حاجة المغاربة إلى تأسيس مجتمع مدني راشد وقوي
حاجة المغاربة إلى تأسيس مجتمع مدني راشد وقوي/ رشيد بغدادي
حاجة المغاربة إلى تأسيس مجتمع مدني راشد وقوي
بقلم: رشيد بغدادي
تطور مفهوم المجتمع المدني مع تطور الشعوب الغربية حتى أصبح واقعا ملموسا ،يلتجئ إليه أصحاب المصالح المشتركة لبناء رأي عام موحد. فكل دولة ديمقراطية كانت أو غير ذلك تسعى إليه بعيدا عن مصدر القرار السياسي .فهو مدني بالدرجة الأولى وراق لإبراز المواقف الخاصة أو عندما تتعارض آراؤه مع القرار السياسي.إلا أنه في الدول العربية لا يمكن الحديث عن مجتمع مدني ،لأن الأنظمة المتحكمة تستعمله عند الحاجة وبالطريقة التي تريدها ،فهو شكلي في الواقع لا يؤخر ولا يقدم،ولا يعبر عن تطلعات الشعب ولا عن همومه.فكيف السبيل إذا إلى تأسيسه مستقلا عن دوائر القرار السياسي ؟ وماهي مهامه ؟.
تعريف المجتمع المدني
المجتمع المدني عندغرامشي:” هو مجموعة من البنى الفوقية، مثل النقابات، والأحزاب، والصحافة، والمدارس، والكنيسة، ويعتبر أن الفاتيكان أكبر منظمة خاصة في العالم، ويفصل بين أدوار ومهام المجتمع المدني ووظائف الدولة، ويفسر ذلك المفكر الألماني المعاصر “يورفن هابرماس” بقوله إن وظائف المجتمع المدني في مفهوم “غرامشي” تعني الرأي العام غير الرسمي، أي الذي لا يخضع لسلطة الدولـة”. (1)
تشير منظمات المجتمع المدني إلى جمعيات ينشئها أشخاص تعمل لنصرة قضية مشتركة (2).وهي تشمل المنظمات غير الحكومية والنقابات العمالية وجماعة السكان الأصليين والمنظمات الخيرية والمنظمات الدينية والنقابات المهنية ومؤسسات العمل الخيري(3)
المجتمع المدني عند الجابري “هو مجتمع المدن وأن مؤسساته هي تلك التي ينشئها الناس بينهم لتنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية فهي إذن مؤسسات إرادية أو شبه إرادية يقيمها الناس وينخرطون فيها أو يحلونها أو ينسحبون منها “(4)
ويتبين من هذا التعريف أن المجتمع المدني له رأي عام غير رسمي ومستقل عن السلطة السياسية و له حرية الانتقاد واتخاذ المواقف الخاصة وهذا في الأنظمة الديمقراطية عندما تتدخل الدولة لتنظيم عمل المجتمع المدني التي تتظافر فيها الجهود وتتكتل لصناعة رأي عام من أجل الصالح العام.إلا أنه عندما نكون في دولة غير ديموقراطية يكون جميع ما ذكر من منظمات المجتمع تابعة ومسلوبة الإرادة إن لم تكن جميعها فمعظمها كما هو الحال في الدول العربية ولا يشذ عنهم المغرب والذي هو موضوع دراستنا .
الواقع السياسي بالمغرب
الحديث عن المجتمع المدني في المغرب هو الحديث عن أزمة إرادة وممارسة وأزمة مفهوم،هو حديث عن خصوصية الشعب المغربي ومكوناته المجتمعية الإثنية والجمعوية والسياسية ، وحديث كذلك عن النظام السياسي القائم المتحكم في كل العملية السياسية بالبلاد بنص قوانين دستورية ممنوحة وبدون منافسة تذكر والمعروف باختصار باسم المخزن، المهيمن الرئيس على كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والسياسات العمومية ذات التوجهات الكبرى للبلاد.
إن الحاجة لتأسيس تنظيمات وطنية مستقلة تعنى بمختلف مجالات الحياة الأساسية وتدافع عن مصالح المجتمع ابتداء،أصبحت ضرورة وملحة مادام في البلاد مروءات ورجال ونساء صادقين وفعاليات منزهين عن الأفعال الدنيئة ولا ينقصهم إلا التنفيذ وأخذ المبادرة والتنظيم، فالكل يعلم تراجع الدولة في توفير متطلبات الحياة الكريمة والحاجيات الضرورية للسكان وفساد الذمم واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء ولجوء الحكم إلى تسييس القضاء وتقليص صلاحيات عدة مؤسسات حكومية وتشريعية وإبقاء السيادة والقداسة في محيطه.
