منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الله والعلم والبراهين “قراءة نقدية في آخر كتاب فرنسي يثبت وجود الله”

الله والعلم والبراهين "قراءة نقدية في آخر كتاب فرنسي يثبت وجود الله"/ نذير طيار

0

الله والعلم والبراهين

قراءة نقدية في آخر كتاب فرنسي يثبت وجود الله

بقلم: نذير طيار

شدني عنوان الكتاب كثيرا، بصراحة تامة، عندما شاهدته أول مرة، لأنه حديث التأليف أولا (صادر في أكتوبر 2021)، ولأنه يدخل في جوهر اهتماماتي حول الثقافة العلمية السليمة وعدم معارضتها للثقافة الإيمانية الصحيحة ثانيا.

ومن هنا، بحثت عنه حتى حصلت على نسخة منه، وبعد قراءتي له كاملا، تابعت الضجة الإعلامية المثارة حوله في الصحف الفرنسية والقنوات الإعلامية، وأسجل ما يلي:

أولا: عنوان الكتاب: ” الله والعلم والبراهين، عند فجر ثورة، العلم حليف جديد لله !”، للمهندسين ميشيل إيف بونوري وأوليفيي بونسيس (و إيف بونوري هو أخ فانسون بونوري رجل الأعمال الفرنسي وأحد وجوه اليمين الصه/يوني في فرنسا)، وكتب مقدمته روبرت ويلسون الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء.

بداية أسجل أن ما قاله الكاتب هاشم صالح في صحيفة الشرق الأوسط عن هذا الكتاب خاطئ تماما. فليست هي المرة الأولى التي يثبت فيها العلم وجود الله في كتاب. وأذكر على سبيل المثال لا الحصر كتبا كثيرة تطابقت مع الكتاب في موضوعه الرئيسي مثل كتاب :” لماذا لا يدحض العلم وجود الله” (2014) لأمير أكزيل الرياضياتي اليهودي، أو كتاب “للكون خالق” (2003) للفيزيائي الإيطالي أنطونيو زيتشيتشي، أو كتابَيْ “معادلة الله” (2019) و”نهايةالصدفة” (2013) للأخوين بوغدانوف، أو كتاب “الاتساق الخفي” للفيزيائي الفلكي ثرين كسوان ثوان، و كتبا أخرى تقاطعت كثيرا مع مواضيع الكتاب، مثل كتاب “الإسلام والإنفجار العظيم ودروين/الأسئلة المزعجة” لنضال قسوم و كتاب“العلم والتوراة والإنجيل والقرآن” أو كتاب “أصل الإنسان بين العلم والكتب السماوية” لموريس بوكاي.

ثانيا: إن هذا الكتاب في جزئه الأول علمي جدا ومهم جدا، لأنه جمع كل الأدلة العلمية الفيزيائية والبيولوجية الحديثة على وجود الله، وهي أدلة موجودة سلفا متفرقة في كتب كثيرة.

وهذا الجزء مهم جدا في الرد العلمي الفيزيائي والبيولوجي الدقيق على الرؤى الإلحادية، وكذا أصحاب النزعات العلموية المحضة في تحليل الظواهر الفيزيائية.

أما جزؤه الثاني، عن الأدلة من خارج العلم، فهو كلام عاطفي جدا يستبطن خللا فظيعا في الاستدلالات المنطقية وحتى الدينية. ويهدف الكتاب في هدفه الثاني، إلى إثبات أن هذا الإله الموجود هو نبي الله عيسى عليه السلام.

كما يدافع الكتاب عن رؤية عنصرية للعرق اليهودي ويعتبره دليلا آخر على وجود الله.

الكتاب يحتوي تلاعبات استدلالية كثيرة وهو يرد على رافضي ألوهية المسيح عليه السلام.

أقول هذا: مع احترامي لكل المؤمنين بالإله الخالق العظيم الحكيم عبر العالم، وقناعتي بوجوب التعايش بين المختلفين انطلاقا من إيماني بالاختلاف والحق في الاختلاف.

ثالثا: هو كتاب ضخم نسبيا من 522 صفحة،

يقول مؤلفاه المهندسان ميشيل إيف بونوري وأوليفيي بونسيس عنه:

إنه جاء نتيجة بحث دام ثلاث سنوات وبالتعاون مع عشرين متخصصا في علوم مختلفة، وضعت أسماؤهم حسب اختصاصاتهم في آخر الكتاب، منهم مختصون في العلوم المادية والبيولوجية والإنسانية والدينية، مسيحيين ويهودا.

