اللهم أغثنا
بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد
اللهم أغث أمة الإسلام، وأعز دينك فيها، قبل أن يعود الإسلام غريبا كما بدأ غريبا، والغربة هذه لست مقصورة على زمان أو مكان معينان، ولكنها تقع كلما استدعى حال الناس ذلك، بحسب تمسكهم بالدين قوة أو ضعفا، وبحسب انتشاره أو انزوائه بينهم، وقد تكون الغربة في بلد دون آخر أو زمن دون آخر، ولكنها ستكون كبرى وشاملة في آخر الزمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء ) صحيح مسلم. ومن مظاهرها أن يصبح الالتزام بهدي الله، وتطبيق شريعته، والعمل بأحكامه، واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أمرا غريبا مستنكرا بين الناس، ينظرون إليه كأنه شأن ولى زمانه، ومضى عهده، ولم يعد له مكان في حياتهم الحالية، ولم يعد يواكب واقعهم المعاصر، فيتبعون مما تهواه أنفسهم من شرائع مبتدعة وعقائد محرفة وقوانين معوجة، تشبع شهواتهم، وتزين لهم سوء أعمالهم، فيتنعمون بدنياهم لهوا ولعبا، بما لم تبلغه الأنعام. فلا وجود لأسرة ولا لعائلة يجمعها عهد أو قرابة أو صلة، ولا وجود لأي روابط أخوية قائمة على أساس الدين أو النسب أو الوطن، بل جميع روابطهم وعلاقاتهم قائمة على المصلحة والمنفعة الخاصة. وليس هناك ما يسمى بالأخلاق، ولا بالقيم، ولا بالمثاليات، ولا وجود لأي معيار يضبط السلوك الشخصي ويلتزم به، سوى اللذة والمتعة فقط، حتى لو تجاوز انفلاتها كل حد. فلم يعد هناك معنى لأن يقال: هذا حرام أو هذا حلال، بل صار يقال: هذا يسعدني، وهذا يغنيني، وهذا ما يتراءى لي وأجده حسنا. وانقلبت الأمور جميعها وانعكست عما أمرنا به الإسلام. وتوزع الناس بين قلة قليلة مالكة مستغنية، حاكمة متغطرسة يملؤها الغرور والكبر، وكثرة كثيرة مطحونة تحت وطأة الفقر والحاجة، مستضعفة، مستكينة، ومستعبدة.
اللهم أغثنا، قبل أن تنقض عرى الإسلام عروة بعد أخرى، شيئا فشيئا لا دفعة واحدة، إذ يتخلى الناس عنها تدريجيا، فإذا تركوا حكما تشبثوا بالذي يليه حتى يهجروه، وهكذا دواليك، وأول ما ينقض من الإسلام هو الحكم بما أنزل الله، واستبداله بشرائع وضعية من صنع البشر،كما هو واقع في كثير من الدول الإسلامية، وآخر ما سيبقي من الإسلام عند الناس هو الصلاة، حتى وإن لم تؤد على وجهها الصحيح، إذ تبدو إماتتها في تضييعها، وتركها عمدا أو التقصير في إقامتها أو إخراجها عن وقتها أو التهاون بأركانها وخشوعها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة ). وتتخذ الزكاة مغرما أي ينظر إليها كعبء مالي ثقيل أو كخسارة تدفع كرها، لا قربة ولا ابتغاء لوجه الله، فيتحايلون للتخلص منها أو لمنعها. ويتخذ القرآن مزامير، تعني قراءة القرآن بألحان غنائية، تخرج الحروف عن مواضعها الأصلية، بهدف التلذذ بالصوت وتطريب الأسماع بدلا من تدبر معاني القرآن والعمل به. وممن يقرأون القرآن بصوت حسن، لكن سلوكهم لا يرتقي، إلى مرتبة من وصل أثر القرآن إلى قلبه وعمله، فتكون تلاوتهم مجرد صوت لا يتجاوز حناجرهم، لا يعيون القرآن ولا يطبقونه في أخلاقهم ولا في أعمالهم، ولا يظهر له أثر في حياتهم. ويكثر حفظة القرآن ويقل