اللهم قد بلغت اللهم فاشهد
اللهم قد بلغت اللهم فاشهد/ أشرف شعبان أبو أحمد
اللهم قد بلغت اللهم فاشهد
بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد
منذ نعومة أظافرنا ونحن نرى أجدادنا وآباءنا، وهم يدعون في صلواتهم وفي غير صلواتهم على اليهود، وسرنا على خطاهم حتى وقت قريب، وطوال هذه العقود اكتفينا نحن بالدعاء، أما اليهود فازدادوا قوة وتمكينا في أرضنا التي احتلوها، حيث تحولوا من جاليات مشردة مضطهدة في كثير من دول العالم إلى دولة ذات سيادة وشأن عالمي، كما تحولوا من ميليشيات وعصابات مسلحة تهاجم الآمنين من الفلسطينيين وتستولي على ممتلكاتهم وأراضيهم إلى جيش من أقوى جيوش العالم. وذلك لأن دعاءنا كان يشبه دعاء الطالب، الذي لا يجتهد في تحصيل العلم، فلا يذهب للمدرسة أو للجامعة لتلقيه، ولا يستمع لشرح المناهج والدروس من أي أساتذة أو مدرسين، ولا يطلع على المراجع أو الكتب المقررة في تبيان المنهج، وسواء ذهب للامتحان أو لم يذهب، فهو عاكف طول العام ليله ونهاره على الدعاء بالنجاح. بينما المتأمل في الآيتين 250 -251 من سورة البقرة، الذي قال فيهما سبحانه وتعالى ( ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله ) يجد أن الدعاء جاء بعد البروز والظهور للعدو، أي بعد مواجهته وجها لوجه في ميدان المعركة، والدعاء كان بطلب الصبر وتثبيت الأقدام عند ملاقاة العدو وأثناء اشتعال المعركة، ويختم الدعاء بطلب النصر، ثم تأتي النتيجة فهزموهم بإذن الله، أي غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم. كما قال تعالى في سورة البقرة آية 186 ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) فمن دعا ربه بقلب حاضر، ودعاء مشروع، ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء، كأكل الحرام ونحوه، فإن الله وعده بالإجابة، وخصوصا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء، وهي الاستجابة لله بالانقياد لأوامره ونواهيه والإيمان به.
ومن أوامر الله: إعداد القوة، قال تعالى ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) الأنفال 60 أي أعدوا يا معشر المسلمين كل ما تقدرون عليه، من عدة وعتاد، لمواجهة أعدائكم، ولتدخلوا بذلك الرهبة في قلوبهم، ولتخيفوا آخرين لا تظهر عداوتهم لكم، ولكن الله يعلمهم ويعلم ما يضمرونه لكم. ومن سبل إعداد القوة امتلاك السلاح بأنواعه المختلفة سواء بتصنيعه أو شرائه، ومن المعلوم ارتفاع معدل شراء الدول الإسلامية للسلاح، مما يأتي بدول كالسعودية وقطر ومصر ضمن أكبر عشر دول استيرادا للسلاح في العالم، كما أن لدولنا الإسلامية جيوشا يعتد بها، وتعتبر من مصاف جيوش العالم، فوفقا لتصنيفات القوة العالمية، تتقدم جيوش تركيا وباكستان وإندونيسيا وإيران ومصر على جيش العدو الإسرائيلي، وعلى الرغم من ذلك وعلى مدار العقود الخمس السابقة، وبالتحديد منذ نهاية حرب 6 أكتوبر عام 1973م، لم تدخل أي من الدول العربية حربا ضد إسرائيل، ولم توجه أي منها نيران أسحلتها تجاهها، ولكن فتحت نيرانها بغزارة، واستخدمت كافة أسلحتها بكثافة، في إجهاض الانتفاضات والثورات، التي تقوم بها الشعوب ضد الديكتاتوريين من الحكام، أي استخدمت لردع الشعوب، كما استخدمت ضد دول عربية أو إسلامية شقيقة. أي أننا أطعنا أمر الله في إعداد القوة، ولكننا لم نطعه في توجيه القوة، فبدلا من توجيهها ضد أعداء الله وأعدائنا في الدين، وجهناها ضد أخوة لنا في الدين أو شركاء لنا في الوطن.