يقوم الكتاب على جزأين:

البراهين العلمية والبراهين “غير العلمية”، ويهدف إلى إثبات وجود الله عبر الاستدلال بما كشفته علوم المادة والأحياء، الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، خلال القرن العشرين، سيما نظرية الانفجار العظيم التي أثبتت أن للكون بداية، وأسقطت كل النظريات الفلسفية والعلمية القائلة بأزلية الكون، أي بوجوده منذ الأزل.

وكما يقول الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء في تقديمه للكتاب:

“لم يكن للكون أن يستمر كل هذا الوقت ويصل إلى هذه المرحلة، لو لم يضبظ ضبطا فائقا. فتغيير طفيف جدا في كثافة الكون البدائي كان سيؤدي إلى واحد من أمرين، إما توسعا سريعا جدا في الكون بحيث يستحيل تشكل الشمس والأرض، وإما توسعا بطيئا يؤدي إلى انهيار جديد قبل ولادة الشمس منذ 4.7 مليار سنة.

ويمكن للتضخم الكوني أن يكون قد أطلق توسع الزمكان بالشكل المطلوب.

بيد أن التضخم الكوني مرتبط بفيزياء جديدة، وبرغم عدم تناقضها مع الفيزياء الحالية، فهي غير مسنَدة بأي ملاحظة خارجية.

إذ يتطلب الأمر شكلا خاصا جدا عن نظرية التضخم: إذ يفرض هذا النموذج المختلف تعديلا دقيقا في قيم بعض الثوابت الفيزيائية. وأحد هذه الثوابت هو ثابت أنشتاين الكوسمولوجي الذي سيختلف 120 رتبة مقدار عن قيمته الحالية”.

رابعا: أثار العالم الفيزيائي الكبير ستيفن هوكينغ ضجة كبرى، بمقولاته عن التوالد الذاتي للكون، وقد سجلت ردودا عليها في صفحتي على الفيسبوك. فمثلا، عندما يقول ستيفن هوكينغ في أحد كتبه:

“بوجود قوانين الجاذبية، يمكن للكون أن يخلق نفسه بنفسه انطلاقا من العدم، ويجب عليه ذلك. الخلق العفوي هو سبب وجود شيئ عوضا عن لاشيء”

ولمناقشة هذا الرأي قلت:

  • الفكرة الجوهرية التي تربك كثيرا العلماء الكبار هي التالية:

الكون منذ خلق إلى اليوم محكوم بقوانين وسنن، لم تتأخر يوما، ما الذي يمنع أن تكون هذه القوانين أزلية؟؟..وهو الأمر الذي قاد البعض مثل هوكينغ إلى الإيمان بالخلق الذاتي انطلاقا من استلزامات فلسفية، لا يوافقه عليها كثيرون، وسبب إيمانه بهذه الفكرة القديمة بعض نظريات الفيزياء الكوانتية المتطورة، والتي بفضل معادلات رياضية مجردة فائقة الدقة، استنتج منها احتمال أن يكون الكون بمعناه الشامل، قادراً على خلق ذاته من الفراغ والعدم.

ولكن الرد على ذلك الاحتمال ودرجته يقوم به المختصون في هذا المجال الفيزيائي الدقيق.

أما أنا فأقول: لكن هل يمكن استنتاج نظرية كاملة عن خلق الكون انطلاقا من احتمالات تتعلق بجسيمات دقيقة جدا!!!…حتى لو كانت هذه الجسيمات هي وحداته الأولية؟ مع ملاحظة أن المسألة تتحرك في دائرة الاحتمالات لا اليقينيات…وهي من خصوصيات الميكانيكا الكوانتية.. ولحد الان، لم ينجح فيزيائي في خلق “المادة” من “العَدَم”، مِثْلما أخفقوا في محاولتهم تصوير ذلك “الشيء (Singularity) ” الذي منه جاء الكون على أنَّه “العَدَم”، ربما لأن الأمر يتجاوز حدود العلم، الذي يدرس اليوم ما حصل في الثانية الأولى للانفجار العظيم، ويقدم تخمينات عما سبقه، بحيث يكون الانفجار العظيم نتيجة وليس بداية ( ملاحظة : بعض إسهامات هوكينغ هي في فهم هذا التفرد المميز للزمكان).

