مخاض في غزة يبشر بولادة أمة
طيبة إدريسي قيطوني
تعيش الأمة في الفترة الأخيرة أحداثا مؤلمة و ضغوطا متزايدة ،لا نطيق سماعها ولا مشاهدتها، في بقعة جغرافية محدودة جدا يتواجد بها و يسكنها رجال، ذكورا و اناثا، من جيل الصحابة، قلوبهم مليئة بالإيمان و الصدق و اليقين و ألسنتهم تلهج بذكر الله والصدع بالحق رغم كل ما يعيشون من ابتلاءات و محن ،اخرها التجويع والحصار الخانق بالإضافة للقصف و الترويع، و الطامة الكبرى أن كل هذا يقع على مرأى و مسمع من العالم بأسره دون أن يحرك ساكنا، بل و بتواطؤ مع من يحسبون أنفسهم مسؤولون عن الأمة الاسلامية و للأسف يقع ما يقع و علماء الأمة صامتون متخاذلون الا من رحم ربي.
*فما هي الحكمة مما يقع بغزة؟
*و كيف نتعامل مع هذه الأحداث؟
*و ما هو المطلوب منا؟
ما يقع بغزة سنة كونية ثابتة
اذا ما نظرنا لهذه الأحداث من أعالى التاريخ فسيظهر لنا جليا أنها متناغمة مع سنة الله في الكون و أن التاريخ يكرر نفسه وأن أقدار الله ماضية، فلنطمئن فلغزة و لفلسطين رب يحميهم، فالله يصطفي الشهداء و يختبر ايماننا و يرفع درجات الصابرين ويفضح خبث الماكرين و يعاقبهم في الدنيا و الاخرة، بكل بساطة يمكننا القول: أن ما يحدث الان بغزة خصوصا و في العالم بصفة عامة، هو ايذان بغد مشرق مضيء سبقه واقع محرق مظلم لكن فيه بصيص من الأمل، فكل نقمة في طيتها نعمة و لا يستشعر هذا الا المؤمن الذي يعلم علم اليقين أن كل ما يفعله خيرو أن من وراء المعاناة و الألم و الحزن خير لا يعلمه الا الله و لا يراه الا من يرى بنور الله ، قال تعالى : ” ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ” (القصص : 5 – 6)، جاء في ظلال القران لسيد قطب تفسيرا رائعا لهاتين الآيتين، يقول رحمه الله: “ولكن الله يريد غير ما يريد فرعون؛ ويقدر غير ما يقدر الطاغية. والطغاة البغاة تخدعهم قوتهم وسطوتهم وحيلتهم، فينسون إرادة الله وتقديره؛ ويحسبون أنهم يختارون لأنفسهم ما يحبون، ويختارون لأعدائهم ما يشاءون. ويظنون أنهم على هذا وذاك قادرون. والله يعلن هنا إرادته هو، ويكشف عن تقديره هو؛ ويتحدى فرعون وهامان وجنودهما، بأن احتياطهم وحذرهم لن يجديهم فتيلا: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة، ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض، ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون). فهؤلاء المستضعفون الذين يتصرف الطاغية في شأنهم كما يريد له هواه البشع النكير، فيذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، ويسومهم سوء العذاب والنكال. وهو مع ذلك يحذرهم ويخافهم على نفسه وملكه؛ فيبث عليهم العيون والأرصاد، ويتعقب نسلهم من الذكور فيسلمهم إلى الشفار كالجزار! هؤلاء المستضعفون يريد الله أن يمن عليهم بهباته من غير تحديد؛ وأن يجعلهم أئمة وقادة لا عبيدا ولا تابعين؛ وأن يورثهم الأرض المباركة [التي أعطاهم إياها عندما استحقوها بعد ذلك بالإيمان والصلاح] وأن يمكن لهم فيها فيجعلهم أقوياء راسخي الأقدام مطمئنين.
