تدبير الخلاف عند الشعراني من خلال كتابه “الميزان”: قضايا ونماذج
تدبير الخلاف عند الشعراني من خلال كتابه "الميزان": قضايا ونماذج/إدريس عبد الصادق
تدبير الخلاف عند الشعراني من خلال كتابه “الميزان”: قضايا ونماذج
بقلم: إدريس عبد الصادق
مقدمة:
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
فإن الناظر في كتب الفقه المختلفة بمذاهبها ومدارسها المتعددة ليجد أقوال الفقهاء متباينة ومتعارضة، حتى ليكاد القارئ يجزم أنها متناقضة لا تجتمع بحال من الأحوال، فأصحاب هذا المذهب يحلون أمرا، والمذهب الآخر يحرمه، وأولئك يكرهونه، وكل قد استدل على قوله بدليل رآه، واجتهاد ارتآه.
وإن هذا الأمر قد يجعل لكل واحد منا الحق في التساؤل والاستفهام، فكيف به وحي واحد وشريعة واحدة ويأتي على الناس حين من الدهر يرفعون فيه شعار “الخلاف المذموم لا المحمود”، ويصيرون فيه أحزابا وشيعا، تكاد كل فرقة تلعن أختها؟ وقد وجدنا صدى هذا الخلاف عند كثير من المذاهب والفرق وكذا عند الأفراد والجماعات، وصل إلى حد اللعن والتبديع والتكفير، وهذا ما يشهد عليه واقع الحال للأسف.
ولكي نجعل شمس المعرفة تنبلج، وأسرار العلم تنكشف، اخترنا لذلك كتابا من كتب الفقه ألا وهو كتاب بديع زمانه، وآخر النظار في عصره، الإمام الفقيه الهمام الشعراني الشافعي الصوفي رحمه الله (ت 973هـ)، لأنه توج باب الخلاف بقواعد تنير الطريق وتبعد اللبس، فقد حرره ودبر أقوال الفقهاء المتعارضة والمختلفة، فسلك بها طريقا سهلا ومسارا ميسرا، حتى صارت عروسا لكل باحث على الحق مبتغ إياه.
فقد عمل رحمه الله على إيصال هذا الفقه إلى مرحلة من مراحل تطور الفقه الإسلامي، وحق أن يتوج مجهوده بمرحلة من مراحله، وهو القائل: (ولم أعرف أحدا سبقني إلى ذلك في سائر الأدوار.)([1]) فليس عمله هذا جوابا عن سؤال، أو حلا لمقفل من مسائل الفقه، أو تبيينا لمجمل أو تفسيرا لمشكل، بل ذلك عمل ضخم في مراحل فهم الفقه الإسلامي؛ لأن الخلاف بين الفقهاء قد احتدم، وخلف وضعا مزريا للفقه وفهمه من أصحابه، حتى سب بعضهم بعضا، وهجا بعضهم الآخر، ونسب هذا أصحاب ذاك المذهب المخالف إلى الضلالة والغواية، وما ذلك إلا لجهلهم بما أرسى دعائمه الإمام الشعراني رحمه الله.
ولسنا نقصد أن هذا الفكر كان خلوا من أذهان الفقهاء قبل،([2]) ولكن كان للإمام سبق الإرساء والبناء. فهو وإن تعامل به كثير من العلماء إلا أن عدم تخصيصه بالبيان والكشف جعل كثيرا من الخلق في تعصب مقيت وجهل مركب. حتى صار لزاما وضع قواعد للفهم، وضوابط من أجل التعامل معه. فلا يكفي فقط معرفة أسباب الخلاف وموارده، بل نحتاج إلى معرفة مرحلة بعدها وهي مرحلة كيف ندبر الخلاف بعد الاطلاع على أسبابه؟
إشكالية البحث:
يروم هذا المقال كشف اللثام عن إشكالية الخلاف الفقهي، وما تعلق بها من مستلزمات، أدت في كثير من الأحيان إلى خروج الفقه عن فحواه ومقصده، والذي هو في حقيقته فهم وإدراك للحكم من طرف المجتهد.
