دروس لا تعلمها لا الكتب ولا أعرق الجامعات
بقلم: ادريس قافو
في البلاد المتخلفة تدفع الحاجةُ إلى تأمين الرزق النوابغَ إلى الشُّعب العلمية ليتخرجوا مهندسين وأطباء وأطر تقنية… ومنهم من يُساعفه الحظ فيلتحق بإحدى الجامعات الغربية العريقة، وقد يتخصص البعض منهم فيما يسمى “العلوم الإنسانية”، والنتيجة بعد عودة من قرر العودة هي جموع من النوابغ، يمتلكون الخبرة لتنفيذ قرارات الدولة، ولا يمتلكون القوة لصناعة ما يخالف أهواء الحكام من تلك القرارات. ويمتلكون الذكاء ليجتهدوا فيما يُطلب منهم، ولا يمتلكون الشجاعة لرفض ما يُملى عليهم… وهكذا يُوجَّه النوابغُ من أبناء الأمة ليكونوا خُدامًا لقادة تتحكم في توجيههم قوى الاستكبار، فتُحرَم الأمة من طاقاتها المُحرِكة والقيادية.
أسئلة ملحة
هذا العُطْل الحاصل في أهم محرك من محركات الأمة، محرك العنصر البشري، يطرح سيلا من الأسئلة الملحة منها:
- لماذا يقنَعُ هؤلاء النوابغ بدور الأجير أو الموظف؟ وماذا ينقصهم ليكونوا قادةً لمشاريع تغييرية في أوطانهم؟ وكيف فُرِض عليهم أن يعيشوا في الهامش وألا يتجاوزوا المجال المخصص للخدَم، أو أن يعيشوا في الدائرة التي حددها الخديوي توفيق([1]) لأحمد عُرابي([2]) حين قال له: (كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وإني ورثت هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساننا) ([3]).
- هل الجامعات– وأقصد العريقة منها- تعلم المبادئ والقوانين فقط ولا تعلم الالتزام بها والتضحية من أجلها؟ …أم أن دورها ينحصر في ترسيخ الولاء للحضارة الغربية، وإكساب الطلبة المهارات العقليةَ والعملية المطلوبة اجتماعيا واقتصاديا([4]) لتنفيذ قرارات الدولة ؟
- من يُقنِعُ هؤلاء النوابغ، ويُقنِعُ معهم أغلب علماء الشريعة، أن حاجة الأمة إليهم، وإلى الاستفادة من طاقاتهم، تقتضي منهم النزول من أبراج شواهدهم، ليتعلموا السباحة في الماء، ضد الأمواج، وليس في الفضاء وفوق الأبراج؟
- من يقنعهم بما قاله الخضر لموسى عليهما السلام حين قال له: (يا مُوسَى إنِّي علَى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأَنْتَ علَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لا أعْلَمُهُ)([5])؟ وفي ذلك صيغة لبِقة لتنبيه أي شخص إلى وجود أشياء يجهلها.
- من يقنعهم أنه لا سُنَّة الله في التغيير، ولا المنطق المجرد، يُسعفانِهم كأفراد لتغيير فساد له مؤسسات وإعلام وجيوش وميزانية دول، ومراكز تفكير ودراسات… فساد يحتكر كل السلط، ويحتكر كل أشكال القوة والثروة؟ من يقنعهم أن الشكل المؤسساتي للفساد يقتضي منهم أن يتعلموا كيف يؤلفوا صفا قادرا على تغيير واقعهم المرير؟
إن هذه الأسئلة العريضة الثقيلة ليست من البساطة ووحدة الموضوع ووحدة الأسباب بحيث يُجيب عنها مقال واحد وتخصص واحد. لذا أكتفي في هذا المقال بسؤال مفتاح هدفه بالدرجة الأولى لفت الانتباه إلى أن هناك أشياء لا يمكن تعلمها من الكتب وعلى مقاعد الدراسة ولو في أرقى الجامعات.