إن انبطاح واصطفاف كثير من المثقفين من مختلف المشارب والتوجهات مع النظام القائم في الدولة وابتعادهم عن التهمم للوطن والمجتمع والدفاع عن مصالحه ، هو تطبيع ضمني وصريح مع الفساد والاستبداد والتخلي عن مبدأ المحسابة وربطها بالمسؤولية وصمت فظيع عن جملة من الخروقات السياسية والحقوقية تعبر عن تردي جلي عن ما آلت إليه السياسات العمومية اليوم.
يعرف المغرب اليوم تحولا كبيرا في العمل السياسي و لاحظنا أحزابا وطنية تحولت من أحزاب مناضلة إلى أحزاب إدارية إصلاحية بعد المشاركة السياسية من داخل المؤسسات الرسمية ،فتقلصت دائرة المتعاطفين معها وخبا صوتها بل لا تكاد تجد لها ريحا في دنيا التدافع السياسي. فأصبحت دكاكين سياسية وانحرفت عن خط التأسيس والأحلام الإديولوجية واتسعت الهوة بينها وبين الشعب وانشغلت بمصالحها تدافع عنها وعن السياسات العمومية غير الشعبية. وربما تدخل صناع القرار في المغرب في الشأن الحزبي ونصبوا الأمناء والكتاب العامون في سابقة لم يشهد للتاريخ السياسي في المغرب لها مثيل .
المغرب أصبح مسرحا للإفلات من العقاب ،لقد أبطأ هذا السلوك التغيير المنشود في البلاد. لأن الطرف الآخر المعارض الذي يمثل بعض التنظيمات وثلة من المثقفين وهم قلة الذين آثروا الاصطفاف مع الشعب،فآراؤه مصادرة وهو محصي الأنفاس والحركة ،في بلد حرية التعبير فيه تعتبر منحة من الحاكم لا حق ،تحاكم الآراء المخالفة لتوجه النظام القائم بتهم جنائية جاهزة ومفبركة ، تستعمل السلطة السياسية القضاء تارة كورقة للضرب على أيادي الخصوم أو بالإغراءات وشراء الذمم تارة أخرى.
تستعمل الدولة ضد أحرار الوطن الوسائل السمعية البصرية المعروفة بولائها للنظام القائم ، تسم السباحين ضد تيارها بما شاءت ، أو الإشهار بهم لثنيهم عن الخوض في السياسات العمومية للدولة أو الدفاع عن حقوق الناس المهضومة أو السؤال عن ثروة البلاد الحقيقية ؟
سلاح توجهه الدولة لإخضاع النشطاء “لبيت الطاعة” أو إسكاتهم وتسويق سياستها باعتبارها النموذج الرائد، و تستعمل الدعم المادي كورقة استقطاب تنظيمات لتجميل صورتها أو لسيرورة وضمان الولاء الدائم لها، وكل هذا مع الأسف يؤدي إلى إخماد حيوية العمل التطوعي وتقليص التنظيمات الجمعوية والسياسية الجادة وتشجيع أخرى تسعى وراء الريع. صرح أحد الوزراء المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم حكومة بنكيران أن أزيد من 97% من الجمعيات لا يقدم أية وثيقة رسمية عن مصاريفه، أو أعماله، أو ما نفذه من مبادرات وأنشطة وبرامج وما سواها.(5)
في النظم السياسية الديمقراطية تستمد الدولة قوتها من عاملين رئيسيين اثنين هما: التداول الحقيقي على مركز القرار و السلطة والاعتناء بحقوق الإنسان الجماعية والفردية . في حين أن دول الاستبداد تعمل جاهدة على الحفاظ على العروش والكراسي بكل الوسائل،تحتفظ بموجبه على جميع السلط ،تعمل على تفكيك وإضعاف الأحزاب السياسية و العمل السياسي وجعله بدون منافسة تذكر،
يتصدر المخزن المشهد السياسي في المغرب على أنه هو الفاعل الأول فيه وغيره تبع ، وأن تصرفاته تبرر دائما على أنه يعمل للصالح العام ، حكم شمولي وسلطة مطلقة. أما الحكومات ” المنتخبة ” المتعاقبة فهي نتاج لأحزاب إدارية وأخرى وطنية شكلية أسست لغرض واحد وهو إضفاء الشرعية للنظام القائم بدون صلاحيات حقيقية لتطبيق ما وعدوا به في فترة الدعاية الانتخابية . مسيجة بقوانين دستورية ممنوحة. تتعاقب على أدوار “المعارضة” في البرلمان الذي أنشأ خصيصا للمصادقة بنعم على الملفات السياسية الحارقة .مسرحية مكشوفة هدفها الإلهاء والإيهام بالتغيير من داخل المؤسسات ولكن الحقيقة غير ذلك، هي دوامة سياسة الإخفاق وتكرارالفشل وتجريب المجرب والتاريخ شاهد على ذلك والضحية هو الشعب المستضعف المكلوم واستنزاف خيرات البلاد وهدر الوقت واستبطاء التغيير.