بعض الذين اقتنعوا علميا، بإمكانية مجيء هذا الكون من عدم، وعوضا عن القول:

لا يمكن أن يفعل ذلك إلا خالق عظيم، هو من يخلق من العدم شيئا، طرحوا فكرة الخلق الذاتي، لأنهم عجزوا عن إثبات وجود الله مخبريا، وهو الذي لن يحصل مطلقا. يزخر التاريخ بكتب عديدة ردت على نظرية الخلق الذاتي، وبجميع اللغات..(النت عامر بذلك)، وهي عقيدة بعض الطوائف كاليزيديين الذين يعتقدون أن الله نفسه خلق نفسه بنفسه، وتجد هوكينغ معروفا جدا لديهم.

أن يكون الكون يخلق نفسه بنفسه، ويصل إلى درجة تصميم الإنسان بوعيه وروحه وفق نظرية التصميم الذكي أو الصدفة!!! هذا أمر يرفضه كثير من العقلاء. وكما قال TXT الفيزيائي الفلكي ذات يوم: الثوابت الفيزيائية الخمسة عشر دليل على وجود الله. لو حاولنا خلق عوالم موازية بإحداث تغيير طفيف في قوة أس عشرة أحد الثوابت..لحصلنا على عوالم مستحيلة الوجود…مخبريا. لكن أحسن من ناقش ستيفن هوكينغ في أفكاره عن الله هو الرياضياتي والفيلسوف البريطاني لينوكس في كتابه الله وستيفن هوكينغ.

وعندما يقول ستيفن هوكينغ في أحد كتبه:

“عندما يسألني الناس : هل خلق الله الكون، أقول لهم: السؤال نفسه لا معنى له. لم يكن الزمان موجودا قبل الانفجار العظيم. إذن لن يكون لله زمان كي يخلق الكون. هذا يشبه التساؤل عن حافة الأرض: الأرض كرة ..وبالتالي هي لا تملك حافة. والبحث عنها هو تمرين عبثي”.
وهي شبهة أرد عليها بالقول:

الزمان لم يكن موجودا قبل الانفجار العظيم، وهو مخلوق كالمكان، والله الخالق الكامل لا يحده زمان ولا يحيط به مكان، ولهذا قيل : سبق العدم وجوده والابتداء أوله. الزمان مخلوق لنا، مثل المكان إطارا للأحداث…ولحركة الكون كله…أما الله فهو في غنى عنه…وبالتالي : لكي يخلق الله الكون أي المكان والمادة…هو ليس بحاجة إلى زمان ما للخلق، لأن المكان والزمان مخلوقان لنا لا له.

خامسا: الله الذي سعى الكتاب إلى إثبات وجوده، كما يؤكد الجزء الثاني منه، هو الله في المنظور المسيحي، الذي يلتقي مع التصورين الإسلامي واليهودي في جوانب ويناقضه في جوانب جوهرية أخرى. لأجل هذا سعى المؤلفان إلى إثبات أن لا إله إلا يسوع، أي المسيح عليه السلام. ومن هنا استفرغا وسعهما بكلام عام غير منطقي مطلقا وهما يسعيان لإثبات ألوهية عيسى عليه السلام. أثار انتباهي أن الكاتبين وهما يردون على الأطروحة الإسلامية التي ترى عيسى عليه السلام عبدا لله ورسولا له، بأربعة أسطر لا تغني ولا تسمن من جوع، ولا يمكن لعاقل أن يتقبل ذلك بسهولة. كما أن ردهما على فيديو لداكر نايك عن الأخطاء العلمية في الإنجيل، يكشف غيابا تاما للنزاهة العلمية، حيث استعملا كلامه نفسه عن معنى اليوم في القرآن لتطبيقه على معنى اليوم في الإنجيل، مع أن داكر نايك كشف فروقا جوهرية بينهما في مقارنته، بما يؤكد استحالة تطبيق معنى اليوم في القرآن على اليوم في الإنجيل، وهي النتيجة نفسها التي سبق إليها موريس بوكاي في كتابيه المذكورين آنفا.

