ذكرى.. (قصة قصيرة)
بقلم: أسماء مرجان
الساعة تشير إلى التاسعة إلا ربع مساءً، لم أعد أتحمل ضجيج ركاب الحافلة، هذه أم تعاتب ابنتها على فشلها الدراسي، وفشلها في إيجاد زوج ينقذها من الفقر قبل أن تبلغ الثلاثين، وهذه سيدة تحكي لجارتها عن تفاصيل عرس حضرته قبل سنة، ولا زال في الأمر ما يناقش، أظن أنهما لم تصلا بعد لمرحلة العشاء: كيف كان الأكل؟ هل صدر الدجاج كان سهلا في المضغ أم لا؟ وتفاصيل أخرى كهذه..
أمامي شاب يضع سماعتين لا جدوى منهما، فأنا أيضا أسمع معه موسيقى الجاز التي لا أحب رغم كل الضجيج المحيط بي، بل وأراه بين الفينة والأخرى ينغمس في موسيقاه ويرقص، ولا ينتبه لنفسه إلا بعد أن يبدأ بعض الغرباء في الضحك، أو في إظهار ملامح الغضب غالبا..
بجانب الشاب المزعج كهل تخبرني تجاعيد وجهه عن معاركه في الحياة، في جبهته أربع طيات، تحكي كل واحدة منهن عن سنين من الصمود. كم تمنيت أن يكون هذا الشيخ في سيارة أجرة تنقله إلى بيته، أو أن يكون له أبناء يقلونه في السيارة، عوض أن يتكبد عناء التنقل عبر الحافلة، أو “الخردة” كما يحلو لي أن أناديها..
فشلت مرة أخرى! كنت أستغفر قبل ثوان، وها أنا الآن أتأمل حديث رفاق الحافلة، أخفي ابتسامتي بعد كلمة التقطها سمعي، و أداري دمعتي بعد أخرى. صدق العالم حينما قال: “استغفارنا يحتاج إلى استغفار”.
أنظر إلى الساعة مرة أخرى، مضحك! لم تمر إلا دقيقة منذ وقت طويل، إنها التاسعة إلا أربعة عشر دقيقة. المهم، بالرياضيات، سأكون في البيت على الساعة التاسعة تماما على الأكثر.
أجابني صوت بداخلي، صوت لا يأتي إلا بالخير، لكنه يصفعني في بعض المرات، كما فعل للتو حينما خاطبني: ما طول الأمل هذا؟ من أخبرك أنك ستكونين حية عند تمام الساعة التاسعة، حتى تتيقني هكذا أنك ستكونين في البيت؟!
بالرياضيات أيضا، لا يمكن أن أعد الأسئلة التي هاجمت فكري في ذات اللحظة، هل أنا مستعدة للقاء الله؟ كم حفظت من القرآن؟ كم سجدة سجدت لله؟ هل صليت كما يجب؟ هل بررت بوالداي؟ هل حملت هم آخرتي على الأقل كما أحمل هم دنياي؟ هل عاملت الناس بالحسنى؟ ماذا قدمت لدعوة الله تعالى؟ هل بلغت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو آية؟ …
تنهدت جبلا، وسارعت دمعة خفية تغادر مقلتي وأنا أدعو الله: يا رب لا تقبض روحي إلا وأنت راض عني..
في اللحظة ذاتها، علت أصوات صراخ الركاب، بعد أن اصطدمت الحافلة بسيارتين، ولم أستوعب ما حدث إلا بعد أن التطمت بالكرسي المقابل… ما أرحم الله بنا !
الكل بخير الحمد لله، سارعنا بالنزول، لأن الإجراءات القانونية تأخذ وقتا طويلا، بعضنا وقف ينتظر سيارة أجرة، والبعض الآخر أكمل الطريق مشيا كما فعلت تماما، ولم أصل إلى البيت إلا على الساعة التاسعة وثلاثة عشر دقيقة.
رياضياتي لم تعلم أننا سنتعرض لحادث سير بعد دقيقة لا أكثر، وقررت أنني سأكون في البيت بتمام الساعة التاسعة… ما أغباها!
( إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )