منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

غَايَتِي فِي أَحْرُفِي (قصيدة)

غَايَتِي فِي أَحْرُفِي (قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح

0

غَايَتِي فِي أَحْرُفِي (قصيدة)

بقلم: أبو علي الصُّبَيْح

سَلِ الرِّماحَ عنِ القصيدِ ومقامي
وسَلِ الجيادَ عنِ الصهيلِ أمامي

أنا ابنُ صحراءَ البيانِ إذا مشتْ
فيها الحروفُ تزمجرتْ كضِرامِ

ما صغتُ شعري للموائدِ زينةً
أو كي أُرى في مجلسِ الحكّامِ

لكنْ جعلتُ الحرفَ سيفَ كرامةٍ
ومضيتُ أضربُ هامةَ الأوهامِ

أنا لا ألينُ إذا المذلّةُ أقبلتْ
والحرُّ لا يرضى بعيشِ رُغامِ

خُلِقتْ قصائديَ العتيقةُ من لظى
ومن الحديدِ ومن صليلِ حسامِ

في كلِّ بيتٍ صهوةٌ عربيةٌ
وفي القوافي وثبةُ الضرغامِ

إنّي إذا امتشقَ البيانُ سيوفَهُ
خضعتْ لهُ أسوارُ كلِّ ظلامِ

وأرى القصيدةَ خيمةً منصوبةً
فوقَ الرمالِ بموكبِ الإقدامِ

فيها المروءةُ والوفاءُ عشيرةٌ
والصدقُ شيخُ مجالسِ الأقوامِ

أنا شاعرٌ من طينةٍ ما روّضتْ
يومًا على ذلٍّ ولا استسلامِ

إنّي رضعتُ من المكارمِ نخوةً
ومشيتُ فوقَ مصاعبِ الأيامِ

وأبيتُ أن تمشي القصيدةُ خلفَ من
باعوا المواقفَ في سوقِ الأنامِ

فالبيتُ عندي إنْ تجرّدَ من شرفْ
قبرٌ مزخرفُ ظاهرِ الأحكامِ

والشعرُ إن لم ينتصرْ لمظلمةٍ
عبثٌ يدورُ على شفاهِ نيامِ

ما قيمةُ الكلماتِ إن لم ترتفعْ
كالطودِ في وجهِ الأذى والضامِ

أنا لا أريدُ تصفيقَ قومٍ كلّما
هبّتْ رياحُ الخوفِ صاروا خامي

أنا غايتي أن يستقيمَ بيَ الهدى
ويظلَّ حرفي شامخَ الأعلامِ

اللهُ أوّلُ غايتي ونهايتي
وإليهِ يرجعُ منتهى أحلامي

ولهُ ابتدأتُ قصيدتي متوكّلًا
وبذكرهِ عطّرتُ كلَّ كلامي

هو من وهبنيَ الحروفَ فأصبحتْ
تجري كشلالٍ على أقلامي

فلهُ الثناءُ إذا انتصبتُ مناضلًا
ولهُ الثناءُ إذا طويتُ خيامي

ما المجدُ إن لم يُبنَ فوقَ عقيدةٍ
وتهدّمَتْ فيهِ عرى الإسلامِ

ما العزُّ إن لم يستمدَّ ضياءَهُ
من سجدةٍ في عتمةِ الإظلامِ

وأنا أرى الإيمانَ درعَ قصيدتي
وبه احتميتُ من الأسى وسقامي

والحرفُ عندي إنْ تنزّهَ صادقًا
أمضى من السيفِ الصقيلِ الشامي

كم فارسٍ ماتتْ خيولُ ركابِهِ
وبقيتْ مآثرُهُ مدى الأعوامِ

وكم امرئٍ ملكَ البلادَ بأسرِها
فمضى كأنْ لم يعتلِ الأعظامِ

فالخلدُ ليسَ بخيمةٍ من فضّةٍ
أو بالذهبْ، أو موكبٍ عرّامِ

الخلدُ موقفُ رجلِ صدقٍ حينما
يتراجعُ الجبناءُ خلفَ ركامِ

الخلدُ بيتٌ صادقٌ تتناقلهُ
أفواهُ أجيالٍ مدى الأيامِ

ولعلّ طفلًا بعدَ دهري قارئٌ
بيتي فيكبرُ شامخَ الإلهامِ

ويقولُ: مرَّ هنا امرؤٌ لم ينحنِ
للسوطِ، لا للذهبِ المتعامي

كتبَ الحقيقةَ وهي مُرّةُ طعمِها
وشربَ الأذى في كبرياءِ كرامِ

وأنا أريدُ من القصائدِ أن ترى
وجعَ اليتيمِ ودمعةَ الأرحامِ

وأن تمسحَ الأحزانَ عن وجهِ امرئٍ
نامَ الحنينُ بجرحهِ الدامي

وأن تكونَ للأمِّ عندَ انكسارِها
دفءَ المساءِ وراحةَ الآلامِ

وأن تكونَ للأبِ الأبيِّ قصيدةً
تبقى على مرِّ الليالي سامي