هناك آيات من الإنجيل عن السماء والقمر تتطابقان مع آيات قرآنية، وهناك آيات قرآنية عن الشمس والقمر تؤكدان بوضوح الفارق بينهما من حيث مصدر الضوء فيهما،

سادسا: ما استعمله المؤلفان من مقدمات منطقية لإثبات وجود الله لم يتجاوز ما ورد في كتب علم الكلام، أو ما حفظناه صغارا من متن إبن عاشر:

وجوده له دليل قاطع . . . حاجة كل محدث للصانع
لو حدثت بنفسها الأكوان . . . لاجتمع التساوي والرجحان
وذا محال وحدوث العالم . . . من حدث الأعراض مع تلازم

وكما يقول أحد الشراح المتكلمين : “برهان الوجود هو افتقار العالم، أي جميع المخلوقات بأسرها إلى الصانع الذي يصنعها ويوجدها وهو الله تعالى، إذا لو حدثت المخلوقات بنفسها وبدون موجد لاجتمع التساوي والرجحان واجتماعهما محال لأن المخلوقات يصح وجودها ويصح عدمها على السواء فلو حدثت بنفسها ولم تفتقر إلى محدث لزم أن يكون وجودها الذي قدر مساواته لعدمها راجحا بلا سبب على عدمها وهذا لا يعقل ثم حدوث العالم الذي هو كل المخلوقات مستفاد من حدوث الأعراض اللازمة لها والسكون”.

وقد أشار المؤلفان إلى العالمين الغزالي والكندي في الهامش عند حديثهما عن أدلة إثبات استحالة قدم الزمن أي أزليته، وذكرا علم الكلام بالاسم.
فالقول بأن للكون بداية وإثبات ذلك منطقيا ليس جديدا، لكن الجديد الذي حمله القرن العشرين هو نظرية الانفجار العظيم التي تحدد اللحظة صفر التي انطلقت فيها عملية بداية تشكل أو خلق الكون.

عيسى ابن مريم عبد لله ورسوله

سابعا:في سعي الكاتبين للتبشير بالدين المسيحي، وذلك حق لهما لا ينازعهما فيه أحد، يستدلان بتفوق نسبة المسيحيين الحاصلين على جائزة نويل في العلوم والآداب (65.4%) على نسبة أصحاب الأديان الأخرى كالمسلمين مثلا (2%)، وهذا يبين غياب الموضوعية والوعي الصحيح والتفكير المنطقي عند الكاتبين، وذلك لأن ارتفاع نسبة المسيحيين هنا أمر طبيعي جدا، بالنظر إلى التقدم التكنولوجي والعلمي في الدول المسيحية الغربية حيث أرقى المخابر ومراكز الابتكار، أكثر من غيرها من البلدان.

ولو كانت هناك جائزة نوبل في العصور الوسطى المضيئة إسلاميا الحالكة مسيحيا مثلا، لكان أغلب الفائزين بها من المسلمين. كما يقدم أربع خصوصيات للمسيح عليه السلام ترشحه لأن يكون متميزا عن غيره أي إلها لا بشرا، أذكر أهمهما:

1- هو الوحيد الذي يعتمد العالم كله على تاريخ ميلاده في التقويم الزمني، الحاضر دائما أبدا في كل المواثيق والمعاهدات وكل المطبوعات. هو ميلاد يقسم التاريخ إلى ما قبله وما بعده.

2-كتب عنه 20000 كتاب في القرن الماضي فقط، والإنجيل هو الكتاب الأكثر ترجمة إلى اللغات المختلفة. وهما عنصران يكشفان مستوى النضج العقلي عند الكاتبين في توظيف أدوات منطقية في الاستدلال المقنع. لا يمكن لعاقل أن ينكر عظمة السيد المسيح عليه السلام، فهو من أولي العزم من الرسل، واعتماد يوم ميلاد مبتدأ في التقويم له أسبابه التاريخية والموضوعية، ولا يرقى لرفعه إلى رتبة إله. كما أن ارتفاع عدد الكتب حوله مرتبط تناسبيا بارتفاع عدد الكتاب المؤمنين والمبشرين بالمسيحية في جميع أنحاء العالم.

ويبلغ عدد المسيحيين حاليا 2.3 مليار شخص، فيما يبلغ عدد المسلمين 1.8 مليار شخص، وفقا لمركز بيو للأبحاث. ورجحت دراسة أن يتساوى عدد المسلمين وعدد المسيحيين حول العالم، بحلول عام 2060، إذ سيبلغ أتباع كل من الديانتين ثلاثة مليارات شخص.