إن احتكار الدولة للعمل السياسي والاجتماعي وتعسير طرق إنشاء قنواته والتعسف في استعمال السلطة ضد المعارضين،أنتج دولة ضعيفة ومجتمعا مستهلكا لا منتجا، لا يواكب مجريات الحياة والتطور المنشئ للتغيير، كما حصل في فترة الربيع المغربي سنة 2011 ، وهناك دول في القارة الآسيوية عاشت نفس ظروف الاستعمار واستقلت مع المغرب في نفس السنة إلا أن هذه الدول تقدمت وتطورت وأصبحت دولة مصنعة ذات الدخل الفردي العالي،وتأخر المغرب ولا يزال بعد مضي نصف قرن من خروج المستعمر من البلاد.
الإكراهات وسبل تأسيس المجتمع المدني
يصعب على الغيورين في المغرب حلحلة المشهد السياسي المتصف بالجمود أوالتعبير عن آمال الشعب والانتصار لإرادته. فالتقارب من أجل تأسيس مجتمع مدني أو قوة وازنة وطنية وسياسية مستقلة عن كل إملاءات داخلية أو خارجية مشروطة، هوعمل منشود ونتيجة حتمية في دولة المنع كما أسلفنا.ومن أجل سن سياسة معينة نافعة أو الضغط لإسقاط قوانين مجحفة كالزيادة في أسعار المواد الغذائية أو إبطال الزيادة في سن تقاعد الموظفين أو إغلاق مكتب الاتصال الصهيوني بالرباط وإسقاط التطبيع، أو الطلب بتوسيع هامش الحريات العامة … وغيرها من المطالب والمصالح الضرورية المغيبة، يحتاج إلى وعي ونضج فكرة التعاون والتضامن والقبول بالآخر وإنشاء مجتمع مدني مبني على التعددية الفكرية للأفراد وتأسيس تنظيم على منوال جماعات الضغط في البلدان الغربية ذات المصلحة المشتركة أولا، ثم نبذ الخلافات الإديولوجية والسياسية المعيقة لكل تقارب ثم تشكيل رأي عام قابل للإنجاز لتسهل التعبئة والحشد المطلوبين له في ربوع الوطن و اختيار الوسائل السلمية المثلى لصناعة هذا الرأي ومن ثم استقراره في ذاكرة أغلبية المغاربة والضغط به في الأخيرعلى السلطة السياسية للقبول بمشروعية المطالب وتحقيقها على أرض الواقع.
إن التنظيمات شبه السياسية في المغرب كالنقابات العمالية أو المهنية ، انخرطت بوعي وبدون وعي في مسلسل الاحتواء من لدن السلطة السياسية ،مستغلة هذه الأخيرة الانقسام الواقع في صفوفها وتأثير الشأن الحزبي لمواقفها ومجريات أدائها والعزوف عن العمل النقابي الواضح من لدن الشغيلة. وان كانت النقابات هي الأكثر تمثيلية إلا أنها لا تملك الاستقلالية بل هي روافد حزبية معينة، لذلك يصعب في المغرب التحدث عن فعل نقابي قوي وضاغط أو تنسيق راشد بين المكونات النقابية ولو في بعض الملفات المشتركة والشائكة لأنه سرعان ما يتبدد هذا التوحد في أول فرصة اختلاف بينهم،بينما يظل الانقسام والتبعية السياسية والتعصب الإديولوجي في بعض النقابات والإقصاءهو سيد الموقف.
