منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإنسان: كائن أخلاقي

الإنسان: كائن أخلاقي/ د. خالد العسري

0
الإنسان: كائن أخلاقي
بقلم: د. خالد العسري
– ما خرج إلى العلن من وثائق جيفري ابستين تشير إلى أن الإنسان بإمكانه تجاوز منطقة الحيوانية للغوص في أوحال الأبالسة، وهذا القاع هو التعبير المثالي عن تزاوج بين ثلاثية: فلسفات غربية تجهل الله عز وجل، وسياسات تقطع مع الأخلاق، وارتهان لمخابرات كيان روح الشر الذي غاية وجوده تحقيق الإفساد الكبير.
– نتوقف في هذه المقالة عند طبيعة فلسفات غربية رسخت في الذهن أن الإنسان حيوان عاقل، وأنه ينبغي الفصل بين النظر الفلسفي والفعل الأخلاقي، وأن ما ينبغي الاهتمام به دائما هو فكر الفيلسوف لا سلوكه.
– إن هذا التصور الذي رسخ في الفكر الغربي أنشأ تناقضا خطيرا بين الخطاب والسلوك حتى عند الأسماء الفلسفية الكبرى، وقد استطاع بعضها الاعتراف بجرأة نادرة عن سلوك منحط ناقض تصوراته، ولعل من أبرزها ج ج روسو Jean-Jacques Rousseau الذي كتب في اعترافاته أنه أودع أبناءه الخمسة في ملجأ للأيتام.
– أما الوقائع الجنسية الشاذة التي وقعت فيها الكثير من الاسماء الفلسفية “الوازنة” فنجد ضمنها: سيمون دي بوفوار Simone de Beauvoir التي كانت تمارس السّحاق مع طالباتها، ثم تم توقيفها عن التدريس مؤقتا لممارسة ذلك حتى مع طالبة قاصرة، وهذا السلوك الشاذ هو ما يفسر مقولتها: “لا تولد المرأة امرأة، بل المجتمع هو الذي يجعلها امرأة”
– أما صديقها، فيلسوف الوجودية، ج ب سارتر Jean-Paul Sartre فقد ثبت من خلال مراسلاته مع دي بوفوار استغلاله الجنسي لطالباته، وهو ما يثير أكثر من إشكال مع “فيلسوف الحرية” الذي استغل سلطته ليجهز على أخلاق الحرية.
– أما الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو Michel Foucault فقد تواترت الشهادات ضده بكونه كان يستغل أطفال تونس ليمارس عليهم شذوذه البشع في المقابر.
– نتوقف عند هؤلاء الموثقة فعالهم، رغم أن قائمة الفضائح تطول وتختلف موضوعاتها، من: مارتن هايدغر، ولويس ألتوسير، وارثر شبنهاور، وجاك دريدا، وهربرت ماركوز…
– نحتفظ بهذا المنطلق الذي يفصل بين المعرفة والسلوك عند كبار الفلاسفة في الغرب لنتساءل بعدها: إذا كان هذا فعل المفكرين فما يكون تصرف السياسيين الذين ينطلقون جميعهم من مسلمة فصل السياسة عن الأخلاق؟ أليست جزيرة إبستين سوى عصارة فلسفات تجهل الله عز وجل، وتجهل على الإنسان بصدها عن فطرته؟
– نعم، نحن أيضا لا نعدم في الحضارة الإسلامية أسماء فلسفية سقطت سلوكياتها في مسارات تتناقض وتصوراتها، لكن ذلك لم يتم تسويغه وتبريره نهائيا فكرا أو نظرا، بل ظل تعبيرا عن نفاق يمقته الله عز وجل، أو تعبيرا عن سلوك حكمه ضعف بشري تجاه شهوات غلابة.
– إن هذا السقوط المريع لأخلاقيات الغرب، ومصادمة تصوراته لقيم الفطرة، هو ما يفسر إلحاح الفكر والفقه الإسلاميين على ضرورة ربط الأخلاق بمجال النظر والممارسة، وهو ما استدعى من الفيلسوف -مفخرة المغرب- طه عبر الرحمن تعريف الإنسان بكونه “كائن أخلاقي”، وأن السلوك الأخلاقي لا يطلب الانتفاع المادي بقدر ما يطلب الالتزام القولي والعملي.
– إن كل ماسبق يفسر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، فإنسانية الإنسان تسمو كلما سمت أخلاقه، وتنحدر إلى الدرك السفلي كلما انعدمت أخلاقه وإن بلغ وعيه مبلغا عظيما.
– ولا تكون الأخلاق إلا إذا قامت على ركيزة الصدق، والذي عرفه أبو سعيد الخراز بكونه: “اسم للمعاني كلها، وهو داخل فيه”، والمراد بالمعاني في زمنه ما نعرفه اليوم تحت مسمى القيم.
– ولكون مفهوم الصدق جامع للقيم كلها، جعله الإمام المجتهد عبد السلام ياسين شرطا في الترقي في التربية الأخلاقية التي تحقق إنسانية المرء، قائلا: “خصلة الصدق خصلة عملية تنبئ عن حقيقة الإنسان بصدق”، وهو في ذلك اقترب من التعريف الذي صاغه طه عبد الرحمن للإنسان.
– لذلك لا ينفصل فكر عن أخلاق، ولا سياسة عن أخلاق إلا وأودت بصاحبها في دروب ما نراه واقعا مع جزيرة جيفري إبستين.
– أما الوحي القرآني فيحضنا على أن نكون من الصادقين ومع الصادقين. حشرنا الله في مقعد صدق مع الصديقين عنده.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.