السؤال المفتاح: هل يوجد أصلا شيء ذو قيمة لا تعلمه الجامعات والمدارس والكتب؟
إن الجواب عن هذا السؤال ممن لم يتخرج في الجامعات العريقة، أو ممن لم يشهد له أحد بالاطلاع الواسع على الكتب، قد يقال عنه أنه كلام من يُعزّي نفسه في قلة بضاعته، أو كلام من يريد أن ينتقص من الآخرين تقليصا للفجوة بينه وبينهم. لذلك سنستدعي فيلسوفين من زمانين مختلفين للشهادة في الموضوع، من خلال حدث مزلزل لكيان كل منهما، وكان نقطة انعطاف في حياة كِلَيْهِمَا؛ سنستدعي الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي وحجة الإسلام أبا حامد الغزالي.
قصة إسلام روجيه جارودي ودرس الالتزام بالمبدإ والتضحية من أجله
تعود قصة إسلام المفكر الفرنسي روجيه جارودي (Roger Garaudy) إلى سنة 1941م حيث لا زالت العقيدة الإسلامية أو الأعراف([6]) أسبق من العقيدة العسكرية عند الجنود، ولازال المبدأ أسبق في الاعتبار من الراتب. ففي تلك السنة كان جارودي سجيناً في الجزائر، وأمر قائد السجن جنوداً جزائريين أن يطلقوا النار على السجناء، فرفضوا! ولم يفهم جارودي وقتها سبب رفضهم، لكنه كان يعرف ما قد يترتب على رفض الأوامر العسكرية من عقاب، لذلك ظلّ لغز الموقف مستوليا على كيانه. وحين عرف السرّ قال: (كانت المفاجأة عندما رفض هؤلاء تنفيذ إطلاق النار، ولم أفهم السبب لأول وهلة؛ لأنني لا أعرف اللغة العربية، وبعد ذلك علمت من مساعد جزائري بالجيش الفرنسي كان يعمل في المعسكر أن شرف المحارب المسلم يمنعه من أن يطلق النار على إنسان أعزل، وكانت هذه أول مرة أتعرف فيها على الإسلام من خلال هذا الحدث المهم في حياتي، وقد علمني أكثر من دراسة عشر سنوات في السربون). ([7])
فيلسوف حاصل على الدكتوراه في موضوع (النظرية المادية في المعرفة) من جامعة السوربون بباريس سنة 1953م، زمن الاِعْتِداد بالشهادة، يتعلم من جنود أميين! ومناضل ورمز من رموز الشيوعية في أوج قوتها وإلحادها يتعلم من مسلمين! وفرنسي يتعلم من أفارقة في زمن لا يرى فيه الفرنسيون الأفارقة إلا عبيداً لهم! أي واحدة من هذه الفرضيات الثلاثة هي في حكم العادة شبه مستحيلة. لكن حكم العادة لا يسري إلا حينما تكون وسيلة الإقناع هي الكلام والمناظرة، أو الموعظة والمحاضرة، أما حين تكون وسيلة الإقناع هي الأفعال المرفقة ببراهين الصدق فإن للقلوب منطقا آخر حين تعقل ما لا تعقله العقول.
