منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في الحاجة لرؤية حضارية لتجديد منهج كتابة السيرة النبوية

عبد الإله عوبيد

0

في الحاجة لرؤية حضارية لتجديد منهج كتابة السيرة النبوية

الباحث عبد الإله عوبيد

كلية الآداب، جامعة السلطان مولاي سليمان، بني ملال

حاولنا في مقالات سابقة تتبع الإرهاصات الأولى لنشأة السيرة النبوية؛ سواء في مرحلة تنزل هذه السيرة واقعا عمليا تجسد في الفعل النبوي الشريف قولا وفعلا وتقريرا وحركة مجتمعية خلدها التاريخ شاهدة على توهج حضارة الإسلام ورقيها، أو فيما استجد في تاريخ المسلمين من عناية بعلومهم وتدوينها، ومن جملتها السيرة النبوية، وكيف أن علماء الأمة وهم بصدد هذا التهمم بالسيرة وأحداثها، قد وجهوا النظر للتأريخ والمغازي وضبط المتون والمسانيد دون النفوذ لعلل هذه الأحداث من أجل استهلال سننها في التغيير الحضاري.

وإذا كانت حاجة المسلمين ماسة في الفترة الباكرة من تاريخهم لاستخلاص الدروس والخصائص الخادمة للتغيير الحضاري، وإذا كان ما يشفع لهم في تقاعسهم عن هذا الاستخلاص ما كان للأمة وقتئذ من صولة ومِنعة حضارية، فواقع المسلمين في اللحظة الراهنة وما تعيشه الأمة من تردي على مختلف المستويات أدعى للبحث عن قراءات جديدة للسيرة النبوية الشريفة تستحضر البعد الحضاري وتتجاوز القراءات التراثية القاصرة.

دخلت الأمة منذ زمن ليس بالقصير في منعطف حضاري خطير كانت من أبرز تجلياته التراجعات التي شهدتها الأمة وفي مختلف المجالات، فبالإضافة لحالة الضعف والوهن الذي ذب لجسد الأمة وجعله في حالة جمود وتخلف عن الركب الحضاري، زيادة عن المطامع الخارجية الساعية لتجريد المسلمين من سلطتهم وحريتهم، فإن أمراض حضارية أخرى تناوشت جسم المسلمين تجلت فيما هو عقدي وفكري تصوري، إضافة لتحديات اجتماعية وتربوية مختلفة.

فكان الحديث عن السيرة النبوية كمدخل أساسي للتغيير ضرورة حضارية من منطلق أن “سيرتَه العَطِرة بما فيها من شمائل نبويَّة، ومعجزات محمديَّة، ووقائع مصطفويَّة – مَعين ثَرٌّ، ويَنبوع صافٍ متدفِّق، ويرتوي من نميره كلُ من أراد السلامة من لُوثات الوثنيَّة، والنجاةَ من أكدار الجاهليَّة والدليلَ الهادي لباغي الصلاح والخير، والـمَثَلُ الأعلى للأسلوب البليغ، والدستورُ الشامل لكل شعَب الخير؛ بل هي الشمس الساطعة والسنا المشرقُ، والمِشعل الوَضَّاء، والنورُ المتألِّق الذي يُبدّد ظلمات الانحرافات العقـديَّة والسلوكيَّة والاجتماعيَّة وسواها”[1].

لقد مثَّلت اللحظة التاريخية الحديثة والمعاصرة لحظة فارقة في تاريخ المسلمين وحضارتهم، هذه اللحظة التاريخية التي يجمع الدارسون على ابتدائها من عصر النهضة الأوروبية وما رافقها من صحوة فكرية معرفية وُسِمت بحركات الإصلاح الديني، والتي كان اهتمامها بالبحث عما تنبعث به الأمة من أزمتها الحضارية.

 لم يحظ علم من العلوم الإسلامية بالحظ الذي نالته السيرة النبوية دراسة وتدوينا ومراجعة، ولعل هذه السعة والوفرة في التدوين مرجعها البحث عن منهج جديد يقدم السيرة النبوية مجيبة عن الانتظارات والأسئلة الملحة المطروحة بإزاء ما تعانيه الأمة من تراجعات ومراجعات، وإن الأمة المحمدية اليوم ـ كما يقول رشيد كهوس ـ “في أمس الحاجة إلى دراسة السيرة النبوية والاعتزاز بها، والأخذ بما فيها من سنن الله المطردة؛ لترتفع إلى مكان السيادة والقيادة، وتتحمل مسؤولية تبليغ رسالة الإسلام وأخلاقه وتعاليمه وخصاله إلى البشرية جمعاء ليعود كل الناس إلى الصراط المستقيم”[2]