وعلي سبيل المثال في سوريا مازالت مرتفعات الجولان، محتلة من العدو الإسرائيلي، والتي سبق أن احتلها في حرب يونيو 1967م، وقد أصبحت جزءا من دولة إسرائيل، منذ الرابع عشر من ديسمبر عام 1981م حيث ضمتها إسرائيل رسميا لها. فضلا عن أن أي اعتداء من العدو الإسرائيلي على الأراضي السورية، يقابل من النظام السوري بالاحتفاظ بحق الرد في الوقت المناسب، والذي لم يحين ميعاده بعد منذ أكثر من نصف قرن. وعلى الرغم من أن النظام السوري لم يطلق طلقة واحدة تجاه المحتل طوال العقود السابقة، لكنه أطلق نيران أسلحته على الثوار العزل، أبناء الشعب السوري، عندما قاموا بثورتهم ضد النظام في عام 2011م، حيث أستخدم كل أنواع الأسلحة لديه، المدفعية والرشاشات الثقيلة، والطيران والأسلحة الكيماوية والحارقة، والذخائر العنقودية وصواريخ سكود، وقذائف هاون، وراجمات صواريخ محملة برؤوس كيماوية، والبراميل المتفجرة التي تحشى بمواد معدنية، ومواد متفجرة ترمى من المروحيات، واستهدف كافة المنشآت المدنية من منازل ومدارس ومؤسسات مجتمع مدني ومستشفيات وأسواق شعبية وغيرهم، وأحدث مجازر كبيرة يندي لها الجبين في حق الآدميين، فضلا عن اعتقال الناجين وتعذيبهم وتشريد الفارين، كما استعان النظام السوري بمقاتلين يقاتلون إلى جانبه من العراق ولبنان وإيران وأفغانستان، وكما ساهمت إيران في دعم النظام السوري على عدة مستويات، دعمته روسيا أيضا ثم تطور الأمر لتشارك معه عسكريا في حرب النظام السوري ضد أبناء الشعب السوري.
الجيش العراقي في ثمانيات القرن الماضي، كان رابع أقوى جيش في العالم، لم يوجه لإسرائيل أي من نيران أسلحته، باستثناء بعض الصواريخ التي أطلقها، باتجاه أهداف داخل إسرائيل، عند بدء حرب الخليج الثاني لغرض معين، بل وجه نيران أسلحته إلى إيران، في حرب استمرت لمدة ثماني سنوات، خلفت ورائها خسائر مادية وبشرية للطرفين وانتهت بلا انتصار لأي منهما، وبعد ما يقرب من عامين من انتهاء حربه ضد إيران، قام النظام العراقي باجتياح الكويت، مما تسبب في الغزو الأمريكي للعراق، وتدميره ليصل إلى ما وصل إليه الآن، كما وجه أسلحته لمواجهة الأكراد وهم جزء من الشعب العراقي. السودان يستخدم السلاح فيها الآن في حرب أهلية بين قوات الدعم السريع وبين الجيش السوداني والضحايا أولا وأخيرا سودانيون، ومن قبل دارت الحروب بين السودانيين حتى انفصال جنوب السودان عن شماله. وفي ليبيا يدور صراع بين حكومة الوفاق الوطني، وبين الجيش الليبي بقيادة حفتر، ووراء كل طرف مجموعة من الدول تساعده وتغذي نيران الحرب بينهما، وانقسم الشعب الليبي فيما بينهما، لتصير حرب أهليه، يستخدم السلاح فيها بين أبناء الشعب الليبي، والضحايا أولا وأخيرا ليبيون، ومن قبل في ثمانيات القرن الماضي دارت رحى الحرب بين ليبيا وتشاد. وفي اليمن تجرى عمليات عسكرية، يقوم بها ائتلاف مكون من عدة دول بقيادة السعودية، الخاسر فيها الشعب اليمني سواء كانوا سنة أو شيعة. والدول التي لم تستخدم ما لديها من سلاح فيما سبق، إن لم يتم بيعه لدول أخرى، فهو مكدس في المخازن، ويظهر كل يوم ما هو أحدث منه وأكفأ. ولصفقات السلاح فوائد تعود على أصحاب المعالي رؤساء وحكام وأمراء الدول، فهي لتقديم فروض الولاء والطاعة لدول المشترى منه السلاح، وصك ضمان لبقاء واستمرار هولاء الحكام في مناصبهم، وأخيرا العمولات التي يستفاد منها تجار السلاح بيع وشراء وسماسرته.