وإذا اعتبرنا أن الحدث الكبير في هذه القصة هو إقدام رجال على موقف قد يودي بحياتهم، وذلك من أجل مبدإ يؤمنون به، وسلمنا بأن هذا الحدث هو الذي زلزل كيان جارودي، فلا شك أن هذا المناضل الشيوعي قد سمع مراراً وتكراراً شعارات التضحية من أجل المبدإ. وسمع خلال مساره الدراسي الحديث عن القيم الإنسانية الكبرى، وعن أهمية تحويل تلك القيم إلى سلوك. إذن، فما الذي ميَّز هذا الموقف العابر، وجعله يرسِّخ لدى الفيلسوف المناضل من الدروس ما لم ترسخه عشر سنوات من النضال ومن الدراسة في جامعة السربون؟
الجواب يكمن في حقيقة: (ليس من رأى كمن سمع)، التي يدعمها الحديث:( ليس لخبرُ كالمُعاينةِ؛ إنَّ اللهَ خبَّرَ موسى بما صَنَعَ قومُهُ في العِجْلِ فلمْ يُلقِ الألواحَ، فلمَّا عايَنَ ما صنَعوا ألْقَى الألواحَ)([8]). والذي عاينه جارودي هو التضحية من أجل القناعات والمبادئ، فالحديث عن المبادئ قد لا يتطلب جهدا كبيرا في حين أن التضحية من أجلها قد يتطلب أرواحا. وهذا لا يتمّ إلا عن صدق، مهما كانت بواعثه. وبراهين الصدق تفعل ما لا تفعله مئات المحاضرات. ويكفي موقف صادق في لحظة صفاء، يباركه الله تعالى ليُورَى زَنْدُكَ، وتنبعث الإرادة في قلبك، ولا يقِرُّ لك قرار حتى تضع قدم قلبك في مدارج العقبة لتقتحمها… كان الله معك! ([9])
فهل على نوابغنا أن ينتظروا حتى يدخلوا السجون، ثم يأمر السجان بإطلاق النار عليهم، ويمتنع الجنود عن التنفيذ، لكي يتعلموا منهم معنى الالتزام بالمبدإ والتضحية من أجله؟ أم عليهم أن يبادروا إلى البحث عمن يعلمهم … كما فعل الغزالي وكثير من الأعلام بعد أن تبوّأوا الصدارة العلمية في أزمانهم؟
تجربة حجة الإسلام الغزالي ودرس التنازل عن الجاه والبحث عن “الايمان الحقيقي”
عاش أبو حامد الغزالي المتوفى سنة (505 ه/ 1111م) حياة الترف، وكانت هيبته تضاهي هيبة الأمراء، ونبغ في علوم عصره: علم الكلام والفلسفة والفقه وأصول الفقه… حتى لُقِّب بحجة الإسلام، وكانت تُشدّ إليه الرحال للفتوى. لكنه حين تَفكَّر في نِيّته التي بها صلاح الأعمال أو فسادها، وجد أن ( باعثَها ومحركَها طلبُ الجاه وانتشارُ الصيت)([10]) ، وأن كل ما هو فيه من العمل رياء وتخييل ، كما وجد أن ما حصله من العلوم لم يُكسِبْه العلم اليقيني، (الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم)([11]) ، فأيقن أنْ لا مطمع في سعادة الآخرة (إلا بالتقوى، وكف النفس عن الهوى وأنَّ رأس ذلك كله، قطع علائق القلب عن الدنيا… والإقبال بكنه الهمة على الله. [و] أنَّ ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال) ([12]) . فقرر، بعد صراع مع نفسه كَلَّ فيه لسان عن النطق والتدريس، أن يتنازل عن (الرئاسة العلمية) وعن الجاه العريض، ويخرجَ في طلب من يعلمه…([13])
وبعد بحث في كل الاتجاهات، وبعد عشر سنوات من العُزلة([14]) عاد ليُدْلِيَ بشهادة مفادها أنَّ جوهر الدين واكتساب الإرادة التي بها يصل الإنسان إلى (كف النفس عن الهوى)، وإلى العلم الذي (لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم)، سبيلهما الوحيد هو التزكية([15]) الروحية؟
والشاهد في قصة الغزالي هو تلك الإرادة القوية التي قاد بها صراعه المرير مع نفسه لإرغامها على التنازل عن الجاه وحياة الترف، ثم عن المكانة العلمية التي لخصها لقب (حجة الإسلام)، بل وحملها على التعلم من شخص مغمور. لكن من أين لنا ولنوابغنا عَزْمَة الإمام الغزالي إن لم يكن لنا باعث كباعثه؟
خلاصة
إن كنت مهموما بأسئلة من قبيل: لماذا لا نلتزم بما نؤمن به نظريا من مبادئ؟ ولماذا لا تكفي معرفة الحق للالتزام به، ولماذا لا تحمل معرفة الباطل على اجتنابه؟ فابحث لك أولا عن باعثٍ عقلي قويٍّ دافعٍ لك، وليس هناك ما هو أقوى وأنفع من حقيقة الموت وهاجس مصيرك بعد الموت الذي لا ينفكُّ عن إسهامك في مصير أمتك في الدنيا. ثم اعلم أنَّ هناك دروسا (لو كانت تَسَعُها الكلمات والكتب لكان الغزالي قد وجدَها. وابحث كما بحث إن كان يؤرِّقُك اليأسُ من نفسك … فإن كنت مغتبطا بحالك فكلامنا مع غيرك)([16]).
