المسلمون وغياب ثقافة الاختلاف (ج1)
بن سالم باهشام أستاذ العلوم الشرعية
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
مقدمة
من المفزع أن أطالب الجميع أن يكون خلفي في صفي، وإلا فهم أهل الخطأ الذين لا يعرفون للصواب طريقا، هذا الأمر يتجلى واضحا في أمور الدين، فيلاحظ هذا في الكثير من العلماء المعاصرين إلا من رحم الله، ويسري هذا في أتباعهم، وهذا أمر مزعج ومرهق وخطير على الفرد وعلى المجتمع، فأين ثقافة الاختلاف التي هي من المفترض أن تسير بها حياتنا؟. لهذا قبل أن نبدي رأينا في أية مسألة مستجدة في أمور ديننا، لابد أن نؤصل لآدب الاختلاف، حتى لا تضيع جهودنا في الرد، والرد على الرد وهكذا…
الاختلاف سنة إلهية
الاختلاف سنة إلهية ماضية، كائنة موجودة، وستبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ،(سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 62]، الاختلاف حقيقة نراها بأعيننا كل يوم، بل كل لحظة في حياتنا، بحيث لا يجتمع الناس على ملبس واحد، ولا مشرب واحد، ولا بيت واحد، ولا اقتناع واحد، ولا تعليم واحد، وهكذا في كل شؤون الحياة.
ضرورة تربية النشء على سنة الاختلاف
من المؤسف أن الكثير من الآباء لم يربوا أبناءهم على سنة الاختلاف التي فطر الله عليها الناس جميعا، ولم يزرعها كثير من الآباء في نفوس فلذات أكبادهم، لهذا من الطبيعي ألا يراها الطفل في صغره ، وبالتالي لا يشب عليها، وبهذا يترسخ فيه أنه الوحيد الذي ما إن يتكلم حتى يصمت الجميع، وأن رأيه هو الصواب، وكل رأي يخالفه يعتبر خطأ.
دعوة الاسلام إلى احترام الرأي الآخر
الإسلام دين الفطرة، قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا، فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم: 30]، ولَكَم هو عظيم هذا الدين الذي حافظ على هذه الفطرة السليمة، بل صانها وحصنها، وانظر إليه وهو يتعامل مع الأمر بواقعية، فيفتح باباً عظيماً اسمه التماس الأعذار ، ويدعو الجميع ليتعايش مع من يختلف معه، بل إنه وضع الحصانة لمن أخطأ في اجتهاده، فقد روى البخاري ومسلم، عن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إذا حكم الحاكم واجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد) أخرجه البخاري ( 7352 )، ومسلم ( 1716 ) واللفظ لهما. فالنبي صلى الله عليه وسلم يضع حصانة لمن أخطأ طالما أنه بذل أقصى ما في وسعه في اجتهاده، وبالطبع بعد أن توفرت فيه شروط الاجتهاد.
الخاتمة
إذا كان هذا هو الأدب الإسلامي مع المجتهد المخطئ، فلماذا لا نقبل الرأي الآخر الذي يجتهد أن يكون على صواب مثلك تماماً . (يتبع)