يشير محمد الغزالي رحمه الله وهو ممن اشتغلوا بالسيرة النبوية تدوينا وتحقيقا يشير للتوجه السائد في تدوين السيرة النبوية في اللحظة الحديثة، ويقترح رحمه الله ما يجب أن يكون عليه منهج التأليف فيقول: “ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس قصة تتلى في يوم ميلاده كما يفعل الناس الآن، ولا التنويه به يكون في الصلوات المخترعة التي قد تضم إلى ألفاظ الأذان، ولا إكنان حبه يكون بتأليف مدائح له أو صياغة نعوت مستغربة يتلوها العاشقون ويتأوهون أو لا يتأوهون! فرباط المسلم برسوله الكريم أقوى وأعمق من هذه الروابط المكذوبة على الدين. وما جنح المسلمون إلى هذه التعابير في الإبانة عن تعلقهم بنبيهم إلا يوم أن تركوا اللباب المليء وأعياهم حمله فاكتفوا بالمظاهر والأشكال.”[3]

لذا فالقراءات الجديدة للسيرة النبوية، والكتابات المتجددة المهتمة بحياة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام تسترعي تجاوز الوقوف عند هذه الأشكال والمظاهر التي انتقدها الغزالي، وهي الأشكال التي تُفرغ السيرة من محتواها الباني والمشيد للحضارة كما كانت تطبيقا عمليا زمن النبي عليه الصلاة والسلام.

“إن الجهد الذي يتطلب العزمات هو الاستمساك باللباب المهجور، والعودة إلى جوهر الدين ذاته. فبدلا من الاستماع إلى قصة المولد ـ يقصد السيرة ـ يتلوها صوت رخيم، ينهض المرء إلى تقويم نفسه وإصلاح شأنه حتى يكون قريبا من سنن محمد صلى الله عليه وسلم في معاشه ومعاده، وحربه وسلمه، وعلمه وعمله، وعاداته وعباداته.”[4].

هذه الدعوة التي وجهها محمد الغزالي توحي بواجبات المرحلة كما تصورها الرجل ومن هم من جيله، دعوة توضح في مجملها الواقع الذي ساد في المرحلة المعاصرة والمتسم بالتراجعات في مختلف المجالات الحضارية، وهو ما جعل الدعوة لتجديد النظر في تجديد التدوين في السيرة النبوية على ضوء مستجدات العصر ضرورة ملحة وواجب الوقت العيني.

هذا البعد التجديدي في السيرة النبوية الآخذ بالاعتبار هذا العمق الحضاري هو الذي يجب “استدعاؤه وجعله شاكلة ثقافية تشكل الذهنية الإسلامية إلى الكثير من الجهود والتعميق والتأكيد والتكرار والمراجعة والمشاورة والمشاركة وإعادة قراءة النص ـ ومن جملته نص السيرة النبوية ـ بأدوات ووسائل منهج النبوة حتى يتضح في الذهن وتتضح معالمه..، وعندها نأمل أن يشكل سبيل الخروج والانعتاق من وهدة التخلف واسترداد الفاعلية وبعث روح الأمة من جديد واكتشاف أفق حضاري متجدد”[5].

وبالفعل، فقد كانت الفترة المعاصرة والحديثة ولّادة ثرية بالعديد من الكتابات والمؤلفات التي حاولت من خلال التأسيس على السالف فيما يرتبط بالسيرة النبوية، ومحاولة صياغة رؤية معاصرة تتناسب ومطلب اللحظة، وتعددت منطلقات المشتغلين على تجديد التدوين في السيرة النبوية بين المنهج الإصلاحي الذي ظهرت إرهاصاته مع نهاية القرن التاسع عشر مع جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده وما عرف لاحقا بمدرسة المنار، كما كانت الكتابات التي عُنيت بدراسة وتجديد الكتابة في السيرة النبوية تتسم بالنفس الحداثي بعد ظهور المد اليساري تحديدا في مصر وغيرها، ف “لا مراء في أن هذه المرحلة التاريخية كانت محضنا لتأليف عديدة في سيرة النبي محمد، تأثرت بفكرة الثورة القومية العربية والاشتراكية، بل إن بعض رجال الثورة انخرطوا في التأليف عن الرسول.”[6]