فهمه وتدبره، يهجر العمل والالتزام بأوامره ونواهيه، فتبقى الألسنة عامرة بالآيات والقلوب خالية من هدايتها. المبالغة في تزيين المصاحف والانشغال بالشكل دون المعنى، فيغدو الاهتمام بالأغلفة المزخرفة والصحف المزينة، وكذا الاهتمام بالخطوط والألوان أكثر من الاهتمام بما نزل القرآن لأجله. قلة أهل المساجد، واقتصارها على إقامة الصلوات المفروضة ثم تغلق أبوابها، فلا يتحقق الهدف الذي من أجله أنشئت، كما كانت في صدر الإسلام الأول، بينما أعداد المترددين على القاعات الملحقة بالمساجد المخصصة للمناسبات الاجتماعية أكثر بكثير. تحولت خطب الجمعة عن هدفها الأساسي، فغدت كلمات مكررة تتلى على المصلين، كما كانت تتلى منذ عشرات السنين، دون إنزالها أو تطبيقها على الواقع المعاصر أو معالجة لقضاياه، وها هي ذات الخطبة تلقى في سائر المساجد، وفق تعليمات وتوجيهات من جهات رسمية، فلم تعد ثمرة اجتهاد الخطيب، فتخرج مجلجلة نابضة بالحياة، بل صار يحمل على إلقائها حملا، سواء قصرت أم طالت، والمصلون بين ساه مشغول بأمور أخرى أو نائم، فلم تعد لها أثر في نفوس المصلين، ولا يمتد صداها إلى خارج المسجد، حتى إن غالبيتهم لا يتذكرون موضوع الخطبة فور خروجهم من المسجد.
اللهم أغثنا، قبل أن تعود البشرية لعبادة الأوثان والأصنام مرة أخرى، وإن اختلفت عن ممارسات الماضي، فاتخذت أشكالا حديثة،كعبادة الذات، وتعظيم الأشخاص، وتمجيد الرموز، وتقديس الماديات كالمال والشهرة والتكنولوجيا، إلى درجة تضاهي بها تقديس الأوثان القديمة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا تقوم الساعة حتى يرجع ناس من أمتي إلى أوثان يعبدونها من دون الله ) أخرجه مسلم. وها هو البعض يستغيث بالأموات، وينذر لهم، ويتوسل إليهم، طلبا للعون أو الشفاء أو النصر أو قضاء الحاجات، وهم قد أفضوا إلى ما هم عليه، فلا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعا ولا ضرا، وما كان يتم على استحياء وفي خفاء وخجل، يمارس بجرأة وعلانية للعيان. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: من دعا ميتا أو استغاث به فقد أشرك. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: لا تدعوا الأموات ولا تستغيثوا بهم فإنهم لا يضرون ولا ينفعون.
اللهم أغثنا، قبل تزايد موجات الإلحاد، والخروج عن الدين، والكفر بالغيبيات، والإيمان بالمحسوسات، بوتيرة لم يشهد لها من قبل، بعد أن أصبح المناخ المحيط بالناس مهيأ ومحفزا لهم على لذلك، تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى ( إذ جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ) ثم قال: ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا فيه أفواجا. وقد قيل أن هذه الزيادة ليست منسوبة لرسول الله بصيغة حديث متواتر، لكن ذكرها بعض المفسرين على سبيل التوضيح، حيث أشاروا: إلى أن ما أعقب هذا النصر من فتن سيجعل جماعات تخرج من الدين كما دخلوا فيه جماعات، والخروج من الدين قد يكون إما باتباع عقائد سماوية قد حرفت من أتباعها منذ القدم، أو بالانضمام إلى دعوات بشرية أنتجتها الفكر البشري، أو برفض هذا وذاك معا.
