الرواية والدهشة
بقلم: عبد الهادي مهادي
أجّلتُ كتابة هذه المقالة منذ ما يفوق الشهرين؛ فمقتلة غزّة، كما بطولاتُها، لم تترك لنا ولو هامشا بسيطا لغيرها من الاهتمامات، خاصة وأنّ صاحب الكتاب ـ حديثنا اليوم ـ نفسَه لم يشأ أن يعلن عن صدوره على صفحته، وأبى أن يُنظَّمَ له أي احتفاء، مهما كان بسيطا، ومهما كانت الجهة المنظمة، وكان على الطاولة برنامج باذخ؛ وإنّه لموقف شامخ يليق بالمثقّف الحقيقي، أقصد يليق بالرجال، إنه منشغل بالقضية ويومياتها.
منذ سنوات تُقارب السّبع سنوات، وربما تتجاوزها، فلم أعد أتذكّر، فالذّاكرة غدت تخونني في بعض الحالات، إعلانا ببداية دخولي في مرحلة التراجع! لنقل إذن منذ ثمان سنوات خلت، أسرّ لي صديقي عبد السلام المنصوري، ذات جلسة في مقهى قرب مسجد بدر بطنجة، وكان يقرأ حينها رواية تولستوي “موت إيفان إيليتش” الفاتنة، في طبعة قديمة مهترئة، ولكنّه جلّدها فغدت ذات شأن وقيمة، أسرّ لي بأنّه بصدد إنشاء كتاب نقديّ تحليليّ حول بعض الرّوايات التي يعتبرها عظيمة. فرحتُ بالخبر، لأنّني كنتُ أعرف أنّني سأكون أوّل من سيستفيد من الكتاب ويستمتع، فمعرفتي بالقدرات التفسيرية والتحليلية والنقديىة لصديق الطفولة كانت تفوق أي شخص آخر، أو هكذا أقدّر، إذا استثنينا السّيّدة زوجته ـ حفظها الله ـ حتى لا تغضب منّي وهي زميلة أيام التلمذة في ثانوية علال الفاسي وكلية الآداب بمرتيل!
طال أمد التأليف، وكان كلّما استفسرته عنه وعدَ بقرب إتمامه، ثم بقرب نشره، وفي أثاء ذلك أرسل لي مقالا أو اثنين من ضمن بنية الكتاب، فلم تزد قراءتي له سوى أن أكّدت المؤكّد.
وتطاول العهد بما وعد، وأصدر كتاب “بنية الخطاب المنقبي”، واشتغل بمشاريع أخرى فكرية، نشر بعضها، وشارك بالأخرى في ملتقيات عديدة، وجمّد أخرى في منتصف الطريق، وأنهى جمع مقالات الأستاذ عبد السلام شقور وأعدّ لها دراسة وافية، وهي قريبا من الطبع، والكتاب القديم قابع وسط حاسوبه لم يصدر بعد؛ كان يريد أن يكون كاملا، أو شبيها بالكمال.
وهو عين ما حصل يوم اطّلعتُ عليه؛ وجدته كما أراده صاحبه، وكما اشتهى أن يكون.
لا أريدُ أن “أحرق” أفكارا ـ كما يقال في التعبير الدّارج ـ أودّ أن أتحدّث عنها في مناسبة غير هذه إن قُدّرَ لي ذلك، وإلى ذلكم الحين “أشهد” أنّ هذا الكتاب فاخر، ويَسْتَأْهِلُ أن يُصاحب، وأن يُسطّر تحت العديد من تقديراته التحليلية والتفسيرية والنقدية بأقلام ملوّنة علامة على الجَدارة وعلوّ الكعب.