منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سبل تجاوز سرديات الكراهية بين السنة والشيعة

الدكتور أحمد الزقاقي

0

سبل تجاوز سرديات الكراهية بين السنة والشيعة
بقلم: الدكتور أحمد الزقاقي

ما دام البعض يجرُّنا جرا إلى الجدال المذهبي مع إيران، ويحثنا على تصفية الحسابات التاريخية والسياسية معها قبل الحديث عن أي اصطفاف أو تحالف لمواجهة البربرية الصهيونية، نخبره بأننا فعلنا ذلك منذ سنين – وما زلنا- من موقع النقد البناء، والحرص على تقريب الشقة، وإرساء أسس التفاهم والتعاون، مع مراعاة السياقات ومقامات الحديث، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتجاوز سرديات الكراهية في التراثين السني والشيعي وهذا ما يستدعي التنبيه على الأمور التالية:

1. لقد انبثق سوء الفهم الكبير من سردية سياسية حول مسالة “الإمامة”، ثم أُلبست لبوسا دينيا بالاستقرار على مبان فقهية وكلامية وعقدية وأصولية، واستظهرت بالنصوص والفؤوس للدعاية والترويج لا سيما بعد الانقلاب على الخلافة الراشدة،

2. ادعى كل طرف “التميز” عن مخالفيه، ومارس “التمييز” ضدهم، وتم اللجوء إلى استغلال حديث “الفرقة الناجية” لإثبات الاختصاص بالنجاة ، والارتقاء إلى مرتبة “فرقة الله المختارة” جريا على “سنة” من ادعوا أنهم “شعب الله المختار”.

3. نقل الإعلام التقليدي والرقمي المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة من الاشتباك المذهبي والاقتتال الطائفي لاسيما بعد أن أثبت “المعول الطائفي” نجاعته في إفشال “الربيع العربي” والقضاء على أي أمل في التقارب والتفاهم .

4. يسلك مشروع تجاوز سرديات الكراهية في التراثين السني والشيعي ثلاث مسارات:

– مسار نقلي لضبط الأصول : من حيث الاتفاق على مرجعية مشتركة، وروايات مشتركة، ومعايير مشتركة لتقييم الرجال والمتون.

– مسار عقلي لضبط الفهوم : من حيث مواجهة بقايا التيارات الإخبارية الشيعية، ومواجهة الفهوم الجامدة على حرفية الأقوال والأفعال والأشكال في أوساط السنة، وهي فهوم ترعاها دولة البترودولار والترفيه.

– مسار عاطفي لضبط المشاعر :من حيث مراجعة مضامين سرديات “المقتل الحسيني”، والطريقة التي يحيي بها الشيعة كربلاء وأيام “الأئمة”، ومعالجة الانحراف الذي طال المجالس والمواعظ الحسينية التي لم يكن لها من هم غير “الرغبة في الخروج من سياق الوعظ والتحليق في خيال الفاجعة” على حد عبارة الشهيد مرتضى مطهري (في :الملحمة الحسينية 16/1)، واجتثات السنة لرواسب “النصب ” الأموي قديما عند أمثال أبي بكر بن العربي في كتابه (العواصم من القواصم) عندما خطأ الحسين في خروجه على الحاكم الظالم وقال عنه: “طلب الابتداء في الانتهاء، والاستقامة في الاعوجاج، ونضارة الشبيبة في هشيم المشيخة (…) وما خرج إليه أحد إلا بتأويل، ولا قاتلوه إلا بما سمعوه من جده المهيمن على الرسل” (العواصم من القواصم ص 173)، وحديثا عند تيارات تعتمد التحريض والتحريش بين المسلمين (المداخلة ومن يلف لفَّهم).

5. آفتان تعيقان عملية تجاوز سرديات الكراهية في التراثين الشيعي والسني، الآفة الأولى تنتشر في عالم التشيع وهي “آفة العوام” أي مجاراة علماء ومراجع التقليد الشيعة لأذواق “مقلِّديهم” ، وتنتشر الآفة الثانية في عالم التسنن وهي “آفة السلطان” أي الاستبداد الذي تعاني منه جل الأقطار “السنية”،وقد جمع القول في الآفتين الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله فقال:” إن مسايرة علماء أهل السنة والجماعة للسلطان، ومسايرة علماء الشيعة للعامة الذين منهم أرزاقُهم وعليهم اعتمادُهم، يُفسر سقوط الأمة في «دسيسة» تاريخية خافية وبادية. العالم الشيعي المرجع له أتباع، وعالم القصر له أطماع، ذاك تسلط عليه أتباعه، وهذا أرْدَتْهُ أطماعه.والحاكم الغاصب والرعاع السائب مناخ ملائم للاستخفاف والتحريف والانحراف” (الإحسان 133/2).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.