ومن أوامر الله: قوله تعالى ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) البقرة 190 أي وقاتلوا أيها المؤمنون الذين يقاتلونكم. وقوله تعالى ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ) البقرة 191 أي واقتلوا الذين يقاتلونكم وأخرجوهم من المكان الذي أخرجوكم منه وهذا أمر بقتالهم أينما وجدوا في كل وقت وفي كل زمان قتال مدافعة وقتال مهاجمة. وقوله عز وجل ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) البقرة 194 أي من اعتدى عليكم بالقتال، قابلوه بمثل ما اعتدى عليكم. وقوله ( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ) النساء 75 أي وما لكم أيها المؤمنون لا تقاتلون في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين قد استضعفهم الكفار، فاستذلوهم ابتغاء فتنتهم، وصدهم عن دينهم. كما من الآيات ما تأمرنا بقتال الكفار والمشركين كقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ) التوبة 123 أمر الله تعالى المؤمنين بقتال من يجاورهم من الكفار، لما يسببون من خطر على المؤمنين بسبب قربهم، وأمرهم كذلك أن يظهروا قوة وشدة من أجل إرهابهم ودفع شرهم. وقوله عز وجل ( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) التوبة 36 أي قاتلوا جميع أنواع المشركين والكافرين برب العالمين، ولا تخصوا أحد منهم بالقتال دون أحد، أي كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم، فاجتمعوا أنتم أيضا لهم إذا حاربتموهم، وقاتلوهم بنظير ما يفعلون، والمثل الظاهر أمامنا هو تعاون بعض دول الغرب الصليبي مع الكيان اليهودي وبعض قادة الدول العربية لمحاربة المقاومة الإسلامية في غزة، ألم تستدعي هذه الأحداث تطبيق الآية ونقاتلوهم كافة كما يقاتلونا كافة. وقوله سبحانه وتعالى في سورة التوبة آية 29 ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون ) وهذا أمر من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين بقتال أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، لأنهم لا يؤمنون بالله ولا يؤمنون باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرمه الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، دين الإسلام الناسخ لغيره من الأديان، حتى يعطوا الجزية عن طوع وانقياد، فإن فعلوا ذلك فاتركوا قتالهم. وقوله تعالى ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير ) الأنفال 39 أي قاتلوا أيها المؤمنون أعداءكم من الكفار، حتى لا يكون شرك، ولا صد للمسلمين عن دين الله، وأن تستمروا في قتالهم حتى تزول صولة الشرك، وحتى تعيشوا أحرارا في مباشرة تعاليم دينكم، دون أن يجرأ أحد على محاولة فتنتكم في عقيدتكم أو عبادتكم. وقوله عز وجل ( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أوليا الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) النساء 76 الذين صدقوا في إيمانهم اعتقادا وعملا، يجاهدون في سبيل نصرة الحق وأهله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل البغي والفساد في الأرض، فقاتلوا أيها المؤمنون أهل الكفر والشرك، الذين يتولون الشيطان ويطيعون أمره. وقوله سبحانه وتعالى ( وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ) التوبة 12 أي وأن نقضوا العهود التي أبرمتموها معهم، وأظهروا الطعن في دين الإسلام، عابوا دينكم وانتقصوا منه، فقاتلوهم أي قاتلوا القادة فيهم، الرؤساء الطاعنين في دين الله، الناصرين لدين الشيطان، وخصهم بالذكر لعظم جنايتهم ولأن غيرهم تبع لهم. ومثل هذه الآيات في عموم نصوصها، تخاطب كافة المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وأمة الإسلام أجمع، لا تستثني منها بعيدا أو قريبا، ولا عربيا أو أعجميا، تحثنا نحن المسلمين على قتال من يقاتلنا ورد اعتدائه واسترداد ما سلب منا، من أراضي وممتلكات، بل ونجدة المستضعفين، في كل بقاع الأرض، يتعرضون للاضطهاد والتعنت، بل والتشرد والتهجير من ديارهم، ويصرخون ويستنجدون بإخوانهم المسلمين، ولكن لا حياة لمن تناجي.
وقتال الكفار وصد عدوانهم، واجب كفائي، فإنه إذا حصل من يقوم به، وكان به الكفاية، سقط عن المكلفين الباقين، وإلا وجب على جميع المسلمين، ممن لهم القدرة على حمل السلاح. فالوجوب على سبيل الكفاية، فإذا اندفع الشر ببعض المكلفين، حصل الغرض، وبحصوله يسقط الفرض عن الآخرين، ويتأكد الوجوب على المكلفين كلما كانوا من المرابطين والأقربين للكفار المعتدين. أما الدفاع لطرد الكفار عن بلدان المسلمين، وقراهم وأراضيهم، وإخراجهم منها بعد التسلط عليها، وبمعنى آخر عندما يجتاح العدو الكافر، بلاد المسلمين بهدف الاستعمار والاستيلاء، بأي نحو سواء كان استيلاء فكريا أم اقتصاديا أم عسكريا أم سياسيا، وجوب هذا النوع من الدفاع فرض عين، فيجب على المسلمين كافة، إن يتركوا عيالهم وأطفالهم وأموالهم ويدافعوا لطرد أعداء الله، ولا يثبطن بعد الديار عن البلد الذي دهم من قبل أعداء الإسلام، عن هذا الفرض العيني، فإن الواجب على القاصي والداني أن يحمل السلاح، مادام قادر على حمله، والأقربين من الأرض التي انتهكها الكافرون أولى من غيرهم لقربهم من الأعداء. كما أجمع علماء الإسلام على من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم وفي سنن ابن ماجه قال النبي عليه الصلاة والسلام ( من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة لقي الله عز وجل مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله ) وإذا غزا العدو أرض مسلمة وجب على أهلها جميعا الدفاع عنها وإن لم تكن لهم القدرة وجب على سائر المسلمين مساعدتهم وإمدادهم بالعدة والعتاد لمجابهة هذا العدو، وفي مسند أحمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من أعان مجاهدا في سبيل الله أو مكاتبا في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ).
