السرد القصصي: أداة لبناء الوعي وحفظ التاريخ… “تيغيلت” نموذجا..
بقلم: الأستاذة لمياء كرماس
مساء الوعي الذي يروى، والتاريخ الذي لا يحفظ إلا إذا حُكي..
حين نتأمل في علاقة الإنسان بالتاريخ، ندرك أنه لم يبدأ كعلم مدوّن، بل كحكاية تعبر الزمن عن طريق الإنسان.. قبل الأرشيف كانت الذاكرة.. وقبل الوثيقة، كانت الرواية الشفهية.. ولذلك، فالسؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا حدث؟ بل كيف فُهِم ما حدث؟ وكيف انتقل إلينا؟
وهنا يتدخل السرد القصصي، لا بوصفه شكلا أدبيا فحسب، بل باعتباره البنية العميقة التي يتشكل داخلها الوعي الإنساني.
فالوعي في جوهره، ليس تراكم معلومات، إنما القدرة على تأويل التجربة وربطها بسياقها الزمني والإنساني.. وهذه الوظيفة تحديدا هي ما تنهض به القصة، إذ تحول الحدث من مجرد واقعة إلى معنى، ومن تجربة فردية إلى ذاكرة جماعية.
في السياق المغربي، تكتسب هذه العلاقة بين السرد والوعي بعدا خاصا، فالمغرب بلد لم تحفظ ذاكرته فقط في كتب التاريخ، بل في الحكايات التي تروى في السمر وفي الأمثال وفي أصوات الحكواتيين.. وخير مثال على ذلك هو ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش المغربية، فهي ليست مجرد فضاء، بل مؤسسة رمزية لإنتاج الوعي الشعبي، حيث تتحول القصة إلى وعاء للقيم، ووسيلة لنقل التجربة الإنسانية عبر الأجيال.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة مجموعة “تيغلت” للأستاذ لحسن شعيب الذي تألق في تأليفها، باعتبارها امتدادا لهذا الإرث، ولكن أيضا كفعل واع لإعادة بناء العلاقة بين القصة والتاريخ.. فتيغلت لا تكتفي بسرد الحكايات في ذلك الجزء من المغرب المهمش بل تنخرط في ما يعرف في الدراسات الحديثة بـ « التاريخ من الأسفل The history from below » أي كتابة التاريخ من خلال تفاصيل الحياة اليومية للناس العاديين، لا من خلال الوقائع الكبرى وحدها.. ومن خير شاهد على التاريخ غير الشعوب التي صنعته!! فما مؤسسات الدولة إلا جزء من وجه يدون بمعايير!
وهنا يمكن أن نقارن هذا التوجه بأعمال أدبية كبرى، مثل موسم الهجرة إلى الشمال للروائي العربي الطيب صالح، حيث تناول صراع الهوية بين الشرق والغرب من خلال شخصية محورية عاشت تجربة الغربة الثقافية والنفسية واستطاعت تجربة هذا الفرد أن تكشف عن آثار الاستعمار والتصادم الحضاري.. كيف يمكن للتاريخ الاستعماري أن يفهم من خلال تجربة فردية!
أو ثلاثية نجيب محفوظ، الملحمة الروائية التي تتكون من ثلاث روايات (بين القصرين، قصر الشوق، والسكرية) حيث تحكي القصة تحول مجتمع كامل على مدى ثلاثة أجيال من خلال أسرة واحدة..
وسأسمح لنفسي بأن أضيف مثالا ثالثا: مئة عام من العزلة لغابرييل غارسيا ماركيز، التي تثبت أنه يمكن للقصة وإن كان جزء كبير منها من نسج الخيال فإنها استطاعت أن تصور العزلة كحالة واقعية وصنعت الوعي حول هذه الحالة النفسية والإنسانية.. وسردية الهولوكوست، على قدر الخيال فيها إلا أنها استطاعت أن تقنع لأجيال بمظلوميتهاوأحقيتها!! إنها قوة السرد!
ما يجمع هذه الأعمال مع “تيغلت” هو إدراكها أن السرد ليس فقط مرآة للواقع، بل أداة لإعادة بنائه وتأويله.
