منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اختطاف رئيس ڤنزويلا، وردّ القوة الاقتصادية الرادعة لأمريكا

الدكتور أحمد الإدريسي

0

اختطاف رئيس ڤنزويلا، وردّ القوة الاقتصادية الرادعة لأمريكا

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

مقدمة:

قامت الولايات المتحدة بعملية عسكرية فاختطفت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما جوا خارج فنزويلا، بدافع الرغبة في السيطرة على احتياطيات فنزويلا الهائلة من النفط.

ولا يُهم الولايات المتحدة الأمريكية أنها قامت بعمل غير قانوني، وأنها ضربت عرض الحائط بالقانون الدولي وأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بانتهاك سيادة الدول وتدخلها بشكل سافر وفج في الشؤون الداخلية للدول ما يكشف وجهها الحقيقي ويرسخ شريعة الغاب، ويُنين أهداف أمريكا الاستعمارية التي تنطوي على نهب ثروات وموارد الدول وتدمير مستقبل الشعوب.

1- حق جميع الدول في سلامة أراضيها واستقلالها السياسي:

تنص المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة على أن جميع الدول الأعضاء “تمتنع في علاقاتها الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة”، و”أنه لا يجوز لأي دولة أن تهدد باستخدام القوة أو تستخدم القوة لاستهداف وحدة وسلامة أراضي دولة أخرى أو استقلالها السياسي”.

إن الدعوة إلى احترام حق الشعوب الأخرى في اختيار مسار تنميتها بشكل مستقل، والالتزام بالقانون الدولي وأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، مع تولي الدول الكبرى على وجه الخصوص زمام المبادرة، هي مبادئ أساسية في القانون والعلاقات الدولية.

وأثبتت الوسائل العسكرية أنها ليست حلا للمشكلات، وأن الاستخدام العشوائي والغاشم للقوة لن يؤدي إلا إلى أزمات أكبر، لذلك يجب احترام سيادة جميع الدول ووحدة وسلامة أراضيها، ودعم حل الخلافات والنزاعات سلميا من خلال الحوار والتشاور، والدفاع عن سلطة القانون الدولي، ورفض قانون الغاب، ومعارضة التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ودعم السلام والاستقرار العالميين.

ولطالما تغنت الولايات المتحدة بالحريات وحقوق الإنسان، ودعت الدول إلى الديموقراطية والحريات، وانتقدت بعض الدول بانتهاك القانون وحقوق الإنسان، بل وتسعى في هذه الأيام إلى تأسيس “مجلس السلام” في منطقة الشرق الأوسط، وهي ترتكب في نفس الوقت أكبر الجرائم التي سجلها ويسجلها التاريخ للأجيال السابقة والحالية والقادمة، بحق حقوق الإنسان والقانون الدولي ومواثيق وأعراف الأمم المتحدة.

2- الأطماع الاقتصادية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب:

لا شك أن هدف الولايات المتحدة الأساسي من عملية خطف مادورو هو السيطرة على موارد فنزويلا الطبيعية ونهب ثرواتها ونفطها، ومحاولة إخضاع وإعادة الاستعمار الأمريكي للدول عبر القوة العسكرية بغطاء سياسي مكشوف ومزيف يظهر الوجه القبيح والحقيقي للولايات المتحدة، لأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال: “إن السلطات الفنزويلية “ستسلم” ما بين 30 إلى 50 مليون برميل من النفط إلى الولايات المتحدة، مدعيا بأن العائدات منها “ستستخدم بما يعود بالنفع على شعبي البلدين”، كما أوضح في تغريدة له عبر منصة “تروث سوشيال” أن النفط سيباع بسعر السوق، وأن العائدات ستكون تحت سيطرته الشخصية كرئيس للولايات المتحدة.

إن إقدام الولايات المتحدة على اختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته وخروج أطماعها في موارد ونفط وثروات الشعب الفنزويلي للنور وفي العلن، بكل تسلط وبكل كِـبر، وهو من الأعممال المناهضة للقانون الدولي والإنساني وضد حقوق الإنسان، يعتبر مخالفة صريحة وجريمة كبرى في حق المعاهدات والمواثيق الدولية، وانتهاكا سافرا وصارخا لسيادة الدول والتدخل في شؤونها الداخلية، بما يبعث على الحيرة من هذه السياسة والتصرفات الأحادية المنبوذة من جانب المجتمع الدولي.

وقد أكدت للولايات المتحدة حاجتها إلى غرينلاند “لأغراض دفاعية”، وأن فنزويلا قد لا تكون آخر دولة تتعرض للتدخل الأمريكي، فيما أصدر زعماء فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا وبريطانيا والدنمارك بيانا مشتركا أكدوا فيه “القرار بشأن غرينلاند والدنمارك يعود حصرا إلى الدنمارك وغرينلاند”.

ومن جهة أخرى جعلت الولايات المتحدة من السيطرة على النفط الڤنزويلي وسيلةً لكبح الحضور الصيني في أميركا الجنوبية وعرقلة مسار تطوره المتسارع الذي لم تستطع أن  تُوقفه.

3- الصين القوة الاقتصادية الرادعة لأمريكا:

مباشرة بعد اختطاف رئيس ڤنزويلا وزجته من طرف القوات الأمريكية، دعا الرئيس الصيني إلى اجتماع طارئ للّجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي، (استمرّ ساعتان). لم تصدر بيانات رسمية، ولم تُطلق تهديدات دبلوماسية. فشرعت الصين مباشرة في اتخاذ سلسلة من الإجراءات العملية، ومن دون استعراضات خطابية فارغة، وأرسلت الصين رسالة الاستراتيجية الواضحة، مفادها أن؛ الصين قادرة على خنق الولايات المتحدة في مجال الطاقة.