اللهم أغثنا قبل تزايد دعوات جمع الأديان في إطار واحد، تمتزج وتتداخل ببعضها البعض، وتذوب الفوارق، وتختلط العقائد فلا يظل لدين عقيدة ولا عبادات ولا شرائع خاصة به، وتلك الدعوات قد تشمل أيضا مختلف الملل والنحل أو حتى الملحدين ومن لا دين لهم. قال تعالى ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) المائدة 48 أي لكل أمة من الأمم السابقة، ولكل نبي سبق نبينا عليهم جميعا الصلاة والسلام، شريعة واضحة ومنهجا يتبعونه وطريقا يسيرون عليه، مع اتفاقهم جميعا في التوحيد لله عز وجل. وقال تعالى ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) النحل 93 أي لو أراد الله لجمع الناس على شريعة واحدة، لكنه شاء أن يختلفوا ليختبرهم. دعوات من افتكاسات البشر، لا يعرف فيه لمن تكون له المرجعية العليا، والكلمة الفصل في الأصول العقائدية، ولا لأي شريعة الغلبة فيما يخص الأحوال الشخصية والمعاملات المالية، ولا لمن يكون الباع الأكبر والهيمنة فيما سيتبع من شعائر وعبادات. كيف لهم أن يجمعوا بين الشرك والتوحيد في دعوة واحدة؟. يجمعوا بين من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ومن يقول خلاف ذلك؟. قال تعالى في سورة الإخلاص ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) وقال ( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ) الإسراء 111 وقال ( وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ) الجن 3 وقال تعالى ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) الأنبياء 25 وقال ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ) طه 14 وقال ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) الأنعام 162- 162 كيف يجمعون بين من يقرون هذا بألسنتهم وعلى يقين به في قلوبهم، وبين من يقول ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ) سورة التوبة آية30 ومن يتخذ أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، قال عز وجل ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحد لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ) التوبة 31 وقد قال فيهم عز وجل( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد ) المائدة 73 قال تعالى ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ) المائدة 17 وكيف سيجمعون بين ما حرم الله على بعض خلقه،وما أحله للبعض الآخر، وهل سيكون الجميع فيه سواء؟. وماذا نحن فاعلون فيما حرمه الله علينا من بعض الأطعمة والأشربة وبعض المعاملات المالية بينما يستحله الآخرون؟. أيتبعوننا أم نتبعهم، أم نحلونه عاما ونحرمونه عاما لهم ولنا؟. ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ) النحل 115 ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) المائدة 90 ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) البقرة 275 وغير ذلك كثير مما لا يتسع المجال لحصرها. وإذا كان كل من اليهود والنصارى ليسوا على فرقة واحدة ولا على مذهب واحد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ) الترمذي. وقد حدثت حروب وصراعات عنيفة عبر التاريخ بين الكاثوليك والأرثوذكس، وبين الكاثوليك والبروتستانت، بالإضافة إلى الصراعات بين الموحدين منهم والثالوثين. كذلك كانت هناك حروب وصراعات بين الفصائل اليهودية، بالإضافة إلى خلافات وتناحر طائفي أدى إلى انقسامات حادة خاصة بين الفرق مثل الصدوقيين والفريسيين والأسينيين، مما عكس انقسامات سياسية ودينية عميقة. مصدقا لقوله تعالى ( ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ) المائدة 14 ( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ) المائدة 64 فستستمر العداوة بين النصارى بعضهم بعض، وبين اليهود بعضهم بعض إلى يوم القيامة، قال تعالى في سورة الحشر آية 14 ( بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ) ومع ذلك فأن كل من اليهود والنصارى يدعي عن الآخر أنه ليس على شيء من الدين ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ) البقرة 113 وقال تعالى ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهوائهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين ) البقرة آية 145 ولكن بين لنا الله الحق في قوله ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) البقرة 120وقال تعالى في وصف حال الكفار والمشركين تجاهنا ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) البقرة 217 ولو أنهم كانوا صادقين فعلا في إدعائهم، ويريدون دينا واحد يجتمع عليه