وعزت الدراسة تضاعف عدد المسلمين خلال أربعة عقود إلى أن مجتمعاتهم أكثر شبابا وينجبون أطفالا أكثر من المسيحيين. والمنطق العقلي والديني الصحيح يرفض اعتماد الأكثرية الشعبية للتفريق بين الصواب والخطأ. وهذا ما يؤكده القرآن الكريم في أكثر من آية. وما تجدر الإشارة إليه، أن ألوهية المسيح ودور الإمبراطور قسطنطين في ابتداعها، هو محور الضجة العالمية التي أثارتها رواية “شيفرة دافنشي” The davinci codeلـ”دان براون”، الصادرة سنة 2003، بعد تحولها إلى فيلم، فقد أنتجت ردود فعل كنسية كثيرة ، ومنعت من دخول الفاتيكان.

إن تأكيد فكرة ألوهية المسيح كان ضروريا جدا لتوطيد الوحدة في الامبراطورية الرومانية ولإقامة القاعدة الجديدة لسلطة الفاتيكان. من خلال المصادقة الرسمية على كون المسيح ابنا للرب، حوَّل قسطنطين المسيح إلى إله مترفع عن عالم البشر…كينونة تتمتع بسلطة لا يمكن تحديها أبدا. وهذا الأمر لم يعمل على وضع حد لتحديات الوثنيين للمسيحية فحسب، بل بسبب ذلك لن يتمكن أتباع المسيح من التحرر من الخطايا إلا بواسطة طريق مقدسة جديدة وهي الكنيسة الكاثوليكية الرومانية.[، ويقول أيضا: ]بما أن قسطنطين قد قام برفع منزلة المسيح بعد مضي حوالي أربعة قرون على موته، فقد كانت هناك الآلاف من الوثائق التي قد سجلت حياته على أنه إنسان فانٍ. عرف قسطنطين أنه لكي يتمكن من إعادة كتابة التاريخ ، كان بحاجة إلى ضربة جريئة. ومن هنا وُلٍدت أهم لحظة في التاريخ المسيحي. فقد أمر قسطنطين بكتاب مقدس جديد، وقام بتمويله. حذف الأناجيل التي تحدثت عن المسيح كإنسان،ٍ وزيَّن تلك التي أظهرت المسيح بصفات إلهية. وحُرمت الأناجيل الأولى، وتم جمعها وحرقها…وكان كل من يُفَضِّل الأناجيل الممنوعة على نسخة قسطنطين يُتهَم بالهرطقة، وكلمة هرطوقي تعود إلى تلك اللحظة التاريخية. وإن الكلمة معناها “اختيار” .

لذا فإن الذين اختارواhaereticus اللاتينية هيرتيكوس التاريخ الأصلي للمسيح كانوا أول هراطقة العالم[. . إن الرواية التي نشرت قبل صدورها كفيلم بأكثر من عام، يرى كاتبها دان براون أن خلفيتها التاريخية صحيحة وليست مجرد خيال فني.

وما يؤكد أن هذا الخيال الفني الذي ذهب بعيدا بصاحبه، لم ينطلق من فراغ، وجود رأي مهم جدا، بدأ يتفاعل في الساحة المسيحية العالمية في العقدين الأخيرين، إذ تغيَّرت كثير من النظرات إلى الإمبراطورية الرومانية، بعد ظهور مدرسة أنجلو-ساكسونية في التأريخ، ومن أحسن ممثليها بالولايات المتحدة ألان كاميرون Alan Cameroun وروبين لان فوكس Robin Lane Fox، وبفرنسا بيار شوفان Pierre Chuvin وكلود لوبلي Claude Lepelly. ويرى البروفيسور إيف موديران Yves Modéran، في دراسة له بعنوان :

“اعتناق قسطنطين للمسيحية وتمسيح الإمبراطورية الرومانية” أن المؤلَّف البيِّن لهذه المدرسة…، يتمثل في كتاب لان فوكس “وثنيون ومسيحيون» Pagans and Christians، وقد ظهر سنة 1986، ويؤكد فيه أن المسيحيين كانوا يمثلون في نهاية القرن الثالث الميلادي أقلية (قوية فاعلة)، أمام وثنية نشيطة جدا عشية اعتناق قسطنطين للمسيحية؟؟.

