العلامة محمد محمد أبو موسى
العلامة محمد محمد أبو موسى/ عبد الهادي المهادي
العلامة محمد محمد أبو موسى
عبد الهادي المهادي
عندما اكتشفتُ علي عزت بيجوفيتش ـ متأخّرا ـ ذات ليلة من عام 2013م، استيقظتُ في الصباح الموالي وأنا أرفع صوتي عاليا في الناس أنّني حصلتُ على كنز معرفي حقيقي، وأنّ الذي وجدته عنده قد دوّخني وسحرني.
وقد حكيتُ قصتي معه في مقال نشرته تحت عنوان “إلى الذين لم يقرؤوا بعد الإسلام بين الشرق والغرب”. اليوم أعيد الكرّة وأُعْلي عقيرتي، وفرحُ الدنيا يسكن فؤادي؛ أني وقعتُ على صوتٍ مُفردٍ وبصمة نادرة؛ صوت كنت قد عرفته قديما، ولكنني لم أنتبه لفَرادَتِه، ربما بسبب عامل السن، وربما بسبب ذوقيَ الخاص الذي كان في طور التّبَرْعُمِ لا يزال؛ ذلكم هو العلامة محمد محمد أبو موسى؛ رجل يوزن علمُه وذوقُه وتأملاتُه ولوامعُه بميزان الحُبّ.
كلامه في الدّرس والمحاضرات كما في الكُتب والمقالات ذو سَمْتٍ عالٍ يقطف من قبس النّبوة وأسياد التعبير. سحرني هذا الأنيق أثناء تَنْقيره في أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز.
لا وصف يناسبُ علمَه، ولا نعت يُلائم أدبَه سوى الثّراء، ثراء ـ حقيقة وصدقا ـ لا يليق سوى بالأكابر. في كلمة واحدة: إنّه يعلّمك كيف تتذوّقُ اللّفظ وتعشق المعنى، ويسحبك من فؤادك ويَقْطُرُك خلفَه نحو الشّهد لتَرْتَعْ وتزهو وتنمو وتزهر ثم تثمر.
قضيتُ هذه الأيام صُحبة هذا الرجل، مرّة أشاهد دروسه، ومرات أطالع كتبه، والله تالله بالله إنه كان يجعلني أكره الخروج إلى الشارع أو الذهاب إلى العمل، لأن ذلك كان يُخرجني من جنّات المعاني الرّقيقة ويقذف بي إلى الواقع الغليظ القبيح… ولكن لا جدوى من المُمانعة، فلابد مما ليس منه بدّ !