وما يحزنا ونتأسف عليه هو انقسام أبناء الوطن الواحد ضد المحتل، فالشعب الفلسطيني اليوم منقسم بين فتح وحماس، بين محمود عباس وإسماعيل هنية، بين مستسلم للمحتل ومقاوم له، وهكذا أي شعب تحتل أرضه، نجد جزءا منه يؤيد المستعمر ويدور في فلكه، وآخر يضحي بالغالي والنفيس من أجل جلاء المستعمر وتحرير بلده، ومن باب أولى أن يكون الفلسطينيون على قلب رجل واحد، قبل أن نطالب الأمة الإسلامية بذلك. فكيف يهب أبناء الوطن العربي، للدفاع عن أهل غزة، وشركاؤهم في الأرض على بعد خطوات منهم، إن لم يكونوا مشاهدين متفرجين فقط، فهم متربصين بأهل غزة وحماس، مثلهم مثل العدو، وبعض حكام الدول ممن يتمنون القضاء على أذرع المقاومة الإسلامية، ليس فقط في فلسطين ولكن في كل بقاع الأرض. فهل هذا هو قدر حماس وسائر رجال المقاومة؟ وهل هم ما جاء فيهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك ) قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال ( ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس ).
وغزة الآن تتعرض لإبادة شعبها، تحت ذريعة القضاء على أذرع المقاومة الإسلامية، وغزة التي تقاعس سائر أهل فلسطين عن مناصرتها هي من الأمة الإسلامية، التي قال فيها الله تعالى ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) الأنبياء 92 والاعتداء عليها يعني الاعتداء على كل المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم ( المسلمون يد على من سواهم ) أي كأنهم يد واحدة في التعاون والتناصر على الأعداء، وهذا هو اللائق بحالهم، أن يعاون بعضهم بعضا، كأن أيديهم يدا واحدة، وفعلهم فعلا واحدا. وقال عليه الصلاة والسلام ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج على مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ) رواه البخاري، قال ابن حجر: ولا يسلمه. أي لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه بل ينصره ويدافع عنه. قال ابن عثيمين: قال العلماء: يجب على الإنسان أن يدافع عن أخيه في عرضه وبدنه وماله. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) وها هم إخواننا في غزة مظلومين ألا نجيب دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام وننصرهم؟!. وقال عليه الصلاة والسلام ( ما من امرئ يخذل أمرا مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يجب فيه نصرته وما من امرئ ينصر أمرا مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يجب فيه نصرته ).
وعن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال ( من أذل عنده مؤمن فلم ينصره وهو قادر على أن ينصره أذله الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم ومن سمع رجلا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم ). وبينما يأمرنا ديننا الحنيف بمناصرة أهل غزة، وإمدادهم بما يحتاجونه، لمواصلة جهادهم ضد العدو الإسرائيلي، ولا نفعل نحن ذلك، نجد عدة دول مختلفة الجنسيات، ومع اختلاف ديانتهم، عن ديانة العدو اليهودي، لا يتوانوا لحظة عن إمداده بكل ما يحتاجه وما لا يحتاجه، من معلومات استخباراتية ومؤن وعدة وعتاد، كفرنسا وألمانيا وإيطاليا وانجلترا وأمريكا وغيرهم، وهناك من الدول العربية التي تظهر بموقف الحياد لعلاقاتها مع إسرائيل كمصر لبنان الأردن الإمارات المغرب السودان السلطة الفلسطينية. وعلى الرغم من دولة إسرائيل استجلبت إليها يهود من دول العالم أجمع، ومع اختلاف جنسياتهم، لكنهم ذابوا جميعا في المجتمع اليهودي، وتم تجنيدهم في الجيش، حيث يخدم في الجيش الإسرائيلي مجموعة متنوعة من الطوائف والأديان وجميعهم من حملة الجنسية الإسرائيلية، كما هناك مرتزقة من عدة دول، وهناك مقاتلي الجنسية المزدوجة، كلهم يشاركون في الحرب على غزة، من دول كروسيا أوكرانيا فرنسا وبريطانيا وأمريكا وجنوب أفريقيا. وهذا هو عهدهم بالدول الإسلامية، فمن قبل شاركت عدة دول في الحروب الصليبية ضد العالم الإسلامي، منها انجلترا فرنسا البرتغال النمسا والمجر وغيرهم، وبالأمس القريب شاركت مجموعة دول في حرب الخليج والحرب على أفغانستان، فهناك من هذه الدول ما هو على استعداد دائم وتام في المشاركة في أي حرب ضد أي دولة إسلامية.
وليس العبرة بالكثرة العددية، قال تعالى ( كم من فئة قليلة غلبت كثيرة بأذن الله ) سورة البقرة آية 249 ولكن في حساباتنا البشرية يجب علينا عمل حساب، أن الكثرة تغلب الشجاعة، كما أن الآيات بينت لنا في حالة الضعف يمكن للمؤمن إن يقاتل اثنين، قال تعالى ( الآن خفف الله عنكم وعلم إن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين ) الأنفال 66 أي الآن خفف الله عنكم أيها المؤمنون، لما علمه من ضعفكم، فأوجب على الواحد منكم، أن يثبت أمام اثنين من الكفار بدل عشرة منهم، ورخص لهم في الفرار إذا كان العدو أكثر من اثنين، والتشديد على الصبر لأن النصر لا يأتي حين بدء المعركة ولكنها تمتد وتكون سجال حيناً على هذا الفريق وحيناً على أولئك. وقد أجمع علماء الإسلام على من ظاهر الكفار على المسلمين، وساعدهم عليهم، بأي نوع من المساعدة، فهو كافر مثلهم، وفي سنن ابن ماجه، قال النبي عليه الصلاة والسلام ( من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة لقي الله عز وجل مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله ).
