منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المرض النفسي من منظور أنثروبولوجي(2)الصحة النفسية والمرض النفسي

الدكتورة فاطمة الزهراء الحواري

0

المرض النفسي من منظور أنثروبولوجي(2)

الصحة النفسية والمرض النفسي

الدكتورة فاطمة الزهراء الحواري

إن موضوع المرض النفسي من الموضوعات التي تجدب إهتمام كل من الأطباء وعلماء الاجتماع من ناحية، وعلماء الأنثروبولوجيا من ناحية أخرى، وذلك اعتبارا لما للمرض من علاقة وطيدة بالعوامل الاجتماعية، فهناك العديد من المتغيرات الطبيعية والاجتماعية والثقافية التي تساعد على الإصابة بالمرض.

فحالة الإنسان الصحية هي في الواقع نتاج تفاعل البيئة الاجتماعية و الثقافية والطبيعية ,إذ أن تدني الحالة الصحية للكثير من الأفراد ,وإنتشار الأمراض يعد نتاجا لأسلوب الحياة ,و العديد من المتغيرات كالجهل و الأمية و المعتقدات و الممارسات الشعبية و السحرية ,الموجودة في كل مكان سواء عند الريفيين أو الحضر ,فالمعتقدات موجودة و في كافة الطبقات و على كل المستويات ,وميدان الأنثروبولوجيا الطبيعية هو الذي من شأنه دراسة و بحث هذه المعتقدات ,و المأثورات الخاصة بالصحة والمرض .وكذلك ما يحدث من تدخلات عضوية وغير عضوية للمرض .وكنتاجا للأبحاث الأنثربولوجية نجد أن المرض أصبح يعرف تعريفا بيولوجيا ,و إجتماعيا ,وثقافيا يختلف بإختلاف المجتمعات و الثقافات .

المفهوم الثقافي للمرض

يذهب “أكركنيشت Akerknech [1]أن لكل ثقافة منظورها وتطورها الخاص بها من (المرض)، فالمرض وعلاجه على الرغم من أنهما عمليتان بيولوجيتان من التاحية المجردة، إلا أن بعض الحقائق المرتبطة بهما تعتمد على تحديات المجتمعات والحقائق الاجتماعية، أكثر من إعتمادهما على الحقائق الموضوعية. وبالتالي فالمرض مفهوم ثقافي في المرثبة الأولى ويختلف من مجتمع لآخر، ومن ثقافة لأخرى، كما يذهب “فوستر” إلى أن المرض مفهوم نسبي يختلف من ثقافة إلى أخرى ,فلكل ثقافة تفسيراتها و معتقداتها الخاصة بها .

فالثقافة هي التي تحدد للمريض تقييمه و تصوره لحالته المرضية وردود أفعاله تجاه المرض فهو إما يذهب للطبيب ,أو يذهب للمعالج المحلي أو الساحر ,أو يتجاهل تماما أعراض مرضه ,ويؤكد “فوستر “أن تقييم المريض و سلوكه تجاه مرضه أمر يختلف بإختلال الخلفية الثقافية و الاجتماعية .كما أنه لكل مجتمع نظرية خاصة به عن المرض وهي مشتقة أساسا من نظرية الحالة الطبيعية التي من المفترض أن يكون عليها الإنسان ,و هذه النظرية نسبية تختلف من ثقافة لأخرى ,و بالتالي فإن هذه النظرية نابعة من التصورات و الأفكار الأساسية التي يكونها السكان عن الكون و العالم و الحياة ,على هذا الأساس يصعب تعريف المرض تعريفا واحدا محددا ,وذلك لأن ما يعتبر مرضا في مجتمع ما لا يعد كذلك في مجتمع آخر ,وكذلك فإن مفهوم ,سكان المجتمع للمرض و المرتبط بالثقافة يختلف عن المفهوم العلمي له ,وذلك لأن الثقافة تعد مسؤولة عن تحديد و تشكيل إدراك السكان لمفهوم المرض ,و أسبابه وطرق علاجه، فمما لا شك فيه أن المعتقدات التقافية والإديولوجية لها أعمق التأثير على الطريق التي يدرك بها السكان المرض. وكمثال على ذلك في قبائل (أوروبا الموجودة بجبال أطلس المغرب) حيث يعتقد أن للوقاية ولعلاج مرض الجدري لابد وأن يقوموا ا باستشارة إله الجدري لكي يخبرهم عن كيفية علاج هذا الوباء عن طريق إقامة بعض الطقوس والشعائر الخاصة لعلاجه، كما أنهم يؤمنون بعدم جدوى الطب الحديث في علاج الجدري والحصبة.

ومن هنا فإن مفاهيم المرض تعبر عن اتجاهات عديدة في الثقافات المختلفة فمنها ما يعبر عن الوصف العام للمرض، ومظاهره وأعراضه، وتصنيفه وأسبابه، والأحكام الأخلاقية للمرض، ويشهد مجتمعنا المغربي أمثلة كثيرة على هذه الأحكام الأخلاقية، فنحن نقول عن المرض بأنه إبتلاء من الله لعباده الأخيار، وهو نقمة إلا هية تنصب على العصيان وهي أحكام تهم الفرد والمجتمع وتتصل بأسباب المرض ومظاهره ومعانيه ونتائجه.