وهو طرح أثار ردود فعل كثيرة متشنجة بحكم نتائجه واستلزاماته. إذ يعني التسليم بأن تمسيح الجماهير والقوى الحية للإمبراطورية، هو ظاهرة لاحقة، لا يمكن فصلها عن اعتناق قسطنطين للمسيحية وعن تحويل المسيحية إلى دين للدولة. وهكذا يصبح اعتناق قسطنطين للمسيحية سببا لتمسيح الإمبراطورية (بالإغراء والإكراه) وليس العكس. ويقدِّر لان فوكس نسبة المسيحيين في سنة 312م بـ 4 إلى 5% فقط من مجموع سكان الإمبراطورية، وهو ما يجعل منهم أقلية صغيرة. ومن الكتب العلمية المهمة جدا في تاريخ المسيحية، كتاب “المسيحية نشأتها وتطورها” لمؤلفه شارل جنيبير أستاذ المسيحية ورئيس قسم تاريخ الأديان، بجامعة باريس، ترجمه إلى العربية، شيخ الأزهر د.عبد الحليم محمود. وقد بين المؤلف أن المسيحية بدأت الانفصال عن عقيدة التوحيد، منذ أن دخلها القديس بولص، الذي ترجم كلمة “عبد الله” التي كان المسيح عليه السلام يرددها كثيرا، بـ “طفل الله” التي أنتجت “ابن الله”، لكن الله لا يلد ولا يولد، والابن مولود مخلوق في كل الأحوال لا يمكنه أن يصير هو الآخر إلها.

ثامنا: الكتاب تجميع شمولي لمتفرقات، لهذا غاب المستوى التحليلي الذي يضيف شيئا جديدا يمكن اعتباره بصمة للمؤلفين، على مستوى المنهج الاستدلالي أو العلمي، ولا يمكن مقارنته مثلا بكتاب :” لماذا لا يدحض العلم وجود الله؟” لأمير أكزيل، أو كتاب “الإسلام والإنفجار العظيم ودروين/الأسئلة المزعجة” لنضال قسوم أو كتاب”التوراة والإنجيل والقرآن” أو كتاب “أصل الإنسان بين العلم والكتب السماوية” لموريس بوكاي.

ما يثير الانتباه أن أفكار موريس بوكاي حاضرة بقوة في هذا الكتاب الصادر حديثا، بعد تطبيقها على التوراة والإنجيل لا القرآن. في غياب الشجاعة الفكرية للرد على آراء بوكاي بخصوص استدلالاته على مناقضة بعض آيات الإنجيل للعلم الحديث.

ومثالا على ذلك أقول: يوجد في القرآن من الإشارات العلمية الدقيقة ما يفوق إشارات التوراة والإنجيل. فعلى سبيل المثال، ذكر الكاتبان أن الشعب اليهودي غير المتطور حضاريا هو الوحيد الذي كان يرى في الشمس والقمر قبل 3000 سنة كتلتين مضيئتين فحسب، وسط شعوب العالم التي كانت تقدسهما أو تعبدهما، ونقرأ في الإنجيل:”إن الله خلق النورين الأعظمين الشمس والقمر”. في حين استعمل القرآن في وصفه للشمس مفردة “السراج”، وهو وصف دقيق لما يحدث داخل الشمس، وفق ما يقول به العلم الحديث، عبر توظيف وسيلة إيضاح من الواقع اليومي للعربي في تلك الفترة هي السراج. في حين يوصف القمر بالنور فقط، على أساس أن ضوءه غير ذاتي، بل هو انعكاس لضوء الشمس. فالشمس مضيئة والقمر منير، وفق ما تؤكده اللغة العربية في التفريق بين المضيءوالمنير، مع إيماننا بانعدام المترادفات في اللغات. ما أردت قوله أن بعض الاستدلالات الدينية-الكونية على وجود الله، انطلاقا من الكتب السماوية، تنطبق بشكل أكثر دقة على القرآن الكريم، كما أثبت ذلك الطبيب الفرنسي موريس بوكاي. ولست من الذين يقولون بتناقض حديث التوراة أو الإنجيل عن الشمس والقمر مع العلم الحديث، فقد يكون خطابا عاما يوافق عقول السامعين في تلك الأزمان البعيدة. وأنا من الذين يؤمنون بوجود إشارات علمية في الكتب السماوية، لا نظريات علمية، كما يبالغ في ذلك بعض المتطرفين في بحوث الإعجاز العلمي.

