أولا: الفساد
لغة:
ضد الصلاح، وهو إساءة المعاملة في أي شيء. جاء في لسان العرب لابن منظور: وتفاسد القوم: تدابروا وقطعوا الأرحام، واستفسد السلطان قائده إذا أساء إليه حتى استعصى عليه. والمفسدة خلاف المصلحة.
واصطلاحا:
هو الاستخدام السيء للسلطة، سواء باستغلال النفوذ، أو التهاون في تطبيق القانون، أو استغلال المال العام، أو تقديم المصلحة الشخصية والإضرار بالمصلحة العامة.
وقد تعددت أسباب الفساد ومنها:
- أسباب سياسية: تتمثل في فساد مؤسسات المجتمع المدني، وغياب تطبيق القانون، وانعدام الشفافية، والاعتداء على الحقوق والحريات الفردية والجماعية.
- أسباب اقتصادية: وتتمثل في الفساد المالي والإداري، وتردي الأوضاع الاقتصادية بسبب الحروب والحصار الاقتصادي، وبالتالي ارتفاع الأسعار وتكاليف الحياة المعيشية.
- أسباب اجتماعية: وتتمثل في انتشار الكوارث والأزمات في المجتمع، بالإضافة إلى انهيار شبكة العلاقات الاجتماعية، كما أن الفقر والبطالة يمثل السبب الحقيقي لفساد المجتمع.
- أسباب دينية: وتتجسد في ضعف الوازع الديني وعدم الخوف من الله تعالى، واتباع الشهوات والملذات، وحصار العلماء، وتقييد وتكبيل دور المساجد، وعزل الدين عن الحياة العامة.
وقد نهى الله تعالى عن الفساد في الأرض فقال جل شأنه:﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ﴾[1]
وقال سبحانه: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾[2]
قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾[3]
قال تعالى: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾[4]
قال تعالى:﴿ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ، الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾[5]
قال الله تعالى: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾[6]
قال الله تعالى:﴿ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾[7]
قال تعالى:﴿ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾[8]
قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾[9]
قال الله تعالى: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾[10]
قال تعالى:﴿ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾[11]
قال الله تعالى: ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ، فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾[12]
قال تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا، إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴾[13] قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾[14]
تلك مجموعة من الآيات القرآنية التي نهى فيها الله تعالى عن الفساد، وتوعد سبحانه وتعالى المفسدين بالعذاب في الدنيا والآخرة.
ثانيا: الاستبداد
الاستبداد لغة:
غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة.
وفي المعنى الاصطلاحي:
يطلق الاستبداد على الطاغية والتسلط والتحكم والاستعباد.
وقد أورد عبد الرحمن الكواكبي في كتابه: طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد عدة تعريفات لمفهوم الاستبداد فقال:[15]
- إن الاستبداد أصل لكل فساد.
- في ظل الاستبداد تكون الشهامة تطفلا.. والانسانية حمقا.. والرحمة ضعفا.. كما يسمى الكذب مجاملة، والنفاق سياسة.
- أن الاستبداد يقلب موازين الأخلاق، فيجعل من الفضائل رذائل، ومن الرذائل فضائل.
- إن تراكم الثروات المفرطة مولد للاستبداد، ومضر بأخلاق الأفراد.
- إن أقبح أنواع الاستبداد، استبداد الجهل على العلم، واستبداد النفس على العقل.
- إن أشد أنواع الاستبداد: حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية.
- الاستبداد أعظم بلاء.
- المستبد عدو الحق، عدو الحرية وقاتلهما.
- المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المعتدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس.
