ الوقتِ للسّلبِ
ويشترونَ دماراً فيهِ نَقبرُنا
ويذبحونَ جياعَ الشّعْبِ للشّعْبِ
حتى نعيشَ بلا عمرٍ على عَوَزٍ
ويسرقونَ جرارَ الخيرِ منْ غلبي
ويصنعونَ فوانيساً تنادِمُنا
إذا الغروبُ ارتمى في ساحةِ الشّجْبِ
إذا اليماماتُ طارَتْ صوْبَ غربتِها
ولقلقُ اليتمِ يقرا بحّة الحرْبِ
إذا صديقُ اليتامى باعَ خبزتَهُ
إلى اليتامى وباعَ الثوْبَ بالغَصْبِ
إذا علمْنا بأنّا ليسَ نَعرِفنا
ماذا سيُجدي لنا لو حزْتَ للترْبِ
إذا افترشْنا مساميرَ الطوى وغفَتْ
طفولة الحزْنِ بينَ الحَجْبِ والحُجْبِ
لنْ يُبْصروا بابَنا المغلوقَ منْ زمَنٍ
وعتبة البابِ فيها أنّة الثوْبِ
ثقوا بأنّ فمي يوماً سيعْلِنُها
أنّ النّهارَ قريبُ منْ يدِ القطْبِ
غداً سأستلّ منْ صدري خناجرَهمْ
ويفضحُ الكلبُ سرّ الكلبِ للكلبِ
يوماً ستفتتحُ الرّاياتُ ضِحْكتَها
ويرجعُ الماءُ يروي واحة العُشْبِ
وتدركُ السّحُبُ الكسلى نبوءَتها
وتطعمُ الزّعترَ البريَّ للزّغْبِ
وقدْ أكونُ الذي أقصى مسافتَهُ
وقدْ أقيتُ المدى منْ رفّةِ القلبِ
*
أجالَ قِداحَ الرأي.فاستعْذَبَ العتبا
على أنهُ لم يجْنِ في حُبهِ ذنبا..
ولو أدركَ اللاحونَ سِرَ انتشائهِ..
لعَبّوا من النبعِ الذي منهُ قد عبّا.
وويلٍ لذي شجوٍ يعيشُ لروحهِ..
اذا ما خليٌّ راحَ يُثخِنَهُ سَبّا..
مُصانٌ هوى ليلى اذا كان قيسهُ.
يموتُ ولمْ تُدْرَكْ حقيقتهُ حُبّا..
وليلى،متى كانتْ رعوناتُ مُدَّعٍ
بليدٍ. بها تعنى وتسلِبُها اللُبّا..
أبتْ غيرَ أن تُغْلي علينا مهورها..
فكان يُرى الإيجابُ في عقدها سلبا
يَمّرُ عليها من يرومونَ وِدّها..
فلم تلتفتْ إلا لأطهرهم قلبا..
ومن غيرنا ليلى تشاطرهُ الهوى.
وتسقيهِ بعدَ الوصلِ من نخبها نخبا.
ألسنا مناراتٍ يُطافُ بدورنا..
رواسٍ على هاماتها المجدُ قد لبّا.
لبسنا برودَ العِزِّ بعدَ تَذَلُلٍ.
ولم نخلعْ الأسمالَ من ضجرٍ جنبا
ببحرٍ من الأنوار فاضَ حقائقاً.
وفي لُجَجِ الأمواجِ أوسعنا قُربا.
وما أُنْسِنا ألا بليلٍ اذا دجى..
نُناجي بهِ ربّا فيمحو لنا ذنبا.
**
ما زلتُ أبحث في يقيني
كيف لا يأتي عُمَرْ
بل كيف نقضي عُمْرَنا
بالصمت أشباه الحجرْ
من تحت زخات البلايا
أمةٌ تجثو
و يجثو من خطاياها المطرْ
لا زلتُ أبحث عن ربيعٍ
لا يؤجله سفرْ
دام الخريف
و كل صيحات الأئمة
لا يوافقها قدرْ
هل ذاك عيبٌ في الأئمة يا تُرىٰ
أم أن عيبًا في الرعية
لا يراقبه نظرْ
تبكي الصغيرة
و الكبيرة دونها
أسفت لدمعٍ
من ( مشاعرها ) انهمرْ
تبكي المساجد و الكنائس صمتَنا
أنَّت و صاحت
من حماقات البشرْ
بعض الرجال تجردوا من عزمهم
و تمايلوا و كأنهم أمِنوا الخطرْ
و البعض يجري خلف أسراب السراب بلا بصرْ
قلنا و ذاب القول في أحشائنا
هيا عمرْ
هيا فأرض القدس
تلك أسيرةٌ
و تخضبت بدماء غزةَ بكرةً و عشيةً
ساحاتنا فوق المدرْ
أين المفرْ
من بعد صمتٍ لا وزرْ
و تقطعت أحبالنا
و تفرقت شيعُ العلوج بصمتهم
حتى تمرّغت الأنوف و لا ضجرْ
صرنا وبرْ
سلْ .. يا قصيدَ الشعرِ هل ضاع الأثرْ
باب الحماسة موصدٌ بخنوعنا
و حروفنا أصداءُ صوتٍ مُبتكَرْ
و ركوعنا و سجودنا ما عاد يغني إن ظهرْ
فينا التصنُّع كسوةٌ
تخفي المطامعَ و المساويءَ و الشررْ
شعرُ الحماسةِ كنيةٌ لحروفنا
كقصيدةٍ راحت تلاعن من غدرْ
حتى إذا طال السفرْ
و الأرض يُدفَن في زواياها الخبرْ
و الصمت في كل الفجائع مستقَرْ
و الناس يركض في حناياها الضررْ
انهضْ بنا..
أنت العمَرْ
شعب البسالة صامدٌ متأسِّدٌ
بعرينِ غزةَ قائمٌ
يهوىٰ الفَخَرْ
ما هزَّه غدرُ الأقارب و العقارب و الغجرْ
أطفاله و نساؤه ذاقوا الأمَرْ
و شبابه و رجاله كالنخل هاماتٌ له فوق الشجرْ
رضعوا الكرامة و الحميَّة في شموخٍ
قد تأكد و استقرْ
يا أرض غزةَ
فاسلمي
إن القضية حكمةٌ
بكتاب عزٍّ في خبايانا اندثرْ
***