ونصوغ إشكالية البحث وفق الأسئلة الآتية: ما معنى إذن تدبير الخلاف الذي نقصده؟ وكيف قام الشعراني ببيانه؟ وكيف أسس دعائمه؟ وماذا يعني “بالميزان”؟
كل ذلك سنحاول الإجابة عنه وفق الخطة الآتية التي مهدنا لها بمقدمة:
خطة البحث:
المبحث الأول: مفهوم تدبير الخلاف.
المطلب الأول: تعريف التدبير لغة واصطلاحا.
الفرع الأول: التدبير لغة
الفرع الثاني: التدبير اصطلاحا
المطلب الثاني: تعريف الخلاف لغة واصطلاحا.
الفرع الأول: تعريف الخلاف لغة
الفرع الثاني: تعريف الخلاف اصطلاحا
المطلب الثالث: تعريف تدبير الخلاف، باعتباره مركبا إضافيا
المبحث الثاني: تدبير الخلاف من خلال كتاب ” الميزان”.
المطلب الأول: تدبير الخلاف هو الميزان
المطلب الثاني: مرتبتا التخفيف والتشديد في الميزان
المطلب الثالث: قواعد مؤيدة للميزان
المبحث الثالث: تدبير الخلاف: قضايا ونماذج.
المطلب الأول: مدة المسح على الخفين:
المطلب الثاني: الحلي المعد للإجارة
خاتمة
المصادر والمراجع
المبحث الأول: مفهوم تدبير الخلاف
المطلب الأول: تعريف التدبير لغة واصطلاحا
- الفرع الأول: تعريف التدبير لغة
تشتق كلمة التدبير من فعل دبر تدبيرا. ومن ثم، فكلمة “دبر نقيض كلمة القبل، ودبر البيت مؤخرته وزاويته، ودبر الأمر وتدبره: نظر في عاقبته، واستدبره: رأى في عاقبته ما لم ير في صدره، والتدبير في الأمر: أن تنظر إلى ما تؤول إليه عاقبته، والتدبر: التفكير فيه…والتدبير: أن يتدبر الرجل أمره ويدبره. أي: ينظر في عواقبه.”([3])
- الفرع الثاني: تعريف التدبير اصطلاحا
أما التدبير – اصطلاحا – فهو عبارة عن مجموعة من العمليات والتقنيات والآليات والخطط الإجرائية التي يعتمد عليها المدبر لتنفيذ الأنشطة والتعلمات والمشاريع في إطار زمكاني معين، انطلاقا من كفايات وأهداف محددة، واعتمادا كذلك على مجموعة من الموارد والطرائق والوسائل، سواء أكانت مادية أم معنوية[4]).)
المطلب الثاني: تعريف الخلافا لغة واصطلاحا
- الفرع الأول: تعريف الخلاف لغة:
المعنى اللغوي للخلاف يمكن تلخيصه بـ: المضادة، وقد خالفه مخالفة وخلافا، وتخالف الأمران واختلفا، لم يتفقا، وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف.([5])
- الفرع الثاني: تعريف الخلاف اصطلاحا:
أما المعنى الاصطلاحي: فنجد من تعريفاته: (أن يذهب كل واحد إلى ما ذهب إليه الآخر)،([6]) وعند الجرجاني: (منازعة تجري بين المتعارضين لتحقيق حق أو إبطال باطل).([7])
والخلاف في المسائل الفقهية هو الذي يعنينا: (وهي المسائل الفقهية التي لم يتفق عليها من يعتد بخلافه من العلماء.)([8])
وهذا التعريف الأخير هو المقصود أصالة من مصطلح الخلاف فيما نأمل بيانه، فالمسائل الفقهية التي اختلفت فيها آراء الفقهاء وأدت إلى تأسيس المذاهب الفقهية المختلفة، هي المرادة هنا ونكتفي بها.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف ندبر هذه الآراء المختلفة؟ وسنعرف أولا بمفهوم تدبير الخلاف قبل أن نجيب عن هذا التساؤل.