في “تيغلت”، لا نقرأ التاريخ كوقائع عابرة بل نعيشه كخبرة ثقيلة متجذرة، شخصيات تتحرك وتتألم وتحب وتصبر وتصارع … مجتمع يبدو بسيطا في تضاريسه ومعمار بيوته وأدوات الزراعة فيه وطقوس مناسباته، لكنه عميق في قيمه ووعيه.. فالمصارعة في تيغلت ليس فعلا هجوميا مجردا بل رد فعل واع رغم التهميش استطاع أن يبني وعيا كافيا عبر تاريخ محيطه وما تناقلته القصة عبره، وعيا يميز فيه بين الحق والباطل ومنه يواجه بثقة ويؤمن بالنصر.. وهنا يتحقق الانتقال من “التاريخ” إلى “الوعي” ومن معرفة ما حدث، إلى إدراك معناه.
شخصية “قاسم” تحمل في ظاهرها دلالة القسوة، لكن السرد يفكك هذا الحكم ليكشف عن إنسانٍ حنون ومسؤول ووفيّ. هنا لا يقدم الكاتب شخصية فقط، بل يمارس فعلا نقديا يزعزع التصنيفات الجاهزة، ويعيد توجيه وعينا نحو تعقيد الإنسان وإعادة النظر في صناديق التصنيفات الجاهزة التي قد نضغط فيها قوما هم أكبر من وعينا القاصر!!
كما أن النص يمنح المكان بعدا دلاليا عميقا. فتنغير وتازوطا، وآيت وورتي وغيرها ليست مجرد فضاءات جغرافية، بل يحولها لحسن إلى أمكنة سردية حية تحمل الذاكرة والقيم.. وهذا ما يجعل القارئ لا يكتفي بفهم المكان، بل يشتاق إليه، وكأن السرد قد سبق الجغرافيا في بنائه داخله.
ولا يمكن إغفال البعد الإنساني في النص، خاصة في لحظات الحب، حيث ينفلت قلم الكاتب في وصف الجمال بعين العاشق. هذا الانفلات ليس ضعفا بل هو دليل صدق.. لأن القصة التي تُوثّق الإنسان لا يمكن أن تفعل ذلك دون أن تمر عبر مشاعره.. فالتاريخ ليس فقط صراعات بل أيضا عواطف وعلاقات ولحظات إنسانية دقيقة..
وهنا أسمح لنفسي مرة ثانية بإضافة تجربة شخصية أثرت في قراءتي لهذا العمل..
لقد أنهيت قراءة “تيغلت” وأنا في الأندلس بإسبانيا.. وهناك، أدركت بعمق قوة السرد.. فالأندلس اليوم، رغم ما تبقى من معمارها فهي لا تسوّق فقط جدرانها بل تلك الحكايات الكبيرة والصغيرة التي تُروى عنها.. إن جاذبيتها السياحية ليست في الحجر وحده، بل في القصة التي تسكنه.
ومن هنا، تشكل لديّ وعي مقارن:
إذا كانت الأندلس مثالا على قوة القصة في حفظ الذاكرة وجذب الآخر، فإن “تيغلت” تمثل قوة القصة في حفظ الداخل الذي لا يحفظه إلا أفراد المجتمعات، وفي صيانة القيم ونقل هوية مجتمع كامل عبر السرد.
بمعنى آخر:
القصة في الأندلس تُعيد إحياء الماضي في عين الزائر،
والقصة في “تيغلت” تُعيد إحياء الإنسان في وعي القارئ.
وهذا هو جوهر العلاقة بين السرد والتاريخ والوعي:
أن القصة لا تحفظ ما كان فقط، بل تُشكّل ما نكونه.
ختاما ، يمكن القول إن “تيغلت” ليست مجرد مجموعة قصصية، بل هي فعل مقاومة للنسيان، وإعادة اعتبار للإنسان البسيط بوصفه فاعلا في التاريخ.. إنها كتابة تُذكّرنا بأننا لا نمتلك تاريخنا فقط بما نعيشه، بل بما نرويه عنه.
وأن الأمم التي تحسن الحكي… تحسن البقاء.
هنيئا للأستاذ لحسن شعيب بهذا العمل، الذي أراه لبنة في مشروع أكبر: مشروع كتابة الذاكرة المغربية من الداخل بصدقها وعمقها وجمالها..