العلاقة التفاعلية بين العقل والنقل في الدراسات القرآنية
بسم الله الرحمن الرحيم
إن نظرية التأطير للعلاقة التفاعلية بين العقل والنص في الدراسات القرآنية تحيى رغما عنا، فالفقهاء والعلماء اتفقوا على أن النص القرآني نص موحى به باللفظ والمعنى، نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وحيا عن طريق جبريل عليه السلام، فلم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم أي دور في صياغته (لفظا ومعنى) بل كان دوره هو التبليغ، بمعنى أن القرآن الكريم نص نقلي إلهي المصدر والتشريع، لكن ما يحير الأذهان هي تلك المعركة الحاصلة بين العقل والنقل والتهم التي تصيب مركزية القرآن الكريم في خدمة المجتمع، ومواجهة كل مقتضيات العصر تأكيدا على أن القرآن الكريم صالح لكل زمان.
من وجهة نظري أن مشكلة العقل والنقل هي مشكلة بين التراث الإسلامي والفكر الغربي، ترتبط بشكل وثيق بالتكوين الفكري والثقافي لعلماء المسلمين، فظهرت بشكل جاد بعد الترجمة اليونانية التي تؤمن بالمنطق الصوري الذي يعطي للعقل إمكانية أكثر مما يستحق، وهذا يمكن أن نقول هو الدافع القوي لهذا الجدل الذي يطرح إشكال عريض وهو: ” هل الجدل الحاصل بين العقل والنقل أو الدين والحداثة يحتاج منا إلى حل فوري حاسم؟ أم أنه ذو طابع أبدي، كل جيل يحمل على عاتقه مسئولية الحديث عن هذا الجدل أو هذا الصراع الفكري والعملي إن صح التعبير.
فالنظرية الإسلامية للوحي كانت ولا زالت مهيمنة على الساحة العلمية والحقل الثقافي، وهذا دليل على أن التخلف لم يهيمن؛ لأن به يتراجع التساؤل وتكثر الأجوبة الجاهزة التي لم تبن على علم أو فهم؛ ولهذا فإن علينا استخدام المزيد من الأسئلة حول تشخيص المسألة التي نعاني منها، والتأكيد بأن النص القرآني الذي قال به الوحي عن العالم والإنسان والعالم الآخر، هو ذاته الذي أطلق عليه عقل النص الذي لا ينازع العقل في مجالاته فقط بل في كل المجالات الحيوية، وعندا نقول عقل النص فنحن نعني به الذاتية الكامنة في النص، أي يفسر ويؤول نفسه، دون تدخل آلية عقلية ومنطقية، والجدير بذكره في هذا المقام أن علماء كثر تحدثوا عن العلاقة التفاعلية بين العقل والنص، ومنهم ابن تيمية رحمه الله حيث قال: ” كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فإنه موافق لصريح المعقول، وإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، ولكن كثيراً من الناس يغلطون إما في هذا وإما في هذا، فمن عرف قول الرسول ومراده كان عارفاً بالأدلة الشرعية، وليس في المعقول ما يخالف المنقول.. وكذلك (العقليات الصريحة) إذا كانت مقدماتها وترتيبها صحيحاً لم تكن إلا حقاً، لا تناقض شيئاً مما قاله الرسول.”، والإمام الغزالي اعتبر العقل نورا إلهيا في الصدر، يساعد الإنسان على الفهم والإدراك، حيث قال: ” إن من ظن من الحشوية وجوب الجمود على التقليد، وإتباع الظواهر ما أتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر” بمعنى أن الخوض في العلاقة التفاعلية بين العقل والنقل لابد فيها من تحديد الخطوط العريضة بين ما هو عقلي ونقلي، حتى نؤكد بأن العقل خادم للنقل ولا تعارض بينهما.
وبهذا نقول أن قعود بعض علماء الأمة ومجتهديها عن تحمل مسئولياتهم قد فتح الباب على مصراعيه للغلاة والمتشددين والجاهلين، الأمر الذي عم بلاؤه واشتدت وطأته، وكما قال سيد قطب في كتابه معالم في الطريق حيث قال: ” إن القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يقبل عليه بهذه الروح: روح المعرفة المنشئة للعمل، إنه لم يجئ ليكون متاع عقلي، ولا كتاب أدب وفن، ولا كتاب قصة وتاريخ- وإن كان هذا كله من محتوياته – إنما جاء ليكون منهاج حياة، منهاجا إلهيا خالصا.”
فالقرآن الكريم منهج حياة يخدم مصالح الأمة؛ لأن العلاقة بين العقل والنقل في التراث الإسلامي ليست علاقة تضاد وتناقض، فالعقل يوصل الإنسان إلى الله تعالى، وبهذا يقول حجة الإسلام الغزالي: ” لا معاندة بين الشرع المنقول والعقل المعقول..فمثال العقل البصر السليم من الآفات، ومثال القرآن الشمس المنتشرة الضياء.”
بالتوفيق للكاتبة موضوع رائع