أنقول لأهلنا في غزة، وهم يجاهدون اليهود، في هذا البرد القارص، والمطر بنهال عليهم بغزارة، بعد أن دمرت منازلهم وأماكن إيوائهم، ومحال عملهم ومراكز خدماتهم من مستشفيات وجوامع ومدارس، وتم حصارهم لمنع الطعام والماء والدواء والوقود عنهم لتجويعهم، أنقول كما قال بنو إسرائيل لسيدنا موسى ( فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) المائدة 24 نقول: اذهبوا وربكم فقاتلوا، إنا ها هنا قاعدون، فوق الأسرة وعلى الأرائك مدثرين بالأغطية أمام شاشات التلفزيون، ندعو بنصرتكم، ولنا أشقاء في العروبة والإسلام، أكثر جلدة منا وأشد صلابة وأكثر عزيمة في مواجهة البرد والصقيع، تراهم على المقاهي وفي دور السينما والمسرح وفي الملاهي والمراقص، يدعون بين الحين والآخر حين يفيقون من غفلتهم بنصرة إخواننا في فلسطين، كما لنا إخوة عاكفون في المساجد يرفعون أكف الضراعة، مبتهلين إلى الله، يدعون بنصرة الإسلام وعزة المسلمين، ونصرة المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، وهزيمة الكفرة والمشركين، دون تخصيص أو ذكر لليهود بالدعاء عليهم، ولا أهل غزة بالدعاء لهم، وإذا ذكروهما كان ذلك على استحياء.
ومن المؤكد إن كل هذا، كان في حسبان قادة حماس، من قبل بدء الحرب، بالإضافة إلى سقوط عشرات الألوف من الشهداء والجرحى والمفقودين والمأسورين، وأنهم سيقاتلون لوحدهم في هذه المعركة، ولن يتلقوا أي مساعدة أو دعم من أي من الدول العربية والإسلامية وغير الإسلامية، مما يؤدي بنا إلى فرضية أنه تم استدراج حماس للدخول في هذه الحرب، لغرض تصفيتها وسائر حركات المقاومة الإسلامية، من جانب العدو الإسرائيلي، بمباركة الدول الغربية والعربية، بعد ما عجزت الدول العربية على احتوائهم وتصفيتهم، ومن يبقي بعد ذلك على قيد الحياة يتم تدجينه وترويضه، ليحيا كما حي ما تبقى من الشعوب التي تم إبادتها في أمريكا واستراليا وغيرهم. وسيظل مجال طرح فرضيات جديدة متاحا كلما استجدت الأمور، وأخذتنا الأحداث إلى منحيات جديدة إلى أن تجلو الحقيقة.
لما كان يوم بدر نظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى أصحابه وهم ثلاث مائة ونيف ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة فاستقبل النبي عليه الصلاة والسلام القبلة ثم مد يديه وعليه رداؤه وإزاره ثم قال ( اللهم أين ما وعدتني اللهم أنجز ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدا ) فمازال يستغيث ربه عز وجل ويدعوه حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر رضي الله عنه فأخذ رداؤه فرداه ثم التزمه من ورائه ثم قال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. ونحن ندعو الله ونقول اللهم إن تهلك هذه الفئة من المجاهدين فلا نجد عما قريب من يجاهد اليهود ومن يزود عن بيت المقدس، فنحن بين مطبع أو مستأنس أو خائف. ومن يظن أن السلام سيعم المنطقة، وتسودها المحبة بعد الانتهاء من غزة، فهو واهم، ومن يظن أنه في منأى عن أن تناله أطماع وأحقاد اليهود فهو في غفلة، أو يظن أنه في مأمن من غدرهم فهو مخطئ، فقد وصفهم المولى تعالى بأنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا، قال تعالى ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ) المائدة 82 وكما أخبرنا عز وجل بأن هؤلاء الكفار والمشركون سيستمرون في قتالنا حتى يتحقق هدفهم، قال تعالى ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) البقرة 217 وقال تعالى ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) سورة البقرة آية 120 ولذا فالحرب والقتال دائر وسيدور من جانبهم لردنا عن ديننا الحنيف وإتباع ملتهم. وهم في حربهم لا يقيمون وزنا لأي شيء، لا يراعون الله، ولا عهدا في مؤمن، فهم متجاوزون لحدود الله، لما يتصفون به من الظلم والعدوان، قال تعالى ( لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون ) التوبة 10
والسؤال الذي يفرض نفسه حاليا، هل ستجتاح إسرائيل دول أخرى، بعد استيلائها على غزة واستيطانها فيها، أم ستكتفي بفرض وصاياها دون تدخل عسكري منها؟. فمن الملاحظ أن العلو القادم في الأرض سيكون لبني إسرائيل، ولكن هل سيعلون منفردين أم بجانبهم آخرين؟. وكم يمتد هذا العلو؟. وهل هذا العلو آخر علو لهم، أم حلقة في سلسلة من العلو والهبوط؟. وهل هذا العلو سببه إنهم عادوا إلى ربهم فجزاهم عن ذلك، أم له أسباب أخرى؟.