([1])– الخديوي توفيق: تولى حكم مصر من 26 /06/ 1879- إلى 7 /01/ 1892 بعد ما أجبر الانجليز و الفرنسيون أباه الخديوي اسماعيل على ترك منصبه.
( – ([2] أحمد عرابي (1841 – 1911) قائد عسكري وزعيم مصري، برتبة ناظر الجهادية (أي وزارة الدفاع حاليًا)، وقائد الثورة العُرَابِيَّة.
( – ([3]الخفيف، محمود: أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه، ص 87
([4] ) – ياسين عبد السلام: حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص154
([5] ) – رواه البخاري في صحيحه
( – ([6]الأعراف قد يرفعها قِدمها ورسوخها لزمان طويل إلى مرتبة القداسة، أو إلى اعتبارها جزءًا من دين الآباء يضحي من أجله الأبناء.
([7] ) – أنظر القاضي، أحمد بن عبد الرحمان بن عثمان: دعوة التقريب بين الأديان دراسة نقدية في ضوء العقيدة الإسلامية، رسائل جامعية (20)، دار ابن الجوزي، رسالة لنيل الدكتوراه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، نقشت بتاريخ 17 / 08 / 1421 . ص 842
( – ([8]رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، وقال صحيح على شرط الشيخين
-[9] صيغة مقتبسة بتصرف أنظر: ياسين عبد السلام: الاحسان، ج1، ص 140
([10] ) – الغزالي: المنقذ من الضلال، ص134
([11] ) – الغزالي: المنقذ من الضلال، ص82
([12] ) – الغزالي: المنقذ من الضلال، ص134
( – ([13]أنظر تفاصيل القصة في كتابه المنقذ من الضلال
( – ([14]العُزلة : تقوم على مبدأ (الانسحاب ثم العودة)؛ ينصرف أصحابها إلى خاصة أنفسهم حتى إذا زكت نفوسهم عادوا إلى المجتمع من جديد ليسهموا في إصلاحه. خطوة كان يتبعها أهل التربية لفطم النفس عن مألوفاتها، والفكر عن شواغله، والقلب عن محبوباته. والكُمَّل من أهل التربية كانوا يعودون بعد تلك العزلة لمخالطة الناس وتربيتهم كما فعل الغزالي وعبد القادر الجيلاني وغيرهم كثير. هل يتقاطع ذلك في الأهداف من فعل رسول الله ﷺ قبل البعثة حيث كان يتحنَّث في غار حراء؟ الله أعلم.
( – ([15]التزكية في اللغة: مأخوذ من الزكاء، ويطلق على النماء، والطهارة، والشيء الطيب، والصلاح. والمقصود بالتزكية الروحية هنا هو تنمية الإيمان وما يترتب عليه من طاعة الله ورسوله، وتطهير القلب من المعاصي، كالحسد والحقد والبغضاء… وتطهير الأعضاء من ارتكاب الفواحش والمنكرات.