إن تجربة العمل المشترك الحقوقي بين حساسيات حقوقية وسياسية في المغرب علمانية وإسلامية أو تجربة عمل الجبهة الوطنية لدعم فلسطين وضد التطبيع تجربتان تستحقان الدراسة ، لأن سرعة الاستجابة وإبراز المواقف ضرورية لتبيان خطأ تسويق الدولة لفكرة الإجماع الوطني تحت أية يافطة ودونه يغرد خارج السرب،وتشكيل مثل هاته التنظيمات يبين أن شريحة كبيرة من المغاربة وإن كانت ذات إديولوجيات مختلفة إلا أن لها رأيا خاصا بها، وهي تدافع عن قضايا الأمة وعن الأبرياء والمظلومين الذين وقعوا فريسة الظلم إلى درجة سلب حرية أحرار الوطن لمجرد تدوينة يؤمن أصحابها بما يعتقدون أنه صواب وماداموا يؤمنون بالسلمية كمنهج لإبراز مواقفهم من القضايا المعاصرة فلم المحاكمات؟ ثم السؤال حول تراجع الدولة من موقفها المبدئي من القضية الفلسطينية ووضع يدها مع يد السفاح الصهيوني الغاصب والسماح له بامتلاك الأراضي في المغرب واستغلال خيراتها أو التطبيع معه اقتصاديا وثقافيا وسياسيا. وهي خيانة في اعتقاد المغاربة والعالم الإسلامي. إن تطبيع الدول العربية السابق باء في بالفشل ولم يجن أصحابه أي عائد يذكر إلا ما كان من استقواء الحكام بالخارج على شعوبهم لتثبيت عروشهم على الحكم.
إن محاولات التقارب المحتشمة بين الحساسيات السياسية في المغرب لم ترق بعد إلى تكوين مجتمع مدني راشد وقوي يسعى إلى تأسيس جبهة وطنية أوجبهات متنوعة نسائية أو مهنية مدنية متنوعة ضاغطة، فتجربة 20 فبراير مثلا لم تنجح في إسقاط الفساد والاستبداد رغم تكتلها النسبي وتوسعها الجغرافي ونضال دام مدة عام في ربوع الوطن ،اضطر معها النظام لتغيير بعض من سياساته، إلا أن عدم نضج التنسيق والتوحيد بين المكونات السياسية العلمانية والإسلامية في الحركة وعدم انخراط المثقفين في الحراك رغم ضرورته إلا بنسبة ضئيلة، ظنا منهم عدم جدوى الحراك أو فشله في الأوطان العربية ومآلاته غير المحمودة أو مخافة تهمة التآمر التي دأبت الدوائر المقربة من السلطة ترديدها ، ففوتوا على المغرب فرصة التغيير المنشود وازداد النظام شراسة وتغولا بعد سنة 2011 ،التف على مطالب الحركة ؛القلب النابض للبلاد والضمير الحي للشعب آنذاك؛ وأنتج دستورا ممنوحا زاد من صلاحيته وأجهز على طموحات الشعب كما حصل مع أحرار حراك الريف وأصحاب الرغيف الأسود في جرادة واعتقال بعض الصحافيين وأصحاب المنابر الحرة.
نفس الشأن كذلك هي تجربة الجبهة الاجتماعية المغربية،بعد مضي قرابة أربع سنوات على تأسيسها لم نر قبولا شعبيا لهذا التحرك ولاتغييرا في السياسات العمومية المجحفة للدولة، وهذا راجع بالأساس ليس فقط إلى قوة الاستبداد وتسلطه ولكن أيضا إلى طبيعة ومواقف مكونات الجبهة ذات التوجه اليساري الأوحد في التنظيم ، فهي جبهة شكلية تضخمها الأوراق المؤسسة وترفض توسيع دائرة الانخراط وانضمام المكون الإسلامي الذي يجمع المتتبعون على أنه القوة المعارضة الكبيرة الأولى في المغرب، فتقزيم عدد الجبهة الاجتماعية المغربية وسلك منطق الإقصاء لا يخدمان حراك “الجبهة” بحال من الأحوال بل هذا السلوك ينفس على النظام عندما تتفرق الجهود ويزيد من حيرة الشعب عندما يرى هذا الأخير تباينا كبيرا في المواقف في الشارع وتعددا في وجهات نظر حول القواعد المعقدة لسبل التغيير في البلاد. وكذا مطالبها التي لاتخرج على كونها إصلاحية عندما تستبعد مشكل الحكم الذي هو المشكل الأساس في الأزمة السياسية في المغرب وتكتفي بالمطالبة بإصلاحه.