  • في وجوب الثقة بالعلم، والإيمان بحدوده

تاسعا: يسقط الكتاب في حفرة الإيمان بالعلم مجيبا عن كل الأسئلة. هل بإمكان الإنسان أن يمتلك يقينيات نهائية بشأن الحكمة الإلهية من بعض الحوادث العظيمة التي يشهدها هذا الكون؟

الجواب باختصار : لا. والسبب كما يقول أمير أكزيل: لأن تفكيرنا البشري يقع داخل علبة الكون لا خارجها. وفي غياب نظرة كلية خارجية، لا يمكننا فهم كثير من الألغاز المتعلقة بالبدايات والنهايات. وهذه الإحاطة بالكون المخلوق لا يمكن أن تملكها إلا إرادة عليا وحكمة عليا، وهما صفتان من صفات الله الخالق.

ففي سنة 2013 قال العقل الفيزيائي الكبير ستيفن هاوكينغ قبل وفاته: “إن الانفجار العظيم ليس بحاجة إلى الله لكي يحصل “. وكان يقصد أن الانفجار العظيم هو نتيجة قوانين الفيزياء فقط. ولكن ستيفن هاوكينغ لم يجب عن سؤال: من أين أتت قوانين الفيزياء هذه. وهل يمكن للثوابت الفيزيائية أن تكون نتيجة مصادفة عجيبة!!!! مع ملاحظة أن تغييرا طفيفا في واحد منها، يلغي أي فرصة لوجود هذا الكون أصلا.

من الدوائر العلمية المحببة للملحدين: ميكانيكا الكوانتا، أي ميكانيكا الالكترون والبروتون…والجسيمات الصغيرة جدا. فهم يقولون : إن خلق الكون تم دون حاجة إلى الله. ولكن عدم الملحدين هنا هو سحابة كوانتية موجودة سلفا وفق قوانين تحكمها. من أين جاءت هذه السحابة؟ ومن وضع القوانين التي تحكمها؟.

يرى كثير من العقلاء المؤمنين أن هذا الطرح غير عقلاني بالمرة، فالجسيمات الكوانتية،وجدت نفسها مترابطة ثم منفصلة بآلاف الكيلومترات، تتفاعل في تزامن،وبالطريقة نفسها، وهذا يعني انعدام أي تبادل للمعلومات فيما بينها!!!!.

ويمكن الرجوع إلى نظرية الشواش (أو الفوضى) chaos theory لفهم الموضوع أكثر. فرفرفة جناحي فراشة في البرازيل قد تنتج عاصفة في أفريقيا، وليس بإمكاننا التنبؤ بذلك سلفا. لأن هناك متغيرات عديدة، وتَغَيُّرٌ بسيطٌ في واحد منها، يغير النتيجة تماما. الشواش ليس ظاهرة عشوائية، ولا يوجد شيء عشوائي في هذا الكون. ويتميز الشواش بظهور حوادث قصوى غير متنبأ بها علميا تغير الأحداث جذريا، مثل الكويكب الذي قضى على الديناصورات، قبل بعث وخلق الإنسان بملايين السنين. هذه الأحداث العشوائية غير المتنبأ بها، ليست بالضرورة كذلك عند حكمة أعلى بكثير من حكمتنا البشرية.

  • اليهود عرق مقدس !!!

عاشرا: في الكتاب رؤية عنصرية واضحة، في تمييز عرقي مفضوح للعنصر اليهودي، تاريخا وعبقرية وإنتاجا علميا، يعكس حجم الدعاية الصهيونية المهيمنة على العقول في الغرب. رؤية لا تقول بها دراسات جينية ولا نظريات بيولوجية تطبيقية. ينطلق الكاتبان من فرضية أن مصير الشعب اليهودي لا يمكن تفسيره بسلسلة من المصادفات أي بمعزل عن قوة عليا سماوية. فشعب فقير وجاهل حامل لحقائق كبرى يجهلها باقي العالم، ومن هنا فهو شوكة في حلق الماديين حسب الكاتبين، اللَّذين يضيفان:

“الشعب اليهودي هو الشعب الوحيد، من العصور القديمة، الذي حافظ على بلد واحد ولغة واحدة ودين واحد. مثلما كان في بداياته.

-هو الشعب الوحيد الذي نجا رغم تهجيره ونفيه وإبادته مرات عديدة.

-هو الشعب الوحيد الذي عاد إلى أرضه بعد 18 قرنا من نفيه عنها.

-هو الشعب الذي خرج منه الكتاب السماوي الأكثر مبيعا في العالم.

-هو الشعب الوحيد الذي لعب في تاريخ الأفكار والعلوم دورا غير متناسب مع حجمه الديمغرافي.