المطلب الثالث: تعريف تدبير الخلاف:
إن البحث عن تعريف لهذا المركب الإضافي صعب جدا، وهذا ما يصب بشكل كبير فيما قلناه سابقا. لأنه لم يُظفر عند المتقدمين مَن ذكر هذا الاصطلاح، أما المتأخرون فقد عُدم إيجاد تعريف لتدبير الخلاف بالحد، على حسب الاطلاع، أما التعريف بالرسم أي بالثمرة فلا تكاد تجد تعريفا جامعا مانعا، يشفي الغليل على المقصود.
ولذلك سنحاول وضع تعريف مما نحسبه يوفي بالمطلوب ويقرب المعنى.
ونقول إن تدبير الخلاف الذي نقصده هو: مجموعة الإجراءات والطرق التي من خلالها نتعرف كيفية التعامل مع الاجتهادات المختلفة للفقهاء في المسائل الفقهية.
فلا يكفي فقط أن نعرف الأحكام الفقهية والاجتهادات المختلفة للفقهاء، ولكن نبحث عن كيفية للتعامل معها بطريقة نقر من خلالها بأقوال الفقهاء واجتهاداتهم ونحترمها دون تنقيص أو تحقير أو اتهام.
المبحث الثاني: تدبير الخلاف من خلال كتاب “الميزان”:
المطلب الأول: تدبير الخلاف هو الميزان
إن الإمام الشعراني فعلا قد أتى بما لم يأت به غيره في هذا الباب، ولعل المطلع على كتابه “الميزان” لا يكاد ينتقل من صفحة إلى أخرى إلا وهو يجد كل المعاني الدالة دلالة واضحة على تدبيره للخلاف، فما قعد قاعدة أو أسس دعامة سواء في الفصول التي افتتح بها كتابه، أو المسائل الفقهية التي أوردها على ترتيب الأبواب الفقهية كما هي معروفة في الكتب الفقهية، إلا وتجده يتحدث عن تدبير الخلاف تصريحا أو تلويحا. ولعل أوضح عبارة عنده قوله بعد عرض الأقوال الفقهية عند الفقهاء: “فرجع الأمر في ذلك إلى مرتبتي التخفيف والتشديد”. أو عبارة: “فرجع الأمر إلى مرتبتي الميزان”. وهي نفس العبارة الأولى عنده. إذ “الميزان” في أصله له كفتان، كفة تدل على التخفيف وأخرى تدل على التشديد.