إن الإنسان الحر هو الذي تخلص من رواسب العبودية ومن نزعات الاستعباد. فمالك بن نبي يرى أن الفساد والاستبداد هو التحرر من نافية العبودية ونافية الاستعباد. يقول مالك بن نبي :” الإنسان ( الحر) الإنسان الجديد الذي تتمثل فيه قيم الديمقراطية والتزاماتها، هو الحد الإيجابي بين نافيتين تنفي كل واحدة منهما هذه القيم وتلك الالتزامات: نافية العبودية ونافية الاستعباد” [16]
كما يعبر مالك بن نبي عن المستبد بالفرعون، ولذلك يرى أن القرآن الكريم يصور لنا صورة كافية عن الاستعباد والاستبداد والاستخفاف بعقول الناس في شخص فرعون[17]
وبالاستقراء للآيات القرآنية يتبين أن الهرمية الفرعونية الاستبدادية تتكون من الأركان التالية:
الفرعون: وهو الذي يتربع على رأس الهرم، وقد وصل به الكبرياء والوثنية السياسية أن يعلن لرعيته أنه هو ربهم الأعلى. ﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾[18]
هامان: ويمثل النخبة السياسية للفرعون، وهو الأداة المباشرة في استعباد الناس والاستخفاف بعقولهم. ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ ﴾[19]
قارون: ويمثل النخبة المالية ورجال الأعمال الفاسدين والمستبدين.
قال الله تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾[20]
الجنود والجيش: ويمثلون القوة العسكرية التي يبطش بها الفرعون، سواء بالإكراه أو التعذيب أو الاعتقال أو القتل.. ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾[21]
السحرة: ويمثلون النخبة الثقافية التي تضلل ضمائر الناس، وتزين ظلم الفرعون مقابل فتات موائده. ﴿ وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ﴾[22]
ورغم عيش هؤلاء السحرة والجنود على فتات الموائد، إلا أنهم في طاعة عمياء للفرعون، ولذلك سماهم القرآن الكريم: بالقوم الفاسقين.﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾[23]
عامة الشعب: ويمثلون الطبقة الكادحة من المستضعفين والمظلومين الذين يستعبدهم الفرعون وحاشيته. قال تعالى: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ، وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾[24]
يقول مالك بن نبي: ” وإننا نرى كم يعبر هذا السؤال (فمن ربكم يا موسى؟) عن نفسية الجبار المستبد الذي يريد استعباد الخلق، وكان ينتظر من موسى الاعتراف بمزاعمه في الربوبية، حتى أتى جواب الرسول فأثار غضبه لأنه كان رفضا لمزاعمه. ولكن المشهد يستمر فيزيد وضوحا في تصوير المستبد، فنراه يندفع في كبريائه، ويرجئ الرسول إلى يوم الزينة ليكون موعدا له وللسحرة، فيتزايد غضب الطاغية المستبد عندما رأى كيد الشيطان مهزوما والسحرة سجدا.. ليس من الضروري أن نتابع المشهد إلى آخره، فقد أعطانا صورة كافية للاستبداد في شخص فرعون بقدر ما يزداد غضبه على الرسول وعلى السحرة، فالموقف لا يعبر هنا عن ( نافية ) إزاء الـ ( أنا )، بل عن نافية إزاء الآخرين، أي أنه ينفي جانبا من الشعور الديمقراطي “.[25]
ومع الفساد والاستبداد يكثر القلق والخوف على فقدان الأمن النفسي والغذائي، ويصبح شعار الـ ( أنا) هو السائد. إن أول ما يغرسه المستبد في نفوس الشعوب المقهورة: المذلة وصفات العبيد، ومن ثمة يستطيع المستبد والفرعون أن يسلب حقوق الشعوب، وينهب ثرواتهم، ويقمع حرياتهم، وبالتالي يعيد المستبد صياغة العقلية والشخصية وفق منظومة القيم السلبية، حتى تصبح هذه الشعوب المقهورة تعتبر أن ” المستبد العادل ” أفضل من الفوضى. والحقيقة أن الاستبداد والعدل ضدان لا يجتمعان، وأن الشعوب التي آثرت الأمن على الحرية لن تكسب لا أمنا ولا حرية.
إن الإسلام والاستبداد ضدان لا يجتمعان ولا يلتقيان، فتعاليم الإسلام تجعل الناس يكونوا عبادا لله تعالى وحده، أما طقوس الاستبداد فتجعل الفرد يكون عبدا للطاغية ويعيش في الاستعباد والوثنية والجاهلية العمياء.
