الحنين (قصيدة)
أبو علي الصبيح
أي معنى لقصة سوف يبقى
لو قرأنا ختامها في البداية
فامنحوني عافاكم الله وقتا
وقلوبا أقص أصل الحكاية
___
صمتي توضأ في عيني برفته
وغاب صوتي على أنات دمعته
وشيع البحر مينائي وجلببني
صوت من الحزن في أبواب جنته
شابت خطاي وحباتي قد انفرطت
وشيبتي عثرت في درب رحمته
مضت سنيني وأطفا البرد رقتها
وأغلق القلب بي أنفاس رقته
مضيت وحدي وتابوتي يشيعني
ومهرة الريح شالت لون فرحته
وألبستني دموع الروح حلتها
وسلسلت أحرفي غابات سفرته
وأطفأت قلق الأعوام رحلتنا
ولملمت عن دمي شهقات رحلته
وكان طيفي بعيني كنت أبصره
مضى وأغرق عيني في تلفته
فكم حلمت بشمس في تزرعني
حتى تقلدني أسرار غيبته
مضى غريبا وعاني روح غربته
مضنى وعينيه مرت في أزقته
وكم رجوت لفجري أن يموت على
شباك حزني ويطفي ضوء شمعته
فأوقد البعد في شباك ليلتنا
درب العصافير تطفي سر أنته
مضى وعلق أوجاعي بذاكرتي
وفي حلت قرابيني بحسرته
كل الطيور مضت إلاي كسرني
يأسي وعانقني همي بغفوته
مضيت وحدي وجرح النأي خلفني
بغل جرحي أصلي عند جثته
وحدي غريب وخطواتي مبعثرة
وفي تنقصني أصداء ضحكته
رجعت نحوي وإزري في يلبسني
ثوبا وينزعني عن عرش قمته
وحدي ووجه أبي قد غاب عن زمني
وقد روح الهنا شلال لوعته
تقاسمت مقلي أطياف أرغفة
إلى الجياع على أطباق سلته
أنا بكاء وتنوري انطفت قلقا
ومن ضلوعي غدت أحطاب شهقته
وحدي يؤبنني في حزن ليلكتي
سر الأنين وما أفضى برغبته
عيناي علقتا في أفق محنتها
وكم تشكى غباري عسر محنته
فكيف أكسر ظلي في تمرده
وكيف أمحو سرابي حين ثورته
وكيف يا كيف مرآتي تبعثرني
بألف ألف انعكاس في حقيبته؟
وكيف كل زرازيري قد ارتحلت
من المكان وغنت فوق قبته
وكيف سرب القطا قد غاب عن أفقي
وراح ينقل دربي رجف خطوته
وغادرت عن ربى البلد لمحته
وما أعار القطا جنحا لصحبته
ليلى وقد عثرت في ليل غفوتها
وما أقال الثرى قيسا بعثرته
تكسر الوعد في أجفان أعينه
ولم يغادر فمي عن حبل خيمته
فراح يكتب كفي سطره تعبا
وقد رهنت أنا صبري لثورته
نسيته ورقي لم تدر ذاكرتي
على رصيف الأسى يعيا بحرقته
وما يزال أبي في وقع خطوته
أرى المكان وهذا ظل نخلته
وما تزال يدا أمي تهدهدني
وتلبس الصمت في ساعات حضرته
وما تزال ببيتي روح رئة
بها أشم الهوى في سكر نسمته
لم أبتكر ألما حرفي لأكتبه
وإنما كتبت روحي لفرقته
عن شيبة رحلت كانت تبصرني
فأقرأ الحكم الأحلى بحكمته
وما تتلمذ في قاعات مدرسة
أبي الذي كان فلاحا بحرفته
إذ كان والله بيت الطين مسكنه
وعاش بالعز عتالا بمهنته
لم يعرف الحرف ما خطت يداه به
وإنما الدهر ألقى ما بجعبته
وكان إبرة جد في تفننه
يقد للصخر مفتولا بهمته
يرفو إذا افتض حبل الود مبتسما
وفيه أمي تداري روح صحته
عصفورة هدلت في غصن بيتها
وتنطر الوعد لهفى نحو عودته
امي ملاكا تخيط الدمع ألبسة
إن هشم الدهر أضلاعي بقسوته
الله يا شجر الأحزان في جسدي
قل لي بماذا أجازيها بأوبته؟
فالوقت مر بنا سهوا وقددنا
وصار صدري أنا مرعى لحسرته
وقفت منه وفي عيني قد انفرطت
حبات دمع تجلت عند حضرته
أنا بقايا زمان الحرب يا أبتي
أكوى وطهرني في ماء جمرته
أنا اعتقال وسجني في يسكنني
وموت بعضي حوى أصداء غصته
أبي ونار انكساري جمرة نبتت
غابات حزن وأورت لذع جذوته
وشيدت مدنا أطرافها مدني
من المآسي تصلي عند عتبته
فالحرب قد أكلت أزهار حارتنا
وعاد فيها جفافا لون خضرته
فقف علي ، وصوتي أنت تعرفه
ورد ضلعي إلى تابوت سدرته
وانثر على عطشي غيمات أنتنا
حتى يتيه فمي في دفء قبلته
وكن إلي المدى وازرع على شفتي
همس الحنان وقبل رجف وجنته
فالشعر عندي عطاء لا نفاد له
وفي مداه أنا أحيا بغمرته
فالنور حجبه الديجور في بلدي
وبوح قلبي ترامى في مسرته
ما أجمل الموت في أحضان قافية
تعيد للقلب أمجادا لنبضته