والقرآن الكريم والأحاديث الشريفة وضعا لنا أسس للإجابة على هذه الأسئلة. بداية مفهوم العلو هو التمكين والسيطرة في الأرض بما فيها وبمن عليها، وتعتبر دولة إسرائيل من الدول المتقدمة، عدد سكانها يقارب العشرة ملايين، بعد استجلابها ليهود العالم وتوطينهم في فلسطين، وتدخل ضمن أكبر اقتصاديات في العالم بحسب أجمالي الناتج المحلي، وتعتبر من أغنى عشرين دولة في العالم، وعضو في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، متوسط الدخل الفردي للمواطن الإسرائيلي 2630 دولار، ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي 39 ألف دولار، وقد أحدثت تغير في الزراعة العالمية من خلال الري بالتنقيط، وصادرات إسرائيل تصل إلى أكثر من 35 دولة في العالم، وفي مجال التعليم بها ست جامعات في لائحة أفضل جامعات آسيا، وأربع جامعات ضمن أفضل 150 جامعة في العالم، وتعتمد على البحث والتطوير، وتتفوق في مجال البرمجيات والاتصالات والتكنولوجيا والصناعات الدوائية، وتمتلك إسرائيل واحد من أكبر الجيوش في العالم، لاسيما من ناحية التجهيز العسكري، وتعتمد على قوتها العسكرية الضخمة في تحقيق أطماعها في المنطقة، وتتلقى الدعم المالي من أمريكا والاتحاد الأوربي، كما تستقدم مرتزقة ومقاتلين من بعض دول العالم للقتال بجانبها، وتعتبر من الدول العشرة الأعلى في نسبة الإنفاق العسكري في العالم، وتمتلك إسرائيل ما بين 80 إلى 400 رأس حربي نووي، ولديها صواريخ وطائرات قادرة على حمل رؤوس نووية، وتتطور دائما من أسلحتها. وفي السياسة الخارجية فلديها لوبي صهيوني يعمل على توجيه السياسية الخارجية الأمريكية بما يحقق مصالح إسرائيل، وتسيطر المنظمات الصهيونية العالمية، على أجهزة صنع القرار في كثير من دول العالم، كما تمتلك بعض من مؤسسات المال والبنوك العالمية.
وبسبب تفوقها العلمي والتكنولوجي والعسكري، فضلا عن دعم معظم دول أوربا وأمريكا الغير محدود لها، مما يتيح لها بسط سيطرتها وهيمنتها ونفوذها على دول المنطقة الأضعف والأقل قوة وتقدما، من منطلق قانون سيادة القوي على الضعيف، وما يتبعه من السيطرة على مراكز صنع وإدارة القرار السياسي في هذه البلاد، بتعين العملاء وشراء ذمم ضعاف النفوس، والسيطرة على عوامل الإنتاج والموارد الاقتصادية في هذه الدول، بشرائها للمصانع والشركات بكافة أنواعها والمناجم والأراضي الزراعية والموانئ والمطارات وخطوط السك الحديدية، وتضع يدها على كل ما تمتد إليه وما لا تمتد إليه عنوة أو شراء، ثم التآمر والإفساد وتؤلب الفئات والطوائف والأجناس والأديان بعضها على بعض، وتجنيد القوى الأمنية في هذه البلاد للبطش بالمعارضين لها ولسياستها، ليتحول هذا لاحتلال بدون تدخل لجيش أو لقوة عسكرية. فضلا عن تطبيعها للعلاقات مع بعض الدول لتحيدهم عن أي عمل عسكري تقوم به ضد أي دولة أخرى. وهذا هو حال كل مستعمر، وإلا فكيف سيطرت بريطانيا على معظم دول العالم في القرن الفائت، وقد كان عدد جنودها في أي دولة احتلتها أقل بكثير جدا من عدد أبناء هذه الدولة. فقد شملت الإمبراطورية البريطانية، على دول ذات سيادة خاضعة لتاجها، ومستعمرات ومحميات ودول تحت الانتداب، حكمتها أو أدارتها المملكة المتحدة، وبسطت سلطتها عليها، ففي سنة 1913م بسطت سلطتها على تعداد سكاني يقارب من 23% من سكان العالم، غطت مساحة تقترب من 24% من مساحة الكرة الأرضية، لذا كان يطلق عليها الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. وذلك بالسيطرة على الحكومة والجيش والبوليس والمالية ورجال السياسة، وقد حدث في مصر عندما استكان الوضع لبريطانيا، حتى إنها أنقصت أعداد قواتها العسكرية من 50ألف جندي عام 1882م في مصر إلى 3 الإلف جندي.