ان تنصروا الله ينصركم
القران الكريم يخاطب جميع الناس في مختلف العصور و الأماكن و الفراعنة نوع لئيم و خبيث لا ينقرض حتى يرث الله الأرض و من عليها ، يمثل الظلم و الجور و الطغيان و فراعنة زماننا هم الصهاينة ومن والاهم و من طبع معهم، و كل الظالمين المفسدين في الأرض هم من طينتهم، الله سيدمرهم و يمحي أثرهم و ينصر الحق و أهله ، لكن شرط النصر هو نصرتنا نحن المؤمنين لله تعالى و لدينه، يجب توفر البيئة الملائمة التي تم تهييئها مسبقا لاستقبال موعود الله و تمكينه، يقول عز و جل:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ”(محمد: 7)، فأهل غزة انتصروا فعلا يوم السابع من أكتوبر، هم فقط انتصروا، و لكن النصر لن يطال الأمة حتى نستفيق من غفلتنا و نطبق شرع الله و ننصر اخوانها المجاهدين الذين نصروا الدين و حموا و فدوا بيت المقدس و مسرى رسول الله صلى الله عليه و سلم بدمائهم و أنفسهم و أموالهم، فاستشهدوا و جوعوا و قتلوا و أخرجوا من ديارهم و فقدوا كل ما يملكون الا ايمانهم ويقينهم بموعود الله و ثباتهم في ساحة الجهاد و هذا هو الأهم النافع عند الله، يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله عن وعد الآخرة: “إن “وعد الآخرة”، وقد ذكره الله عز وجل في سورة الإسراء مرتين، حدث ضخم ينتظره المؤمنون. ليس موقعة جزئية ولا معركة جانبية كما يحسب العرب المكبوتون المغلوبون في فلسطين. قضية الإسلام واحدة، واجهتها الصدام المحتوم مع الجاهلية. وما فلسطين وأفغانستان إلا مقدمتان لوعد الآخرة. واليهود فص الجاهلية وروحها.” (سنة الله ص: 155)
. إنها المواجهة المحتومة وإنها فلسطين العزة، وإنه النصر الموعود. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ». (حديث صحيح رواه مسلم رقم :2922). ، يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله: ” قضية فلسطين بداية المواجهة الحاسمة بين الحق والباطل، بين الجاهلية والإسلام. مع الجاهلية تنَبؤٌ يهودي بمملكة صهيون الألفية. ومع الإسلام وعد الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بالنصر المبين، وبالخلافة على منهاج النبوة، وبظهور هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون.” (سنة الله ص: 126).
نتحدث أيها القارئ الكريم عن وعد الله و نصره للمسلمين وعن رجال صدقوا الله و بذلوا وثبتوا و قاوموا العدو ببسالة نادرة الوجود في زماننا، والأكيد أن الله عز و جل لن يخذلهم و لن يضيعم و هو ناصرهم و لو بعد حين، عن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بشِّر هذه الأمة بالسَّناء، والرفعة، والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب))؛ رواه أحمد في مسنده (21220)، وصححه الحاكم في المستدرك (7862).
