منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

يا ماءَ دجلةَ (نشيد الرمل والغضب) (قصيدة)

يا ماءَ دجلةَ (نشيد الرمل والغضب) (قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح

0

يا ماءَ دجلةَ (نشيد الرمل والغضب) (قصيدة)
بقلم: أبو علي الصُّبَيْح

***

يا ماءَ دجلةَ هل ما زلتَ تعرفُنا
أم غيَّرَ الذلُّ تاريخًا لنا كُتِبا
كنّا إذا لاحَ وجهُ المجدِ نسألُه
فاستيقظَ السيفُ في أيدينا والنَّسَبا
كنّا إذا قيلَ هذا الشرقُ نعرفُه
قلبًا يفيضُ، وسيفًا صادقَ اللهَبا
واليومَ نسألُ: من هذا؟ فيُخبرُنا
صوتُ الخرابِ: عبيدُ الصمتِ قد غلبا
يا ماءَ دجلةَ لا تسألْ عن الشرفِ
الشرفُ اليومَ صار الحملَ والتعبا
باعوا العروبةَ في أسواقِ خيبتِهم
واشتروا العارَ تاريخًا له نُصِبا
نامتْ جيوشُ بني جلدتنا فافترستْ
أرضَ الرسالاتِ أقوامٌ بها لعبا
قدسُ السماواتِ تبكي دونما سندٍ
والصخرُ يسألُ: أين السيفُ؟ من خُذِلا؟
حيفا تنادي، ويافا لا مجيبَ لها
والبحرُ يحفظُ أسرارًا لمن كذبا
غزّةُ تقرأُ آياتِ الصمودِ دما
وتستعيذُ من الإخوةِ إن هم اقتربا
يا أمةَ الضادِ هل ضاعتْ حروفُكِ إذ
صارَ البيانُ على الشاشاتِ قد نُخِبا؟
صرنا نفاخرُ بالصمتِ الذي قتلَتْ
فيه الحقيقةُ، إذ بالخوفِ قد شُرِبا
من علَّمَ الطفلَ أن الخوفَ عقيدتُه
وأن حلمَ الفتى في القبرِ قد وجبا؟
بغدادُ تصرخُ: لا تسألْ عن العربِ
فالسيفُ أُغلقَ، والتاريخُ قد غُصِبا
والكوفةُ اليومَ تبكي فقهَ عدلِها
إذ صارَ ميزانُها مائلًا خَرِبا
يا شامُ يا جرحَنا المفتوحَ في دمِنا
كم مرةً قُتِلَ التاريخُ واحتُسِبا
حلبُ العروبةِ هل نامتْ مآذنُها
أم أن صوتَ الأذانِ اليومَ قد غُيِّبا
بيروتُ تشبهُ أمًّا رغم محنتِها
ما لانَ عودُها، بل زادَها صُلُبا
لبنانُ يا وجعَ الأرواحِ إن صبرتْ
فالصبرُ حين يطولُ اليومَ ينقلبا
مصرُ الكنانةِ هل ما زلتِ حارسةً
أم أن سيفَكِ بالأغلالِ قد رُبِطا؟
والنيلُ يسألُ: هل فيكم بقايا دمٍ
أم صار ماءُ العروقِ الوهمَ والكذبا؟
يا يمنَ المجدِ يا تاريخَ قافلتي
كم طُعنتَ باسمِ شرعٍ زُوِّرَ السَّبَبا
سُرقتْ قوافيكَ من تجّارِ فتنتِهم
حتى غدوتَ جراحًا تلعنُ الحُقُبا
يا أرضَ نجدٍ، ويا عراقُ، يا عربُ
هل صار صوتُ البطولةِ تهمةً وذنبا؟
من علَّمَ النفطَ أن يشتري قممًا
وأن يُقيمَ على أعناقِنا القضبا؟
صرنا نعدُّ قتلى الأمسِ نشرتَنا
ونحتسي القهرَ أخبارًا إذا شُرِبا
يا ماءَ دجلةَ طهِّرْ وجهَ أمتنا
فالعارُ أثقلُ من أن يُغسَلَ الأدبا
علِّمْ صغارَك أن الأرضَ صاحبةٌ
وأن من باعها خانَ الذي وهبا
لسنا ضعافًا ولكن خاننا سببٌ
اسمه الصمتُ، والتبريرُ، والرتبا
إن الشعوبَ إذا نامتْ على وجلٍ
أيقظَ التاريخُ فيها الذلَّ والحربا
ما ماتَ فينا صلاحُ الدينِ يا وطني
لكننا دفنَا أفعالهُ كسلًا
ما خانَنا السيفُ لكن خانَ حاملُه
لما استراحَ، ومالَ القلبُ، وانسحبا
كم من منابرَ زيَّفتْ لنا خُطَبًا
حتى حسبنا الضجيجَ الصدقَ والخطبا
يا أمةً علّمتْ دنيا الحضارةِ ما
معنى الرسالةِ، كيف اليومَ قد خربا؟
كنا ضميرَ الزمانِ الحرِّ فانكسرتْ
في كفّنا المرآةُ إذ صدّقنا الكذبا
لا تسألوا: أين كنّا؟ بل سلوا دمَنا
كيف استباحَ السكوتُ النبضَ والعصبا
من ذا يوقظُ هذا الرملَ من سُباتِه
إن لم يكن في العروقِ الغضبُ اللَّهِبا؟
إن القيامَ على الظلمِ انتفاضةُ من
عرفوا بأن السكوتَ الموتَ قد جلبا
لسنا قبائلَ تاريخٍ نردِّدهُ
نحنُ اختيارُ غدٍ إن صُنَّ أو ذهبا
فإن نهضنا استعادَ الشرقُ بوصلتَه
وإن قعدنا تولّى الليلُ وانسكبا
يا ماءَ دجلةَ بلّغ كلَّ من سمعوا
أن العروبةَ لا تموتُ وإن نُكِبا
هذا نشيدي، وهذا العهدُ أحفظُه
ما دام في الصدرِ نبضٌ صادقٌ وثبا
***

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.