صائد الميركافا
بقلم: إدريس النعيمي
فوق قطعة أرض أشبه بعلبة سردين، متنفسها الوحيد ساحل بحري شكل على الدوام مأساتها، فكان ومنذ القدم نقطة عبور الغزاة المحتلين، واليوم لم يتغير شيء من ذلك الوضع الحزين، بل ازداد سوءا بعد أن أطبق جيش الهاغانا بحصار خانق على هذا الساحل، حتى لو أرادت صغار السلاحف العودة للبحر بعد ولادتها لكان القصف مصيرها، لذا فقد ألقت السلحفاة الأم في روع صغارها أن العودة مستحيلة وأن البقاء تحت الرمال خير لها من أن تعيد سيرة آباءها الممتدة لملايين السنين.
أما من جهة الجنوب فالمعبر الوحيد لاستنشاق نسيم الحياة لدى ساكنة هاته الأرض المحاصرة هو في ملكية توأم شقيق، ظل ولقرون الحامي الحصين لها من تربص الطامعين، إلى أن قرر “سيد الخداع” الحاكم المحكوم أن يقلق هذا المتنفس ويقطع شرايينه تمهيدا لصفقة تسليمه إلى عدوه وهو بالرمق الأخير، ليجهز عليه هذا الأخير المحمل منذ ثمانين عاما بشر مستطير.
على طرف علبة سردين تلك تمتد صحراء تحمل رياح الموت الحارة، تنفث نيرانها القادمة من فوهات الدبابات الرابضة هناك، والمستعدة لإطلاق نيرانها على أي جسم متحرك يطل برأسه من أرض العلبة المحاصرة، حتى أضحت الأمتار الفاصلة بينهما مقبرة لرؤوس طيور فصلت عن أجسادها وهي تتبع غريزتها في استكمال هجرتها الأزلية ، بينما أثر أسراب النمل تغيير مسالكها عموديا ، مفضلة تعديل نمط حياتها والحفاظ على وجودها بعدما تأكدت يقينا أن “جيش الهاغانا” هذا لا يشبه في شيء “جيش سليمان الذي حذرت منه النملة الجدة باقي النمل بمروره جوار مستعمرتها ، بل نطقت حفر همه النملة الشهيرة بكلمات مفادها أنها شاهدت بأم عينها رؤوسا مقطوعة لنملات عبرن الحدود خطأ فكانت نهايتهن الأليمة رغم تحذير من طرف سلحفاة معمرة فضلت هي كذلك أن تحفر غارها عموديا عوض اتباع سنة أجدادها في الهجرة والرحيل نحو الصحراء الذي أضحى أمرا مستحيل.
لكن العنكبوت استطاع الإفلات من هذا الحصار المميت، كان يملك قدرة هائلة على التمويه جعلته سيد التخفي، فقرر أن ينشئ أنفاقا لو أراد الجني الأسود فك رموزها لما استطاع إلى ذلك سبيلا، استغرق منه العمل سنوات طوال، وجهدا وتخطيطا عظيما كان يبدو في البداية أنه ضرب من المحال، حفر عميقا حتى وصل أسفل تحصينات “جيش الهاغانا ” الرابض خلف التلال، بل إن بعض أنفاقه وإمدادات خيوطه تجاوزت نیران الدبابات المجهزة بأحدث الاستشعارات، وحينها أعلن أنه حان الوقت لكي تفتح علبة السردين تلك أسرارها وتوجه ضربة قاتلة لمن اعتقد يقينا أنه قد أطبق حصارها …
كان يحيى الفتى الصغير المتقد الذكاء يتابع بشغف والده المولع بنسج قصص متخيلة للأطفال، يدعمها برسومات مبسطة حتى تتضح الرؤيا وتستوعب الحكاية فتنتقل بيسر عبر الأجيال، ولعل أكثر ما ألهبت خياله هي قصة العنكبوت هاته، دفع به خياله الجامح أن يوسع فيها ولم لا أن يحاكيها بعد أن يعمل على تحويلها من أوهن البيوت كما هي صفة بيوت العناكب، إلى أشد البيوت الخفية تماسكا وتعقيدا ودهشة وإثارة للعجائب …. شمر الفتى عن السواعد، وسار على نهج والده في إتقان التخطيط وإجادة رسم قد يعود به ما بالفوائد، بل إنه نقل أفكاره إلى أقرانه ممن ولدوا في أرض ” علبة السردين” المحاصرة منذ سنين، فكون فريق عمل من صغار المهندسين، مهمتهم الأساسية الانقلاب على قوانين الطبيعة بتصاميم هندسية خارقة ترعب الغزاة المحتلين.