وبتلك “الميزان” نظر إلى الشريعة نظرة كلية تندرج تحتها أجزاء متناسقة ومتسلسلة في عقد واحد يجمعها، حتى لقد قال: (إن الشريعة كالشجرة العظيمة المنتشرة وأقوال علمائها كالفروع والأغصان.)([9])
المطلب الثاني: مرتبتا التخفيف والتشديد في الميزان
وقد بين أن الشريعة الكلية من حيث الأمر والنهي جاءت على مرتبتين: تخفيف وتشديد،([10]) أي بين عزيمة ورخصة كما بين في موطن آخر. نعم فقد قسم الأحكام التكليفية إلى قسمين، فالأحكام التكليفية عنده وبالاعتماد على المنهج المعتمد الذي درج عليه ترجع إلى هذين، (تخفيف وتشديد، أو رخصة وعزيمة) دونما نفي لما قسمت عليه عند علماء الأصول، وكيف ينفيها وهي المقطوع بصحتها؟ – على خلاف بين الجمهور والأحناف في تقسيمها- فعند النظر الدقيق إذن – كما سنرى – لاشك في أنها كذلك. أما المباح فقد ذكر أنه ينقلب بالنية الصالحة إلى قسم المندوب، أو بالنية الفاسدة إلى قسم المكروه، وهذه مجموع أحكام الشريعة.([11])
كيف لا يكون ذلك كذلك وجميع المكلفين لا يخرجون عن قسمين قوي وضعيف، من حيث إيمانه أو جسمه في كل عصر وزمان؟([12])
ولا يعني ذلك بحال أن للمكلف أن يختار من الأقوال ما بدا له. ولذلك نجده رحمه الله تفطن لهذا الأمر ونفاه بالإطلاق، فكل مكلف بالنسبة إليه له ما يوافقه من التشديد والتخفيف على حسب حاله وظرفه وما يلائمه، وليس للقادر على العزيمة أن يأخذ بالرخصة، والعكس، إذ في ذلك – حسب بيانه – اتباع للهوى وتلاعب بالدين.([13]) وزاد مؤكدا هذا المعنى بقوله: (فالمرتبتان المذكورتان على الترتيب الوجوبي لا على التخيير كما قد يتوهمه بعضهم، فإياك والغلط، فليس لمن قدر على استعمال الماء حسا أو شرعا أن يتيمم بالتراب…)([14])
فعلى هذا الوزان لا يَنظر إلى أحكام الشريعة على أنها متعارضة متضاربة يهدم بعضها بعضا، بل يرى أنها كلها معتبرة، وراجعة إلى مصدر واحد، ونبي واحد، ولا بأس أن نقتبس من قصيدة البردة ما يدل على معنى ما قلناه:
وكلهم من رسول الله ملتمس غرفا من البحر أو رشفا من الديم([15])
فكأن العلماء كلهم ما جاؤوا بقول من عندهم، بل اجتهدوا وفق ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه القدوة والأسوة في الشريعة.
المطلب الثالث: قواعد مؤيدة للميزان
وقد حاول الشعراني أن يستعمل كل القواعد الدالة على الجمع لا على الفرقة والخلاف، فاعتمد على قاعدة: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، وقرر وأقر في الأصول: أن كل مجتهد مصيب.([16]) وقد سار على هذه القواعد جمع غفير من العلماء، فقد قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام(ت660هـ): (من قدر على الجمع بين درء أعظم الفعلين مفسدة ودرء أدناهما مفسدة جمع بينهما).([17])
كما أن الشعراني صرح قائلا: (أحب الوفاق وأكره الخلاف)،([18]) فتلك إذن سجية وطبيعة فيه، ولم لا؟ وهو الصوفي العابد الذي حاول أن يتطهر من كل أدناس القلب ومعكرات الفؤاد، واعتمد مبدأ التحلية بالصفات الحميدة والتخلية عن الصفات القبيحة.
وبهذا تجده قد جمع بين أقوال المقلدة، كما جمع بين أقوال الأئمة المجتهدين وكما جمع من باب أولى بين الأدلة الشرعية، غير مخسر للميزان.
وإنما الميزان الذي يقصده أن توضع جميع الأقوال الفقهية في ميزان، وليست هناك كفة راجحة أو مغلوبة. كفة فيها تشديد هي أحكام العزيمة، وكفة فيها تخفيف هي أحكام الرخصة.