الناس، ويخلصهم من بوائق الصراعات، فلديهم الإسلام، الذي جاء به جميع الأنبياء من لدن آدم حتى محمد عليهم السلام، وهو دين سيدنا إبراهيم، كما بين الله تعالى في سورة آل عمران آية 67 ( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ) والأنبياء جميعهم أخوة، ودينهم واحد وهو الإسلام دين التوحيد وإليه دعوا أقوامهم، وإن اختلفت شرائعهم بحسب الزمان والمكان، وقال تعالى ( إن الدين عند الله الإسلام ) آل عمران 19 وقال ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) آل عمران 85 وقال تعالى على لسان سيدنا موسى مخاطبا قومه ( يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) سورة يونس آية 84 وعلى لسان الحواريين أتباع سيدنا عيسى قال تعالى في سورة المائدة آية 111 ( إذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ). قال تعالى في سورة الحج آية 78 ( هو سماكم المسلمين من قبل ) أي أنكم كنتم تسمون مسلمون حتى قبل نزول القرآن الكريم، كما ورد في الكتب السماوية السابقة التوراة والإنجيل. كما قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم ( الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد ) وقال عليه الصلاة والسلام ( ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا إتباعي ) وفي حديث آخر ( ولو كان حيا وأدرك نبوتي لاتبعني ). فليحيوا دولة الإسلام التي يعيشها في ظلها كافة أهل الكتاب مطمئنين آمنين على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ودور عبادتهم. وقال تعالى ( فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) آل عمران 64
وأخيرا اللهم أغثنا، قبل ما يواجه الشخص المتمسك بدينه صعوبات وفتن، تجعل تمسكه بدينه، كمن يمسك قطعة من الجمر الملتهب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر ) وقال عليه الصلاة والسلام ( ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم ) قيل: يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم؟ قال ( بل أجر خمسين منكم ) فكيف يكون للمتمسك بدينه في عصرنا هذا أو أي عصر آخر، له أجر خمسين رجلا من صحابة رسول الله، إلا إذا عاش أياما أصعب وأشد مما عاشه الصحابة، وهم قد تحملوا ما تحملوا من أجل الإسلام، من تعذيب وتعدي بالضرب والسباب وسخرية واستهزاء، حصار اقتصادي واجتماعي في الشعب والأودية للتجويع، ومنع التزاوج منهم، وتفريق بين الأهل، ومصادرة أملاك ومتاع من يفر منهم بدينه، إلى غير ذلك مما أفاضت به كتب السيرة؟. وهذا ما يتعرض له الملتزم بدينه من سخرية واستهزاء بالتزامه وتشويه لصورته والتشكيك في نوايا كل عمل يقوم به لوجه الله، ونعته بصفات ذميمة وخبيثة وإلصاق تهم جنائية ومخلة للشرف إليه ووسمه بالإرهاب وترهيب الناس منه من خلال أجهزة أعلام تعمل على ذلك ليلا ونهارا، وتسليط البلطجية والشبيحة لتتبعه أثناء تنقله والاعتداء عليه بدنيا ومعنويا، مصادرة أملاكه وزوجته وأبنائه وسد أبواب العمل أمامهم، مراقبتهم على مدار الساعة وتهديد من يحاول الاتصال بهم ومد يد المساعدة إليهم، تعرضه للمطاردات والملاحقات والتوقفات الأمنية باستمرار، الحبس الانفرادي في السجون والتعرض للضغط المعنوي ومنع أي أخبار عنه وعن ذويه، التعذيب البدني لا يقف عند الملتزم بل يشمل أفراد عائلته، وتوجيه أفظع السباب والشتائم والإهانات لهم في محاولة لإذلالهم، ودفع أهله للتبرء منه ومن أفعاله وإجبارهم على إعلان تأييدهم الكامل للنظام الذي اعتقل ابنهم وينكل به وبهم، أو الدفع به للفرار من البلد إلى أخرى، وعلى الجانب الآخر تكثر الفتن والمغريات حوله، كإظهار صور غير الملتزمين وهم سعداء في حياتهم، يعتلون أعلى المراكز الوظيفية، يتقلبون في النعم ويغرقون في الملذات ويتمتعون بالثراء، تحيط بهم السيارات الفارهة، يرتدون ملابس على أحدث الموديلات، ويسكنون الفلل والقصور، ينعمون باستقرار في حياتهم زوجة وأولاد، وقيمون حفلات وسهرات رحلات ومنتجعات، سفريات من بلد لآخر. وفي المقابل ينظر إلى الملتزم بالإسلام في عباداته ومعاملاته وأخلاقه، كأنه غريب عن الناس ليس منهم ولا هم منه، غريب بين أهل الكفر والشرك، وغريب أيضا بين المسلمين أنفسهم الذين انحرفوا عن منهج الإسلام الصحيح، والغرباء هم قلة متمسكون بالدين، ثابتون على الطاعة، صابرون على الأذى، وأداء الفرائض كما أمر الله دون تهاون، تفيء إليهم الناس ويعودون إليهم كلما شاء المولى عز وجل ذلك، وهم باقون بعملهم وعلمهم وآثارهم وإن وارى الثرى أجسادهم، فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال ( فطوبي للغرباء ).