وأن تكونَ لكلِّ حرٍّ رايةً
تهتزُّ فوقَ مواكبِ الإقدامِ

أنا لا أرى الإنسانَ يُوزنُ مالُهُ
فالمالُ يمضي مثلَ طيفِ منامِ

لكنْ يُقاسُ المرءُ عندَ شدائدٍ
بثباتهِ وبموقفٍ مقدامِ

كم من غنيٍّ لا يساوي درهمًا
يومَ الوغى أو ساعةَ الإصدامِ

وكم الفقيرُ وفي ضلوعِهِ نخوةٌ
لو قُسّمتْ لسمتْ على الأقوامِ

والمرءُ يُعرفُ في الليالي إنْ عرتْ
ريحُ المصائبِ مجلسَ الأفهامِ

إنْ قامَ قامَ كأنّهُ جبلُ المدى
وإذا مضى، مضى كحدِّ حسامِ

وأحبُّ قومًا في المروءةِ شيمةٌ
ورثوا الوفاءَ عن الجدودِ الكرامِ

قومٌ إذا نادى المنادي أقبلوا
مثلَ الصقورِ على ذُرى الآكامِ

قومٌ إذا استنجدتَهم في كربةٍ
سبقوا السؤالَ بعزّةِ الإكرامِ

لا يخذلونَ الصاحبَ المتعبَ إنْ
ضاقتْ بهِ الدنيا وضجَّ ظلامي

تلكَ الصحابةُ غايتي في مجلسٍ
لا صحبةُ المتلوّنينَ اللئامِ

وأنا ابنُ أرضٍ في الترابِ حكايةٌ
وفي الحجارةِ كبرياءُ مقامِ

فلسطينُ في دمِ القصيدةِ مهجةٌ
والقدسُ فوقَ جوانحي ووسامي

والزيتونُ يعرفُ أنني من طينِهِ
والتينُ يعرفُ رائحةَ أيّامي

والكرملُ العالي يعرفُ خطوتي
والبحرُ يحفظُ رجعَ صوتِ كلامي

والأقصى إن مرّتْ عليهِ قصائدي
شمّ العروبةَ في شذى أنغامي

أرضي وإن شقّوا الترابَ وجدتمُ
اسمي واسمَها متعانقَ الأعلامِ

ما كنتُ أبيعُ ترابَها لو صيّروا
لِيَ الصحارى كلَّها من سامِ

هيَ غايتي بعدَ الإلهِ ومهجتي
وعليها كتبتُ أعزَّ مرامي

أنا شاعرٌ إن هبّتِ الهيجاءُ في
زمنِ القصيدِ لبستُ ثوبَ ضرامِ

وركبتُ حرفي مثلَ مهرٍ أدهمٍ
ومضيتُ في ليلِ الخطوبِ أمامي

ورفعتُ راياتِ البيانِ كأنّها
بيضُ السيوفِ تلوحُ في الإظلامِ

لا أستشيرُ الخوفَ في خطواتيَ الـ
كبرى ولا أستفهمُ الإحجامِ

إنّي وجدتُ الموتَ أهونَ من يدٍ
تمتدُّ تستجدي رضا الأقزامِ

ووجدتُ عيشَ الحرِّ يومًا شامخًا
خيرًا من العمرِ الطويلِ الذامي

ووجدتُ أنَّ الكلمةَ الحرّى إذا
خرجتْ تُزلزلُ دولةَ الظلّامِ

فكتبتُها نارًا، وكتبتُها صدىً
وكتبتُها نخلًا على الآكامِ

وكتبتُها للحقِّ عهدَ مقاتلٍ
ما خانَ يومًا بيعةَ الأعلامِ

إنْ متُّ يومًا فادفنوا جسدي، ولا
تدفنوا القصيدةَ في الثرى الرّامي

دعوا قصيدي في الفضاءِ مجلجلًا
ليظلَّ بعدي صارخَ الإلهامِ

فالجسمُ يفنى، والبيانُ إذا سما
يمشي على الدنيا مدى الأعوامِ

كم شاعرٍ أكلَ الترابُ عظامَهُ
وبقيتْ قصائدُهُ على الأيامِ

وإذا سألتم عن بقايا شاعرٍ
فاقرؤوا مواقفهُ، لا عظامي

هذا أنا، والحرفُ عندي بيعةٌ
وعقيدةٌ، وكرامةُ الأقلامِ

لا أبتغي إلا رضا ربّ العلا
وبه أختمُ غايتي وكلامي

واجعلْ إلهي خاتمَ العمرِ الذي
أرجوهُ سجدًا طاهرَ الإكرامِ

واغفرْ ذنوبي إن أتيتُكَ خاشعًا
فالعفوُ عندكَ غايةُ الآثامِ

واجعلْ قصيدي شاهدًا لي أنّني
ما بِعتُ حرفي في سوقِ الأنامِ

وإذا انتهى عمري، فحسبِيَ أن يُرى
أثرُ المواقفِ فوقَ وجهِ أيّامي

ويقالُ: هذا شاعرٌ جعلَ العُلا
غايةَ القصيدِ، وموطنَ الإقدامِ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.