وهذا كله يفند ما زعمه البعض من إن علوهم في الأرض، بسبب عودتهم لربهم فجزاهم عن ذلك، لا وألف لا، فلو عادوا إلى ربهم، لأمنوا بما أنزل على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ولكننا بعدنا نحن عن ديننا، فسلطهم الله علينا لكي نعود لرشدنا. قال تعالى ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) آل عمران 85 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ) رواه مسلم. وقال عز وجل ( قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ) المائدة 68 وقال تعالى ( ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) الأعراف 157 كما إن إفسادهم في الأرض واضح لكل ذي عينين، في كثير من مجالات الحياة وعلى كل المستويات، كاستحلالهم المحرمات، وتدمير الأخلاق، ونشر الإباحية، وبث الأفكار المسمومة، وإثارة الحروب والفتن بين الدول بكل ما أوتوا من مكر ودهاء، ونقضهم العهود، ومن قبل إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض، وتمردهم على أنبيائهم، إلى حد القتل، وقد قتلوا زكريا ويحيى، وتآمروا على المسيح عليهم السلام، إلى آخر ما سجله القرآن عليهم من تجاوزات وانحرافات خطيرة في سور القرآن. قال تعالى ( ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثير منهم فاسقون ) المائدة 81 ولو أن هؤلاء اليهود قد آمنوا بالله تعالى والنبي، وأقروا بما أنزل إليه، ما اتخذوا الكفار أصحابا وأنصارا، ولكن كثيرا منهم خارجون عن طاعة الله ورسوله.
ومن المعلوم في سنن الحياة إن بعد كل علو، يأتي هبوط، وهذا ما جار على كل الإمبراطوريات القديمة، وكل الحضارات القديمة، الحضارة السومرية والمصرية والإغريقية والصينية، والإمبراطوريات الفارسية، المغول، الروم والإسبانية والروسية والبريطانية فضلا عن الإسلامية. وفي قوله تعالى ( وقضينا إلى بني إسرائيل لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا ) الإسراء 4 يذكر المولى عز وجل ما أخبر به بني إسرائيل لتفسدن في الأرض مرتين، ولتعلن علوا كبيرا، فإذا جاء أولى المرتين من فسادهم، قال تعالى ( فإذا جاء وعد أولهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ) الإسراء 5 جاسوا خلال الديار أي عاثوا وقتلوا، وفيما يعقب هذه المرحلة، قال تعالى ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ) الإسراء 6 أكثر نفيرا أي أكثر عددا ورجالا من عدوكم، مع إنذارهم بثالثة ورابعة فالجزاء حاضر والسنة ماضية ( وإن عدتم عدنا ) الإسراء 8 أي متى عدتم للإفساد عدنا إلى عقوبتكم في الدنيا مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال، وكلما ارتفعوا، اتخذوا الارتفاع وسيلة للإفساد، فسلط الله عليهم من يقهرهم، ويستبيح حرماتهم، ويدمرهم تدميرا، قال تعالى ( إن أحسنتم، أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ) الإسراء 7 وما نؤمن به وما نجزم به، هو لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، وسيصل بهم الضعف والجبن، إلى اختبائهم وراء الحجر والشجر، والذي سينطق بأن وراءه يهودي فتعالى يا مسلم فاقتله، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ).
ومن أوامر الله أيضا، قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ) الأنفال 45 أي إذا لقيتم جماعة من أهل الكفر، قد استعدوا لقتالكم، فاثبتوا ولا تجبنوا، واذكروا الله كثيرا، داعين مبتهلين، لإنزال النصر عليكم، والظفر بعدوكم لكي تفوزوا. وقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ) الأنفال 15 وقال عز وجل ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ) آل عمران 146 -147 أي ما وهنت أبدانهم، وما ضعفت قلوبهم، ولا ذلوا أو انهزموا لعدوهم، بل صبروا وثبتوا، وقال سبحانه وتعالى ( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ) محمد 35 فلا تضعفوا وتجبنوا عن قتالهم، وتدعوهم إلى الصلح والمسالمة، وأنتم القاهرون لهم والعالون عليهم، فإن كانوا هم أكثر منكم قوة وأكثر عدة فإن الله معكم، ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم ) التوبة 14 – 15 وفي إخبار من المولى عز وجل بمحبته لعباده المؤمنين الذين يواجهون عدوهم مصطفين صفا واحدا ملتصقين بعضهم في بعض لا تفرقهم الأهواء ولا يشق صفهم الوهن، قال تعالى ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) الصف 4 وقال تعالى ( ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما ) النساء 104 أي إن ما يصيبكم من آلام وجراح ونحو ذلك، فإنه يصيب أعداءكم مثله، فضلا عن ذلك أنكم ترجون من الله ما لا يرجون، فأنتم ترجون رضا الله، وإعلاء كلمته، وإظهار دينه، وحسن مثوبته في الآخرة، وقال تعالى في سورة آل عمران 140 ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ) وها نحن نرى تساقط أعداد من جنود وأبناء العدو، بين قتلى وجرحي وأسرى في ساحة المعركة وخارجها، وحدوث أضرار لمبانيهم ومنشآتهم، وإجلاء للكثير من منازلهم، وإيواؤهم في فنادق ومنشآت تم إخلاؤها لذلك، وفرار ونزوح أعداد منهم لخارج إسرائيل، كما اندلعت مظاهرات داخل وخارج إسرائيل، مطالبة بوقف الحرب وتحرير الأسرى، وعطلت