 المرض النفسي في نظم طب السلالات.

هناك إختلاف في تصنيف المرض وذلك بسبب إختلاف الحدود الثقافية للشعوب.

فبعض الأعراض والظواهر تعتبر أعراضا وعلامات واضحة للمرض في المجتمع ما وفي نفس الوقت نجدها علامات للصحة بالنسبة لمجتمعات أخرى، وقد لا تكون ذات أهمية بالنسبة للآخرين وقد أعطى “أكرنشت”)[2]( مثلا  لمرض الأسيبروشين (نوع من البكتيريا حلزونية الشكل وتسبب مرض الزهري) وهو مرض جلدي منتشر بين الهنود القاطنين شمال الأمازون، والذي يؤدي الإصابة به إلى بثور في الجلد وهي علامات الإصابة بالمرض، وتعامل هذه الحالة بشكل طبيعي.

وكذلك بالنسبة إلى مرض الملاريا الذي إنتشر في وادي المسيسيبي في أواخر القرن العشرين، حيث نجد أن المريض بالملاريا ليس مريضا من خلال نظرة المجتمع لذلك لا توجد أي عناية أو رعاية له، كما لا يتم القيام بتحصين الأصحاء ضد هذا المرض.

كذلك لدى بعض الفئات المصرية نجدهم يعتقدون بأن المرض يجب أن يكون مصحوبا بالألم وبالتالي فإن البلهارسيا مثلا وبعض الأمراض الطفيلية لا تعتبر مرضا، وبالتالي لا تحتاج إلى علاج.

ورغم هذه الأمثلة فإن ذلك لا يعني أن عملية التشخيص في أنظمة الطب الشعبي أقل حساسية لعلامات وأعراض المرض مما يجعلها أقل كفاءة في عملية التشخيص في الطب الحديث. ولكنها في الواقع قد تكون أكثر أو أقل حساسية، وبتحليل مجموعات المرض في مجتمعنا نجد أن حتى الأمراض الطفيلية والفيروسية يمكن تشخيصها وعلاجها من فبل الطب التقليدي خاصة ومناطقنا غنية بالأعشاب العلاجية.

المفهوم البيولوجي للمرض.

للمرض معاني بيولوجية عديدة منها: أنه فقدان الإحساس الجسمي والنفسي العاديين وذلك على حد تعبير “باتريك وسامبلر” ونظر إليه “أو بيري” على أنه حالة تكيف الجسم مع الظروف الداخلية والخارجية القاسية وغير العادية، كما عرفه “سنو show ” أنه يحدث نتيجة قصور عضوي وظيفي[3] .

و في التعريف البيولوجي للمرض يجب التفرقة بين داء المرض و حالة المرض فالأول يؤكد على دراسة المرض كعمليات فسيولوجية بحتة خاصة بوظائف الأعضاء , و المرض هو ذلك الإختلال في وظائف الأعضاء ,فهو مصطلح يشير للحالة المرضية للجسم الإنساني أو جزء منه ,أما المفهوم الثاني فهو مفهوم ثقافي يعني أن المرض هو إنحراف عن الحالة الصحية الطبيعية و مع هذا فهو مفهوم يهتم بالمعتقدات الثقافية المتعلقة بالمرض وذلك لأن مدى حدوث المرض و تأثيره ظاهرة ثقافية و إجتماعية و على هذا الأساس نجد أنه بينما يؤكد المفهوم الأول على الحالة الفسيولوجية إلا أنه نجد أن المفهوم الثاني واسع المدى يشير إلى إدراك السكان في ثقافة معينة لانحراف الحالة الفيزيقية و النفسية للجسم .

و قديما كانت وجهات النظر الطبية ترجع كل الأمراض إلى الأسباب الفسيولوجية و البيولوجية ,وكان مبحث أسباب المرض في كليهما يرد كل الأمراض الى هاتين الطائفتين من الأسباب ,غير أن تلك النظرة أصبحت مرفوضة بصفة عامة من قبل علماء الاجتماع ,و الأنثروبولوجين المعاصرين ,نظرا لإهمالها الجانب الاجتماعي حيث نجد أن “بارسونز”يرى مشكلة الصحة تكمن أساسا في اللزوميات الوظيفية للنسق الاجتماعي و أن المرض يعتبر خللا وظيفيا في النسق,فغالبا ما يصحبه عجز في القدرة على الأداء في الأدوار الاجتماعية ذلك لأن الإنسان الذي يعاني مرضا بيولوجيا أو نفسيا سيؤثر ذلك على تصرفه الاجتماعي و طريقة حياته و لاسيما في أدواره الاجتماعية .


[1] -Akerknech, Rewin, H, « white indians », Bulletin of the history of medecin, vol 15, 1944, P.15-36.

[2] .. AKerknech, Erwin,H , « white indians op cit”

[3] Les représentations socales de la schizophernie : » Frontz-samy kohl t. masson p 119

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.