أمثلة لمحن سبقت توجت بفتح و تمكين:
و اذا ما عدنا لعهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد البعثة النبوية، سنجده عامرا بالابتلاءات و المحن التي سبقت الفتح و النصر و على سبيل المثال لا الحصر، نذكر الحصار الذي دام ثلاث سنوات في شعب أبي طالب و انتهى السنة العاشرة للهجرة، قال الزُّهريُّ: ” ثمَّ إنَّ المشركين اشتدُّوا على المسلمين كأشدِّ ما كانوا؛ حتَّى بلغ المسلمين الجهد، واشتدَّ عليهم البلاء، وأجمعت قريش أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانيةً؛ فلـمَّا رأى أبو طالب عمل القوم؛ جمع بني عبد المطلب، وأمرهم أن يُدخِلوا رسول الله ﷺ شِعْبَهم، ويمنعوه ممَّن أراد قتله، فاجتمعوا على ذلك مسلمُهم وكافرُهم، فمنهم مَنْ فعله حَمِيَّةً، ومنهم من فعله إيماناً، ويقيناً، فلـمَّا عرفت قريشٌ: أنَّ القوم قد منعوا رسول الله ﷺ؛ أجمعوا أمرهم ألا يجالسوهم، ولا يبايعوهم، ولا يَدْخُلوا بيوتهم؛ حتَّى يُسلموا رسول الله ﷺ للقتل، وكتبوا من مكرهم صحيفةً، وعهوداً ومواثيق؛ ألا يتقبَّلوا من بني هاشم أبداً صلحاً، ولا تأخذهم بهم رأفةٌ؛ حتَّى يسلموه للقتل” . (دلائل النُّبوَّة للبيهقي، 2/ 85)
و اذا ما رجعنا للوراء أكثر سنجد أن الأنبياء و الرسل ومن ساندهم قاسوا الشدائد و ذاقوا ألوان العذاب في طريقهم لنصرة الحق و دعوة الخلق للتوحيد و دحض الظلم والفسق، والقران الكريم تكلم عن هذا و خصوصا عن قبائح اليهود و مكرهم منذ زمن بعيد والى يومنا هذا ظل خبثهم قائما متجدرا، فقد وردت العديد من الآيات القرآنية التي توضح قتل اليهود للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومنها قوله تعالى: ” إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ” (آل عمران: 21)].
فالدنيا دار ابتلاء و اختبار والعاقبة للمؤمنين المتقين الصابرين المجاهدين و العقوبة والنكال للظالمين المفسدين المتجبرين، فبعد حصار المسلمين و تجويعهم و بعد الهجرة الى المدينة جاء فتح مكة وبدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجا و بعد تقتيل الأنبياء جاءت الشهادة و ايمان الكثير من الناس و الفوز بجنة عرضها السماوات و الأرض و دائما مع العسر يكون اليسر برضى الله و نصره و تمكينه لعباده المؤمنين و لكن في الوقت الذي يحدده و يريده الله تعالى فالصبر الصبر و اليقين اليقين.
ختاما أقول أن ما يقع بغزة الان ليس جديدا أو غريبا ، بل هو تدافع قديم بين الحق و الباطل والنور و الظلام ، لكن السعيد و الفائز هو الذي يقف مع الحق و يدافع عن دين الله و حرماته و يجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمة لا اله الا الله و يثبت و يصمد و لا يبدل و لا يغير، قال تعالى:” مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا” (الأحزاب: 23)، و الأكيد أن كل ما يقع في الكون هو من تدبير العلي الكريم و لحكمة ، بل و لحكم تخفى علينا و لا يعلم أكثرها الا الله تعالى ، لكن المطلوب منا نحن المسلمون في هذه الظرفية العصيبة هو النصرة بالدعاء و الدعم الكلي ماديا و معنويا و مقاطعة المنتوجات الأمريكية و اليهودية و نشر و فضح الصهاينة و قبائحهم و جرائمهم في مواقع التواصل الاجتماعي و التعريف بالقضية الفلسطينية بجميع الوسائل المتاحة ، معلنات و معلنين عن دعمنا اللا محدود لإخواننا و أحبتنا في غزة و فلسطين و لجميع المجاهدين الأحرار في العالم بأسره ، نقول لهم أيدكم الله، نصركم الله، اواكم الله ، قلوبنا معكم و ألسنتنا تدعوا لكم و نشكو الى الله قلة حيلتنا و ضعفنا و هواننا على الناس و نسأله عز و جل أن يتوب علينا و يرفع هممنا و ينصر بنا الدين جميعا و ألا يؤاخذنا بما فعله السفهاء منا، و يقيننا أن العاقبة للمتقين و أن بعد هذا المخاض لا بد من ولادة جديدة وأن أرض المقدس ستتحرر و سيبزغ فجر الحرية و الكرامة و العدالة قريبا بإذن الله عز و جل و سنصلي ان شاء الله مع اخواننا في فلسطين الأبية في المسجد الأقصى، ان الله على كل شيء قدير.