هذا بالإضافة للكتابات الاستشراقية التي نشطت منذ نهاية القرن التاسع العشر وعلى امتداد القرن العشرين، والسمة الغالبة والنتيجة التي كانت تحمل هذه الكتابات أنها كانت: “أبحاثا تحمل اسم السيرة وتتحدث عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وتحلل حقائق الرسالة، ولكنها ـ يقينا ـ تحمل وجها وملامح وقسمات مستمدة من عجينة أخرى غير مادة السيرة وروح أخرى غير روح النبوة ومواصفات أخرى غير مواصفات الرسالة.”[7]

لقد كانت هذه الكتابات التي أغنت الساحة الفكرية الإسلامية في اللحظة المعاصرة، وفي قطبي العالم الإسلامي القطب السني والشيعي بالإضافة للكتابات الغربية والاستشراقية خصوصا في السيرة النبوية كل ذلك أسرَ في هذه المرحلة على المحاولات وبغض النظر عن مقاصدها من أجل صياغة رؤية جديدة للسيرة تواكب حاجيات الأمة وتخرجها من أزمتها، إذ “لا يخلو عصر من العصور إلا وللسيرة في عرضها وبيانها منه نصيب، إما بتدوين أو شرح أو تقريب، وفي زماننا تمس الحاجة إلى تمام الرعاية ووافر العناية بسيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم بتقريبها للأذهان، وعرض دروسها وعبرها؛ لينتفع بها في معالجة معضلات هذا الزمان.”[8]

حاجة الأمة الملحة لتجديد العديد من الحقول العلمية والمعرفية التي شكلت حضارتها، وكان للجمود والتقليد الذي شاب هذه الحقول فأحالها إلى جزء من الأٍزمة في الحضارية في الوقت الذي كان يجب أن تكون جزء من الحل، هذه الحاجة شملت القراءة الشمولية للسيرة النبوية من أجل تجاوز القراءات القرونية التي تعاملت مع السيرة وفق السياقات والظروف التاريخية الخاصة بها، والحاجة أكثر إلحاحية لسيرة نبوية تعود بإنسان هذا العصر للنموذج النبوي الخالد دونما وسائط.

يقول الشاهد البوشيخي: “حاجةُ البشرية اليوم إلى نموذج ابن آدم المثاليِّ الكامل، حاجةٌ قوية جدا اليوم، لأن صورة المسلم ما عادت موجودة على الوجه الصحيح في الكرة الأرضية، وصورة غير المسلم أشْكَالٌ من التشوه للآدمية، والبشريةُ تتخبَّط والمسؤولُ الأول هم مَنْ يُسَمَّوْن بالمسلمين، لأنهم حَجَبُوا عن الناس الحقَّ بأشكال متعددة من الحجْب سواء في الفهم السَّيِّئ أم في الممارسة السَّيئة، أم في التديُّن البالغ السوء، منعوا الناس من رؤية الحق في الصورة البهية الشهية”[9].

إن هذه الرؤية الحقانية البهية الشهية التي يدعو لها البوشيخي وغيره، تستدعي تظافر الجهود وتكاثفها من أجل إعمال النظر في السيرة البهية للنبي الكريم عليه الصلاة والسلام بحثا عن تلك المؤسسات التي كانت عاملا مؤثرا في تحقيق التغيير الحضاري الأول زمن النبوة، فيكون المحرك للتغيير الحضاري المقترح هو الاستفادة من هذه المؤسسات لتجاوز واقعنا المأزوم.


[1] محمد معاذ القاسمي، السيرة النبوية وواقع الأمة، مجلة الداعي عن دار العلوم ديوبند ـ الهند، العدد 7 رجب 1438 أبريل 2017م، ص 35.

[2] رشيد كهوس، التجديد في دراسة علم السيرة النبوية في ضوء السنن الإلهية معالم ومرتكزات، مصدر سابق، ص 155.

[3] محمد الغزالي، فقه السيرة، دار الشروق القاهرة مصر، د.ت د.ط، ص 6 ـ 7.

[4] المصدر نفسه، ص 7.

[5] عمر عبيد حسنة، المنهج السنني أفق حضاري متجدد، مصدر سابق، ص 6.

[6] حسن بزاينية، كتابة السيرة النبوية لدى العرب المحدثين، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء المغرب، ط1 2014 م، ص 65.

[7] عماد الدين خليل، المستشرقون والسيرة النبوية، دار ابن كثير بيروت لبنان، ط1 1426هـ 2005م، ص 8.

[8] محمد يسري، التجديد في عرض السيرة النبوية مقاصده وضوابطه، دار اليسر للنشر والتوزيع القاهرة مصر، ط1 2009 م، ص4.

[9] الشاهد البوشيخي، حاجة الأمة إلى السيرة السنة، مجلة المحجة العدد 391 أبريل 2013م، ص 42.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.