يقول مالك بن نبي: ” إن الإسلام الذي وضع في نفسية المسلم هذا التوجيه العام، قد وضع عن طريقه – يمينا وشمالا – حاجزين، كي لا يقع في هاوية العبودية أو هاوية الاستعباد. وهذان الحاجزان مذكوران بالإشارة في آيتين، تذكر الواحدة الهاوية ذات اليمين والأخرى تذكر الهاوية ذات الشمال، فيقول عز وجل:﴿ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين﴾[26]. فهذا الحاجز وضع بكل وضوح على حافة الاستعباد، حتى لا يقع فيه المسلم، أما الحاجز الآخر الذي يحفظه من هاوية العبودية، فهو مذكور في قوله عز وجل: ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا ﴾[27]. ومجمل القول إن المسلم محفوظ من النزعات المنافية للشعور الديمقراطي، الموجودة أو المدسوسة في طينة البشر، بما وضع الله في نفسه من تكريم مقدس، وما جعل عن يمينه وشماله من معالم، ترشد طريقه حتى لا يقع في وحل العبودية أو وحل الاستعباد”.[28]
والفساد والاستبداد الذي وقع للشعوب المسلمة بدأ منذ زمن بعيد، من وقعة صفين كما يرى مالك بن نبي، حيث تحولت تعاليم الإسلام من ” نور المدينة ” إلى ” أبهة دمشق “، وكون الاستبداد صادر حقوق وحريات الناس. وأصبح المستبد في بلاد الإسلام يسري في دمائه: فعل المنكرات والفسوق والعصيان واستباحة محارم الله وحدوده.
إن الاستبداد يصنع الأزمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والاخلاقية، فهو أعظم بلاء كما يقول عبد الرحمن الكواكبي.
وأشد أنواع الاستبداد خطرا استبداد الحاكم، أو الطاغية المستبد فهو يهلك الدين والقيم ويهلك الحرث والنسل.
ومع عصر الانحدار والانكسار ظل تهميش وإقصاء ووأد الحرية هي السمة البارزة، رغم الثورات التي قامت لاسترداد الحرية، إلا أن موجة الاستبداد عارمة، ومعارضة أبي ذر الغفاري لمعاوية ناذرة، نظرا للسيف الذي سلط على الرقاب.
يقول مالك بن نبي: ” ولكن إذا لاحظنا أن الطاغية المستبد قد ظهر من جديد في شخص الحاكم، يجب أن نلاحظ أن العبد لم يظهر بعد في شخص المحكوم ما دام متمسكا بالروح الإسلامي، كما يدل على ذلك تفاصيل كثيرة خاصة بتلك الفترة، كالحوار الغريب الذي نشأ بين أبي ذر الغفاري ومعاوية…فهذه الرقابة التي يفرضها الضمير الإسلامي على أعمال الحكم قد استمر أثرها في التاريخ الإسلامي، حتى بعد اتقهقر الذي أشرنا إليه، ويمكن تفسير أحداث كبرى في التاريخ الإسلامي كظهور المرابطين والموحدين في الشمال الأفريقي على أنها الصدى لاحتجاج الضمير الإسلامي ضد الاستبداد “.[29]
فالظلم والاستبداد بداية الانحدار والانهيار للأمم والحضارات، فالاستبداد يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل، ويسلب منهم حقوقهم وحرياتهم، وينتج عن ذلك الضعف والانهيار في حركة التعليم والصحة والقضاء والتجارة، وتبدأ الكفاءات في البلاد في الهجرة، فيبدأ اختلال الدولة وتفككها.
ومقاومة الظلم هي السبيل الأمثل لحفظ الدولة والمجتمع من التمزق، ولذلك فالأمة التي لا تنتصر للمظلوم ولا تأخذ على يد الظالم لا تستحق نصر الله تعالى، ويوشك أن يعمهم البلاء والعقاب من الله تعالى. وقد كتب ابن خلدون في مقدمته في الفصل الثالث والأربعين عنوانا سماه: ” في أن الظلم مؤذن بخراب العمران “.[30]
ثالثا: طرق محاربة الفساد والاستبداد:
تربية الإنسان وتغيير سلوكه:
إن التغيير الحضاري في تصور مالك بن نبي رهين بتغيير ما بالأنفس قال الله تعالى:﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾[31]. وتغيير ما بالنفس الإنسانية يقتضي غرس الإيمان في النفوس، والعودة إلى القرآن والسنة وما كان عليه السلف الصالح. وغرس معاني الرجولة والحرية والعزة والكرامة في نفس المسلم. قال تعالى:﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم ﴾ [32] وهذه التربية الإيمانية تستوجب توعية المجتمع بمخاطر وعواقب الفساد والاستبداد سواء على الفرد أو الأسرة أو المجتمع أو الدولة أو الأمة.
