منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

علاقتي بالكتاب

علاقتي بالكتاب/ إدريس الكنبوري

0

علاقتي بالكتاب

بقلم: إدريس الكنبوري

العلاقة بالكتب من أكثر العلاقات قوة وديمومة؛ لكن يشملها ما يشمل جميع العلاقات؛ هناك علاقات تستمر وأخرى تنقطع؛ هناك علاقات تنقطع سريعا وأخرى تستمر مدى الحياة؛ مثل كل علاقة مع البشر. هناك بشر ممل وآخر تافه؛ بشر فارغ وآخر تود لو يبقى معك؛ هناك بشر يسعدك وآخر يغضبك. كذلك الكتب؛ توجد كتب تافهة تتعرف عليها ثم تنساها سريعا لأنها لا تستحق صداقتك؛ وأخرى تفضل الجلوس معها بين وقت وآخر لاشتياقك إليها؛ وثالثة تتشاءم من مجرد قراءة عناوينها؛ مثل وجوه البشر؛ ورابعة تصيبك بالغضب وتتمنى لو لم تجلس إليها ربع دقيقة وتندم على الوقت الضائع معها.
فالعلاقة بالكتب كالعلاقة بالبشر؛ وقيل لأحد الصالحين الذي لم يكن يغادر بيته ويقرأ “اخرج لترى الناس” فرد “أو ليس هؤلاء ناسا؟” مشيرا إلى كتبه. وقيل إن الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين عندما حان أجله نظر إلى مكتبته وقال “وداعا يا أصدقائي”.
وبعض الكتب تذكرك بطفولتك أو شبابك؛ قرأتها ثم نسيتها ثم وجدتها في كبرك ثم تذكرتها ثم اقتنيتها فقط لتكون في بيتك؛ وكم حصل لي هذا فكنت أجد بعض الكتب التي قرأتها في طبعة معينة وحين أجدها أستولي عليها لأن غلافها يذكرني بأيام خوال. وأحيانا يتجمع عندك نفس الكتاب في أكثر من طبعة لأنك اقتنيته سابقا ثم وجدته بتحقيق شخص تحبه؛ ثم وجدته بمقدمة شخص ثالث فاقتنيته فقط لتلك المقدمة؛ وأحيانا لأن دارا معينة هي الناشرة. وكنا في شبابنا الأول لا نشتري الكتاب إلا والميكا معه لتغليفه؛ مثل قول المتنبي لا تشتر العبد إلا والعصا معه؛ وأحيانا كنا نشتري كتبا في طبعة سيئة فتتفكك فنأخذ إبرة وخيط السبيب لترقيعه.
ولكن أسوأ ما يحصل للكتب هو الإعارة؛ فكم ضاعت مني من الكتب بسبب هذه اللعنة؛ وربما كان المستعيرون يعملون بفتوى الشيخ عبد الحي الكتاني رحمه الله الذي أباح سرقة الكتب.
وللكتب عشق خاص في قلوب القارئين؛ فكم من عالم بكى لفقد كتاب؛ وكم من عالم غرقت كتبه في النهر؛ وكم من عالم احرقت كتبه ليكون عبرة للجهال حتى لا يتعلموا فتحترق كتبهم؛ وقد جمع العلامة الراحل عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله فوائد جمة في ثلاثة كتب في الموضوع.
ومن الكتب ما هو مضيعة للورق مثل كتب الناقلين؛ وقد قال لي ناشر عربي يوما إن هناك كتبا لا تستحق حتى الورق الذي نضيعه فيها؛ لكننا نطبعها لأن أصحابها يدفعون ثمنها.
وكما يحصل في المال العام الذي يسرق تسرق الكتب أيضا؛ فكم من شخص مهنته الوحيدة إعادة نشر الكتب التي حققها أصحابها وأعموا عيونهم فيها فجاء أحد المهربين وسطا على الكتاب بعد حذف مقدمة المحقق؛ ومن الناشرين من يتصيد فرصة انتهاء الأجل القانوني للكتب القديمة فيعيد نشرها طمعا في المال السهل؛ ولكن أسوأ خلق الله يوجدون في عالم الكتب ويسمون الناشرين؛ لأنهم ينشرون المؤلفين حتى يجف عرقهم ويسرقون حقوقهم؛ وكم من كتاب شريف نشره ناشر حقير؛ إنما أجود الكتب التي يجب أن تبقى معك هي القرآن؛ وأسوأ الكتب التي عليك أن تتبول عليها هي الدساتير العربية.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.