فجميع أقوال الأئمة المجتهدين ومقلديهم داخلة في قواعد الشريعة المطهرة ومقتبسة من شعاع نورها، لا يخرج منها قول واحد عن الشريعة.([19]) فليس عنده قول أو أقوال إلا وهي آخذة بحظها من الشريعة الغراء، وهي: (بين قريب وأقرب، وبعيد وأبعد، بالنظر إلى مقام كل إنسان، وشعاع نور الشريعة يشملهم كلهم ويعمهم وإن تفاوتوا بالنظر لمقام الإسلام والإيمان والإحسان.)([20])
وينبغي أن ننظر إلى أقوال العلماء نظرة احترام وإجلال وأدب، فالأدب بالنسبة إليه مع الأئمة مطلوب.([21]) كيف لا؟ وهم ورثة الأنبياء، وأمناء الرسل الكرام، كما بين الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فإذا نحن أخذنا بهذه الميزان التي وصفها بنفسه بأحسن وصف وأجمل تبيان حيث قال: (الميزان الشعرانية المدخلة لجميع أقوال الأئمة المجتهدين ومقلديهم في الشريعة المحمدية نفع الله بها المسلمين.)([22]) وتمكنا منها وفهمناها حق الفهم، وتمام الإدراك صرنا بتعبيره: (جالسين على منصة في سرور وطمأنينة كالسلطان، حاكم بمرتبتي ميزانه على كل قول من أقوالهم، لا يرى قولا واحدا من أقوالهم خارجا عن مرتبتي الميزان من تخفيف أو تشديد، بل يرى الشريعة قابلة لكل ما قالوه لوسعها.)([23])
وهذا عين تدبير الخلاف بين الفقهاء الذي قصدنا كشفه من فكر هذا الإمام الهمام، وقد بين ذلك بعبارته الواضحة البينة حيث قال: (وقد رفع الخلاف في جميع أدلة الشريعة وأقوال علمائها عند كل من عمل بهذه الميزان.)([24])
فهذه إذن نظرة كلية ومجملة عن تدبير الخلاف تبين مدى حرص الإمام الشعراني على إظهار قواعدها وتجلية مفهومها عند العامة والخاصة.
وننتقل بعد ذلك للحديث عن بعض القضايا والنماذج التي تكشف جليا هذا المعنى عنده.
المبحث الثالث: تدبير الخلاف قضايا ونماذج:
وإذا كان بالمثال يتضح المقال، فإننا سنتطرق إلى بعض المسائل الفقهية التي وردت في كتابه الميزان، ووضعها على كفتي الميزان. ونقتصر على مثالين، من أجل البيان.
المطلب الأول: مدة المسح على الخفين:
اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى في مدة المسح على الخفين، فذهب الأئمة الثلاثة إلى أن: مدة المسح للمقيم مقدار يوم وليلة وللمسافر مقدار ثلاثة أيام بلياليها، وخالفهم الإمام مالك حيث قال: إنه لا توقيت في مدة المسافر ولا المقيم، بل يمسح ما بدا له ما لم ينــزعه أو يصبه جنابة.
فالأول مشدد في التوقيت والثاني مخفف فيه. فرجع الأمر إلى مرتبتي الميزان.([25])
فها أنتم ترون معي أن الإمام الشعراني رحمه الله لم يرجح طرفا على طرف أو قوى رأيا على رأي، بل جعل الأول فيه نوع تشديد والثاني فيه نوع تخفيف، وما على المكلف إلا أن ينظر إلى حاله أي الحالين أنسب له من غير تلاعب بالدين ولا اتباع للهوى.
وقد ذكر كيف المخرج في هذه المسألة وأي الرأيين أنسب لحال السائل، حيث نقل قول بعضهم فقال: التوقيت خاص بالأصاغر الذين يتكرر منهم وقوع المعاصي في الليل والنهار، وعدم التوقيت خاص بالأكابر الذين لا يكادون يقعون في مخالفة واحدة لربهم في اليوم والليلة أو الثلاثة أيام، لأن أبدان الأكابر قوية الروحانية لتوالي الطاعات فلا يضر أرجلهم بعد زمن من غسلها لقوة حياتها وروحانيتها فرجع الأمر في ذلك أيضا إلى مرتبتي التخفيف والتشديد.([26])
ومهما قبلنا أو رفضنا هذا الكلام الأخير إلا أنه لا يمكن إسقاط مرتبتي التشديد والتخفيف، دون تعصب لرأي أو قول.