-هو الشعب الوحيد الذي تعرض لعنصرية معكوسة، أي لاعتقاد أعدائه بأنه متفوق جدا.

-هو الشعب الوحيد الذي يعتقد نصفه أنه شعب الله المختار ومهد مخلِّص العالم، ويملك في الوقت نفسه تكنولوجبا عالمية عالية جدا.

-هو الدولة الوحيدة التي حققت انتصارات عسكرية خارقة تذكرنا ببعض حلقات الكتاب المقدس”.

ويمكن لكل صاحب عقل، أن يرد على هذا المنطق العجيب في الاستدلال بالرجوع إلى كتاب البروفيسور الفيلسوف المسلم روجي غارودي:”الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية”، وهو رد تفصيلي على كل هذه الادعاءات الباطلة.

فاليهود الصهاينة لم يعودوا إلى “الأرض الموعودة” كما يدعون بل اغتصبوها اغتصابا من أهلها بعد أن قتلوهم وذبحوهم وشردوهم ودمروا مساكنهم وصادروا ممتلكاتهم. واليهود ليسوا الشعب الوحيد الذي امتلك حقائق علمية في مرحلة تاريخية معينة انطلاقا من كتاب سماوي، يشترك معهم في هذا كل الشعوب التي استقبلت كتابا سماويا.

كما أن من يقرأ القرآن سيفهم جيدا الأسباب الموضوعية والذاتية، والسنن الحضارية، التي صنعت مآسيهم عبر العصور. وليس الشعب اليهودي الوحيد الذي يعتقد أنه شعب الله المختار. وليست اللغة العبرية الوحيدة التي بعثت من رمادها.

أما عن دور الأقلية اليهودية في إنتاج الأفكار والعلوم، فقد حصل في القرن العشرين فقط لأسباب موضوعية مرتبطة بالبيئة أكثر منها ذاتية. لهذا لا ينتج يهود اليمن والمغرب ومصر والعراق والجزائر وإثيوبيا علما متميزا مثل يهود ألمانيا والنمسا وفرنسا وأمريكا؟ وترجع الدراسات الاجتماعية سبب تفوق اليهود الأوروبيين والأمريكيين في مجال العلوم في فترات ما إلى عامل جوهري هو التعليم والتعلم (لا الاضطهاد) اللذين تفوق أهميتهما عندهم جميع الطقوس الدينية، كما أن أطفال الأقليات يتعرضون لضغوط كبيرة من أهاليهم في أمور التعليم، كالصينيين والمسلمين في أمريكا مثلا.

وللتأكد من هذه الحقيقة العلمية الاجتماعية، ابحثوا عن عدد اليهود الفائزين أو الجامعات الإسرائيلية الحاضرة في ميدالية فيلدس للرياضيات، المكافئة لجائزة نوبل؟ ولا يمكن الحديث عن التطور التكنولوجي والعسكري الإسرائيلي بمعزل عن الدعم الغربي الواضح، فإسرائيل كانت وستظل جماعة وظيفية زرعها الغرب في جسم الأمة الإسلامية لتحقيق مصالحه، على حد تعبير البروفيسور عبد الوهاب المسيري. والأمر نفسه بخصوص الانتصارات العسكرية الإسرائيلية في حروبها ضدالعرب، لم تنتصر إسرائيل لقوتها، بل لغياب جندي مقاوم فعلا، وأنظمة عربية مقاومة حقيقة، والدليل اندحار إسرائيل في الجنوب اللبناني وفلسطين تحت ضربات المقاومة الباسلة وصمودها، في إطار معادلة توازن الرعب.

أما عن العنصرية المعكوسة ضد اليهود فيمكن التساؤل هل تبيح للصهاينة عنصريتهم ضد الفلسطينيين على اختلاف أديانهم. وماذا عن إبادة الهنود الحمر واستعباد السود اللذين قامت عليهما الحضارة الأمريكية؟.

الخلاصة: الكتاب في جزئه الأول، مهم جدا من حيث تجميعه لأدلة علمية فيزيائية وبيولوجية على وجود الله، تسقط كثيرا من خرافات الملحدين والعلمويين، لكنه في جزئه الثاني وقع في دعوة فاضحة تبشيرية وتقديس مرضي للعرق اليهودي، بما يفضح كتلة صهيونية-مسيحية فرنسية مهيمنة على الإعلام والثقافة تشكلت من عقود.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.