إصلاح الإدارة وبناء المؤسسات وتعزيز الديمقراطية:
إن محاربة الفساد والاستبداد يتطلب إصلاح الإدارة وبناء المؤسسات وتعزيز الديمقراطية، وذلك بمنح السيادة الكاملة للشعب في اختيار من يحكمه، واختيار من يسهر على حماية حقوقه وحرياته ومصالحه. والديمقراطية هنا نقصد بها: ” سلطة الشعب، أو سلطة الجماهير، أو سلطة الإنسان”.[33]
دستور ديمقراطي وتشريع قوانين لمكافحة الفساد والاستبداد:
إن الدستور الديمقراطي الذي يعكس استقلالية المؤسسات: القضائية والتشريعية والتنفيذية، ويضمن الشفافية والمحاسبة من شأنه أن يساهم في محاربة الفساد والاستبداد.
يقول مالك بن نبي: ” فهذه الوجوه الثلاثة تتضمن بالفعل مقتضيات الديمقراطية الذاتية والموضوعية، أي كل الاستعدادات النفسية التي يقوم عليها الشعور الديمقراطي، والعدة التي يستند عليها النظام الديمقراطي في المجتمع، فلا يمكن أن تتحقق الديمقراطية واقعا سياسيا إن لم تكن شروطها متوافرة في بناء الشخصية وفي العادات والتقاليد القائمة في البلد”. [34]
وتوفر الشروط الذاتية والموضوعية للديمقراطية يقتضي ” التخلق الدستوري الديمقراطي” واستقلالية المؤسسات: القضائية والتشريعية والتنفيذية.
قضاء عادل ومستقل:
لمحاربة الفساد والاستبداد لابد من وجود قضاء عادل ومستقيل، يستطيع محاكمة الفاسدين والمستبدين. لا أن يكون أداة في يد السلطة الاستبدادية توظفه وتستغله في قمع المعارضين.
يقول مالك بن مالك: ” فإذا وجدنا في الآية السابقة النص النظري الذي تقوم عليه عدالة القضاء الإسلامي، فإننا نجد في وثيقة أخرى الصورة الواقعية لهذه العدالة، فهذه الوثيقة التاريخية التي من شأن القضاء الإسلامي أن يعتز بها، هي وصية عمر رضي الله عنه للقاضي أبي موسى الأشعري، الذي كان بمثابة النائب العام للجمهورية في أيامنا”.[35]
محاربة الفقر والبطالة وتعزيز التنمية:
للقضاء على الفساد والاستبداد لابد من معالجة الأسباب التي تولد الفساد والاستبداد، من قبيل الفقر والبطالة وغياب فرص الشغل، وفي المقابل تشجيع الاستثمار والتنمية بمختلف أنواعها: التنمية البشرية، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية والأخلاقية.
نخلص إلى أن مجمل الآليات التي يمكن أن نحارب بها الفساد والاستبداد: تربية الإنسان، والسيادة للشعب، ودستور ديمقراطي، واستقلالية القضاء، وإصلاح الإدارة، والفصل بين السلط، وتعزيز الديمقراطية والتنمية. وبذلك يمكن القضاء على الفساد والاستبداد ومختلف مظاهره المتجلية في فساد الحكم، وتفكك الروابط الاجتماعية.
أنظر: عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ص : 37 – 44 [15]
مالك بن نبي، القضايا الكبرى، دار الفكر دمشق (2000) ص: 139[16]
مالك بن نبي، القضايا الكبرى، ص: 142[17]
مالك بن نبي، القضايا الكبرى، مصدر سابق، ص: 141 – 142[25]
مالك بن نبي، القضايا الكبرى، مصدر سابق، ص: 147 [28]
مالك بن نبي، القضايا الكبرى، ص: 163[29]
ابن خلدون، المقدمة ، ص: 353[30]
مالك بن نبي، القضايا الكبرى، ص: 135[33]