وكذلك كان انتقل يحيى ورفاقه حينما تقدم بهم العمر، ومسهم الحصار وجور الأسر إلى ما اتفقوا عليه من تخطيط عازمين على حفر أنفاق سرية بأعجوبة هندسية متشابكة كل يستحيل معها عبور “جيش الهاغانا” حين يستفيق من جنون العظمة ووهم الذي غلفته به نفسه الأمارة بكل سوء…
لقد أسس يحيى العربي ورفاقه مجدا بخيوط العنكبوت، وشيدوا مدينة أنفاق رهيبة أسفل ” علبة السردين” التي أضحت مستعدة لمواجهة عدوها وآلات حصاره الجهنمية طريق أنفاقها نقطة الضوء الوحيدة لمتنفسها وصمودها، والآن بعدما قرر “جيش نا” الإجهاز على ما تبقى من حياة فيها بعد حصار سرق من عمره سبعة عشر حاملة لتنبعث العنقاء من رمدها، ويحول يحيى ورفاقه رماد الحصار إلى شرارة نار هذا القاتل الجبار.
جن جنون الجيش المنهار، وألقى عبر طائراته مئات الآلاف من القنابل بكل أنواعها على ” علبة السردين” الصامدة في وجه عصابة الأشرار، ممن هبوا لنجدة “جيش تا” المهزوم ليل نهار تمنوا فقط لو قبضوا على يحيى وبعض رفاقه ممن أذاقوهم هزيمة والخيبة والانكسار، لكن وعوض أن يخرج يحيى العربي أطل عليهم من فوهة رعب في عينيه شرر ونار.
تسلل فتى نحيف الجسم، بسيط الملبس سليل شعب جبار، لا تبدو عليه أمارات الخوف ولا هو آبه بما سيواجهه من موت يترصده على بعد أمتار، قفز من مدخل الدين بخفة ورشاقة كأنه فتى الأقدار، بدون سترة واقية للرصاص إلا من قذيفة محلية الصنع حرص يحيى العربي ورفاقه على أن يطلقوا عليها اسما يغيض الكفار، إنها “الياسين” التي حملت اسم الشيخ المؤسس، والأب الروحي شهيد أمة الأحرار.
رفع الفتى الطائر القذيفة فوق كتفه، واتجه كالسهم الخاطف نحو دبابة “المركافا” التي شاع عنها أنها الساحقة، والقاصمة، والسابقة واللاحقة، والتي لا يشبهها في الصنع صانع، ولا يملكها في العالمين مشتري ولا بائع… ورمز جيش شاع عنه أنه لا يقهر والأكثر نفير، وأنه لم يسبقه جيش بمثل ساديته منذ أن هبط أبونا آدم وأمنا حواء بعد غواية إبليس، وأن قادته هم ورثة هذا الأخير بل هم تجسيد له في الشر والقتل والتدمير.. صوب الفتى القذيفة نحو المركافا بإحكام، وهو يرتل فواتح سورة ياسين بيقين تام، بدا الوحش الأسطوري ذي السبعة ملايين دولار وقد استسلم لقدره والنيران تلتهمه التهاما، بل وتحرق طاقمه الذي كان يظن إلى حين الدنو من النفق أن دبابتهم تلك هي الأكثر أمان.. كل ذلك تهاوى في لحظة لا توازن بين المركافا والفتى الطائر، ذاك الذي حلق في الأعالي وهو يعود إلى مدخل النفق مكللا بالمجد الذي ناله أسلافه منذ الزمن الغابر.. وحدها تكبيراته ظلت تصدح في الأجواء، وكلماته المزلزلة تصدح في جو السماء:
- ولعت.. ولعت.