كل تنظيم له الحق في اختيار مبادئه ومواقفه شريطة عدم تسفيه الآخر، فالعدو المشترك هو الطغيان والاستبداد والفساد والجهل …، وتختلف الرؤى حول كيفية مواجهته. والهاجس الذي يطرحه البعض هو حول ماهية الدولة التي نريد؟ لكي يبنوا عليه التحالفات والنضالات والمواقف. والجدير بالذكر تحديد من عليه طرح هذا السؤال، هل المثقفون أم الشعب ؟ إذا كان المثقفون فهو الاستبداد بعينه وتكرار مآسي الرأي الواحد وطريق الهيمنة الفكرية والتسلط . وإذا كان الشعب فهي إذن مهمة صعبة وأمر شاق ،لأن الشعب غُيب منذ مدة عن مسرح الفعل السياسي والبناء ويحتاج إلى احتضان المثقف له وتعليمه وتأهيله . وقد رأينا إبان الربيع العربي كيف أن الدولة العميقة ألبت الشعب ضد شباب الحراك، وأسقط حلم التغيير باستغلال الجهل وبشراء الذمم أو بتصفية الحسابات … من سيبني الدولة الحديثة ؟ هل المثقف أم الشعب ؟ هل يكفي إصدار مرسوم لتغيير الأمور ؟ هل سنكتفي بتكوينات لترسيخ القيم والمواطنة ؟ فالدولة القوية والحديثة تبدأ بالإنسان الذي أصبح كما مهملا نظرا للسياسات السابقة ،سياسة الاستهلاك والهيمنة .فكيف يمكن جعل الإنسان في قلب التغيير والتأهيل لينهض بأعباء دولته ؟ دولة تقطع مع التخلف والظلم اللذين هيمنا على الشعوب العربية والإسلامية قرونا.
إنها تربية أجيال و إعمار وبناء . هذه التربية يشترك فيها الجميع علماني وإسلامي وغيرهما من أهل البلد الواحد . بناء نهضوي يبدأ برص اللبنات في دولة حديثة وديقراطية تسع الجميع.
إن الإديولوجية لا تبني وطنا غنيا وقويا ، فهي ربما تساعد على ذلك ،لأن توليد الإرادات وإيجاد السواعد المتهممة للمشروع وانخراط الغيورين من ذوي التوجهات الأخرى والمروءات بدون إقصاء، يحتاج إلى وعي لقلب الموازين بهذه القوى لصالح الشعب في اللحظة الفاصلة ولأن البلد ربما يكون على شفا هاوية لا ينفع معها إذ ذاك أي حسرة ولا تنسيق و لا عويل ولا تسويف، كما هو حال الحرب التي أحدثها جنرالات السودان والإجهاز الكامل على ما بقي من حلم السودانيين وما حصل ويحصل في عديد من الدول العربية وما آلت إليه الأوضاع بعد الانقلاب على إرادة شعوبها .
إن جهد تأسيس التنظيم يبدأ بفهم الآخر وتكوين قيادة مؤقتة أولا و تحتاج هاته القيادة إلى أمور نبسطها فيما يلي :
– الإجماع على فكرة منشأها حب وإرادة التغيير والتجديد ،تترجم على شكل مشروع مجتمعي يجمع الأفكار والمشاريع المتفق عليها من أهل البلد على مرأى ومسمع من الشعب مشاركا ومنظرا واحترام خياراته .
– تنظيم وتأهيل جيل البناء الخلاق والسواعد التي لا تمل ولا تكل.
– تخطي عقبات البناء وعدم استعجال التحديث.
كل دولة قوية تبدأ بالتقارب الشعبي مع فخر الهوية والانتماء للوطن وتقسيم ثرواته بالتساوي والتداول الإيجابي على السلطة. وهذا حال الدول الديمقراطية ونتيجة طبيعية لجهد البناء والتأسيس. وكان الأجدر في الدول المتخلفة ذات الحكم الاستبدادي أن تتظافر جهود النخبة أكثر وتعمل على تجاوز المعيقات الفكرية وعقبات الاستبداد،لتجتمع وتبني مجتمعا مدنيا قويا، يقوض دعائم الاستبداد وينتشل الشعب من أنياب الجهل والفقر . فلا تكفي النيات الحسنة مع إصرار التفرقة والإقصاء فالرابح هنا هو الاستبداد وعصر اليوم هو عصر التكتلات والمصالح المشتركة وبناء الدولة المغربية الرائدة المستقبلية يجب أن تنسب إلى من وضعوا لبنات التأسيس الجديد لبنات العزة والكرامة .
الهوامش
(1) الحبيب الجنحاني، المجتمع المدني وأبعاده الفكرية، سلسلة حوارات لقرن جديد
(2) المعهد الديمقراطي الوطني للشؤون الدولية”مصطلحات المشاركة المدنية”
(3) تعريف البنك الدولي
(4) تساؤلات وافاق وعي المجتمع بذاته عن المجتمع المدنيفي المغرب العربي .عبدالله حمودي
(5) أكذوبة المجتمع المدني بالمغرب يحيى اليحياوي