المطلب الثاني: الحلي المعد للإجارة
من ذلك قول الشافعي ومالك في أشهر روايتيه إنه لو كان لرجل حلي معد للإجارة للنساء فلا زكاة فيه. مع قول بعض أصحاب مالك بالوجوب وبه قال الزهري من أئمة الشافعية بناء على قول إنه لا يجوز الحلي للإجارة.
فقال الشعراني رحمه الله: (فالأول مخفف والثاني مشدد فرجع الأمر إلى مرتبتي الميزان. ووجه القولين ظاهر.)([27])
وبهذا رد رحمه الله كل قول إلى أحد الجهتين إما تخفيف أو تشديد، وعلى ذلك فقس.
خاتمة:
فمجمل القول إذن أن كتاب الشعراني رحمه الله تعالى ميزان لمختلف الأقوال في المسألة الواحدة، ورد لها إلى قوالب فهمها الصحيح المليح، وقد ملأه بأمثلة كثيرة لا تدع مجالا للشك في قطعية هذه المرحلة، وأن ما قعده جدير بأن يحل النزاع الحاصل –في الغالب- بين مقلدة المذاهب، كما عند غيرهم. فأكرم به من تدبير…
والحمد لله رب العالمين.
المصادر والمراجع:
- لسان العرب، ل محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، الناشر : دار صادر – بيروت الطبعة الأولى.
- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، المؤلف: أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، الناشر: المكتبة العلمية – بيروت.
- التعريفات، علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني (المتوفى: 816هـ)، المحقق: ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت –لبنان، الطبعة: الأولى 1403هـ-1983م
- معجم لغة الفقهاء، دار النفائس، للطباعة والنشر والتوزيع، شارع فردان -بناية الصباح
وصفي الدين -ص . ب 5152 / 14. برقيا: دأنفايسكو -ت 810194 أو 861367 بيروت- لبنان، الطبعة الثانية: 1408 ه-1988م
- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء (المتوفى: 660هـ)، راجعه وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد، الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية – القاهرة، طبعة: جديدة مضبوطة منقحة، 1414هـ -1991م
- الميزان، للعلامة عبد الوهاب الشعراني، تحقيق وتعليق عبد الرحمن عميرة. دار عالم الكتب، بيروت، ط1: 1989م.
- مقال للدكتور جميل حمداوي، بعنوان: مدخل إلى علم التدبير، موقعalukah.net.
[1] – الميزان: 1/64.
[2] – هناك كتابات كثيرة في أسباب اختلاف الفقهاء على مر الأعصار والأطوار، نذكر على سبيل المثال: اختلاف الفقهاء للطبري، رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية، أدب الاختلاف في الإسلام لطه جابر العلواني…
[3] _ ابن منظور: لسان العرب، الجزء الرابع، دار صبح بيروت، لبنان، إديسوفت، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص: 273-277.
[4] _ مقال نشر بموقع www.alukah.net لصاحبه الدكتور جميل حمداوي، بعنوان: مدخل إلى علم التدبير.
[5] – لسان العرب 4/181/192.
[6] – المصباح المنير ص 179.
[7] – التعريفات ص 135.
[8] – معجم لغة الفقهاء ص 198.
[9] – الميزان 1/59.
[10] – الميزان 1/62.
[11] – الميزان 1/67.
[12] – الميزان 1/62.
[13] – الميزان 1/83.
[14] – الميزان 1/68.
[15] – بيت من قصيدة البردة للإمام البصيري رحمه الله.
[16] – الميزان 1/69.
[17] – قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/87.
[18] – الميزان 64 – 65.
[19] – الميزان 1/69.
[20] – الميزان 1/60-61.
[21] – الميزان 1/70.
[22] – الميزان 1/72.
[23] – الميزان 1/71.
[24] – الميزان 1/63.
[25] – الميزان 2/6.
[26] – الميزان 2/6.
[27] – الميزان 2/246.