المدارس والجامعات وكثير من المرافق، وكبدت مختلف القطاعات الاقتصادية والتجارية والأسواق وفروع العمل خسائر مالية فادحة، مما ألحق أضرارا جسيمة على اقتصاد إسرائيل، وبسبب الإنفاق العسكري والخسائر المباشرة للاقتصاد الإسرائيلي حدث ارتفاع في تكلفة ديون إسرائيل. ولو المساعدات التي تتلقاها إسرائيل منذ بدء المعركة، لحماس مثلها، لتغير وجه منطقتنا، وكما تصاب به إسرائيل من جراء المعركة، تصاب بمثلها دول أخرى، قال تعالى ( ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ) الرعد 31 أي بسبب ما هم عليه من الكفر، لا تزال القوارع تصيبهم أو تصيب من حولهم، ليتعظوا ويعتبروا، ومن هذه الفتن والبلايا، ما لا يصيب الذين ظلموا فقط، بل يصيب عامة الناس، قال تعالى في سورة الأنفال آية 25 ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) ومن هذه النوازل أو الدواهي، على سبيل المثال لا الحصر، وباء كورونا، وما سبقه وما سيعقبه من الأوبئة المختلفة، الأعاصير، والفيضانات، تسونامي، التغيرات المناخية، موجات الحر الشديد والبرد القارص والصقيع، الانهيارات الثلجية، الزلازل، والبراكين، حرائق الغابات، الجفاف، الجدب، المجاعات، الأخطار التكنولوجية والبيولوجية.
ثم يأتي نصر الله، وقتما يشاء، وكيفما شاء، لعباده المؤمنين، كما بينت الآيات، قال تعالى في سورة الحج الآيات 40 -41 ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزير الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) وقال عز وجل ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) محمد 7 وقال سبحانه وتعالى ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) غافر 51 وقال سبحانه وتعالى ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ) الصافات 171- 173 وقال عز وجل ( ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض ) محمد 4 ( وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) آل عمران 126 ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) الروم 47 ( ينصر الله من يشاء وهو العزيز الحكيم ) الروم 5 ( والله يؤيد بنصره من يشاء ) آل عمرن 13 ونحن نؤمن بالله ونثق في نصره الذي كتبه لعباده.
وختاما فلا حجة لمن يتقاعس، عن بذل المال والنفس في سبيل الله، وخاصة في ظل حكومات راعية للاحتلال، متعاونة معه، ولهما هدف مشترك، هو القضاء على فصائل المقاومة الإسلامية، والإبقاء على الخانع والخاضع والمستسلم منهم، قال تعالى ( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين ) التوبة 44 فليس من شأن المؤمنين الصادقين أن يستأذنوا، في أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، في سبيل إعلاء كلمة الله، ونصرة دينه، وإنما من شأنهم وعادتهم، أن ينفروا خفافا وثقالا، عندما يدعو الداعي إلى الجهاد، دون أن ينتظروا إذنا من أحد، فهم لقوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم، يسارعون إلى الجهاد، بقلوب مشتاقة إليه، وبنفوس تتمنى الموت عن طريقه. ولا يكونون كالذين قال فيهم ( ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ) محمد 20 فإذا وجب القتال رأيتهم ينظرون إليك نظر من غشي عليه الموت من شدة الخوف والرعب. أو كالذي قال فيهم ( فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) النساء 77 فلما وجب عليهم القتال إذ فريق يخشون ملاقاة عدوهم ويستنكرون فرض القتال عليهم في الوقت الحالي متضرعين إمهالهم لوقت آخر. ( أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ) التوبة 13 أو يكون جوابهم كما ذكرت الآية 167 من سورة آل عمران ( وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله قالوا لو نعلم قتلا لأتبعناكم ) الذين قيل لهم تعالوا قاتلوا معنا في سبيل الله أو كونوا عونا لنا بتكثيركم سوادنا، خذلوا المقاتلين وقالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم. قال تعالى ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ) التوبة 24 لمن يخشى زوال ملكه أو ضياع عرشه وفقدان كرسيه في الحكم لو حارب أو اشترك في محاربة اليهود، فينتظر عقاب الله. والله تعالى أخبرنا بأنه ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما ) النساء 95- 96 ( ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة أو كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ) التوبة 120 – 121 ( فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) النساء 4 فليجاهد في سبيل نصرة دين الله وإعلاء كلمته الذين يبيعون الحياة الدنيا بالدار الآخرة وثوابها ومن يجاهد في سبيل الله مخلصا فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيم. أما الذين تقاعسوا عن القتال وحاولوا تثبيط من قام به، قال تعالى عنهم ( الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ) آل عمران 168 وقوله تعالى ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) البقرة 214
ختاما أشهدك يا الله إني قد أفرغت ما في جعبتي في هذا الأمر ابتغاء وجهك الكريم وحبا للمسلمين وخوفا على عزتهم ورفعتهم وبغضا في أعداء الدين.