منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المعطف الصغير

المعطف الصغير/مريم أولاد الطويل

0

المعطف الصغير

بقلم: مريم أولاد الطويل

“لا تبكي يا أُمَّاه أنا معطفكِ الصغير”
بهذه العبارة الحُبلى بمشاعر الاحتضان والحنان، والملأى بمعاني المحبة والوفاء، جاءت المواساة للأم من ابنتها الصغيرة، التي تحبها بلا حدود، فهي أم مثالية، كما يصفها الكثيرون مِمًن هُم حولها من جيران وأقارب، وُهبت عاطفة جياشة تجاه فلذات كبدها، فوَهبت حياتها لتربيتهم أحسن ما تكون التربية وتعليمهم أفضل ما يكون التعليم، وبذلت من أجل ذلك كل ما أوتيت من صحة ومال وتجربة، وعلى رأس ذلك حرصها الدائم على تحفيظهم القرآن الكريم.
وهَاهم الأبناء الأيتام قد أصبحوا من حاملي كتاب الله في سن مبكر، بالرغم من استشهاد والدهم عندما قَصف العدو المحتل قريتهم منذ سنوات مضت. لتجد الأُميمة المسكينة نفسها وحدها كل هذه السنوات أمام مسؤولية التكفل بتربيتهم تربية صالحة متوازنة. مثلها مثل سائر الأمهات الفلسطينيات، إذ الواحدة منهن مدرسة للاحتضان وتنشئة الأجيال على العطاء والشجاعة والإنجاز.

لكن اليوم أيضا كان أمام هذه الأم ابتلاء آخر هي وابنتيها، حيث تجدد المصاب وتجددت معه مشاعر الألم والحسرة بعد كسرة الفقد الأولى للأب المعيل للأسرة، حيث قَصف العدو المحتل المستشفى الذي فيه يُعالَج ابنها ذو الرابع عشرة سنة من مرض ألم به …. في الوقت الذي ذهبت فيه هذه الأرملة المجاهدة لتتفقد حال بناتها بعدما تركتهما في البيت مع جارة لها ترافقهما إلى حين عودة أمهما من زيارة أخيهما المريض الذي يتلقى العلاج في المستشفى .

وهي مع بنتيها سمعت خبر قصف المستشفى الذي جاء كالصاعقة على قلبها الهش، الصابر، المحتسب، منذ زمن وعلى قلب بنتيها فاطمة ومريم.
تركت المسكينة كل شيء وأسرعت الخطى إلى المستشفى مهرولة هي وبناتها، وما أن وصلت حتى وصلها نبأ استشهاد ابنها الوحيد من جراء ذلك القصف الغادر، فكاد قلبها أن يقف من هول الصدمة وهي تبكي بشدة وتحتضن بنتيها الصغيرتين الخائفتين، فجأة قالت لها ابنتها الصغيرة مريم :
لا تبكي يا أمي أنا معكِ وسأكون معطفك الصغير !!

فرددت الأم : “الحمد لله، الحمد لله، الذي لا يحمد على مكروه سواه؛ أخوكم شهيد بإذن الله”.

يقولون: إن الحياة عندما تغيب عنكَ لفترة من الزمن قد تعود إليكَ وهي في كامل أناقتها. لا أدري إن عانقت الحياة يوما أسرة “فاطمة، ومريم” أو كل أسر أهلنا وإخواننا في غزة !!

أظن أنه لم تعد إليهم الحياة منذ عقود، لأن حياتهم دائما كانت قريبة من الموت في كل وقت وحين، حتى تُتَوج هذه الملازمة بنيل الشهادة في سبيل الله.
إن القدرة على الصبر والتحمل من الصفات البارزة التي حبا الله بها الأم الفلسطينية، تستطيع بفضل هذه القوة تجاوز الكثير من الأزمات والمحن والصعاب فتُحولها بعد الرضا بقضاء الله وقدره إلى منح ربانية، تُعلمنا نحن القابعين في بيوتنا العِبر والعظات. ولتبقى في فلسطين المرأة استثنائية، عظيمة في كل حالها وأحوالها ومواقفها ومواقعها؛ وهي اليوم في غزة تحديداً، تقف خلف كل حكاية شهيد، أو قصة أسير، أو معنى للصبر والصمود؛ فهي إما أسيرة أو أمّا لأسير، أوشهيدة، أو أمّا لشهيد. فتحياتي إليكن جميعا أهل الشهيد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.