ثم اتخذت الصين خطوات استهدفت مباشرةً خط الطفو للإمبراطورية الأميركية، لأن العدوان على ڤنزويلا يُعدّ إعلان حرب على مشروع العالم المتعدد الأقطاب وعلى مجموعة “بريكس”. ومن هذه الخطوات الاقتصادية، نذكر ما يلي:

– أعلن بنك الشعب الصيني بهدوء التعليق المؤقت لجميع المعاملات بالدولار الأميركي مع الشركات المرتبطة بقطاع الدفاع الأميركي. فقد استيقظت شركات مثل بوينغ، ولوكهيد مارتن، ورايثيون، وجنرال دايناميكس على خبر تجميد جميع تعاملاتها مع الصين من دون أي إنذار مسبق.

– أعلنت إحدى الشركات الصينية العملاقة؛ “شركة الشبكة الكهربائية الحكومية في الصين”، والتي تدير أكبر شبكة كهرباء في العالم، أعلنت عن مراجعة تقنية شاملة لجميع عقودها مع مورّدي المعدات الكهربائية الأميركيين، في خطوة تعني عمليًا شروع الصين في فكّ الارتباط بالتكنولوجيا الأميركية.، وبعد ذلك مباشرة أعلنت «الشركة الوطنية الصينية للبترول»، أكبر شركة نفط حكومية في العالم، إعادة تنظيم استراتيجية لمسارات إمداداتها العالمية. وقد مثّل ذلك إعادة تفعيل «سلاح الطاقة»، عبر إلغاء عقود توريد النفط إلى المصافي الأميركية بقيمة 47 مليار دولار سنويا.

– نفّذت «شركة الشحن البحري الصينية» (China Ocean Shipping Company)، التي تسيطر على نحو 40% من القدرة العالمية للنقل البحري، ما أطلقت عليه «تحسين المسارات التشغيلية».   ونتيجة لذلك، بدأت السفن الصينية بتجنّب الموانئ الأميركية مثل لونغ بيتش، ولوس أنجلوس، ونيويورك، وميامي. هذه الموانئ، التي تعتمد بشكل أساسي على اللوجستيات البحرية الصينية للحفاظ على سلاسل إمدادها، وجدت نفسها فجأة من دون 35% من حركة الحاويات المعتادة.

وقد شكّل ذلك كارثة حقيقية لشركات كبرى مثل وولمارت وأمازون وتارغِت، التي تعتمد على السفن الصينية لاستيراد البضائع المصنّعة في الصين إلى الموانئ الأميركية، إذ شهدت سلاسل إمدادها انهيارًا جزئيًا خلال ساعات.

– النفط الذي كان يتجه إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة أُعيد توجيهه إلى الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، وإلى شركاء آخرين في الجنوب العالمي. وأسفر ذلك عن قفزة في أسعار النفط بنسبة 23% خلال جلسة تداول واحدة.

– فعّلت الصين حزمة جديدة من الإجراءات: تعبئة الجنوب العالمي. ففي الساعة 4:22 من يوم 4 كانون الثاني/يناير نفسه، عرض وزير الخارجية الصيني وانغ يي على البرازيل والهند وجنوب أفريقيا وإيران وتركيا وإندونيسيا، إضافة إلى 23 دولة أخرى، شروطًا تجارية تفضيلية فورية لأي دولة تلتزم علنًا بعدم الاعتراف بأي حكومة فنزويلية تصل إلى السلطة بدعم أو تدخل أميركي.

بعدها مباشرة، وافقت 19 دولة على العرض، وكانت البرازيل أولها، تلتها الهند وجنوب أفريقيا والمكسيك. وهكذا تجسّد عمليًا مفهوم «العالم المتعدد الأقطاب فعليًا».

تُعتبر فنزويلا رأس الجسر الصيني نحو أميركا اللاتينية داخل “الفناء الخلفي” للولايات المتحدة.

– فعّلت الصين السلاح المالي؛ فقد أعلن نظام المدفوعات الصينية العابرة للحدود بين البنوك عن توسيع قدرته التشغيلية لاستيعاب أي معاملة دولية ترغب في تجنّب نظام «سويفت» الخاضع لسيطرة واشنطن. وهذا يعني أن الصين وضعت بين يدي العالم بديلًا كاملًا وفعّالًا عن النظام المالي الغربي. فأي دولة أو شركة أو بنك يرغب في التعامل التجاري من دون الاعتماد على البنية المالية الأميركية بات بإمكانه استخدام النظام الصيني، الذي يُعدّ أرخص وأسرع بنسبة 97%.

وقد كانت الاستجابة فورية وكاسحة: ففي أول 48 ساعة من التشغيل، تـمّ علاج معاملات بقيمة 89 مليار دولار، وفتحت البنوك المركزية في 34 دولة حسابات تشغيلية ضمن النظام الصيني، ما يعني تسارع عملية نزع الدولرة عن أحد أهم مصادر تمويل الولايات المتحدة.

– على الجبهة التكنولوجية، أعلنت الصين، التي تسيطر على 60% من الإنتاج العالمي للمعادن النادرة، وهي عناصر حيوية لصناعة أشباه الموصلات والمكوّنات الإلكترونية، فرض قيود مؤقتة على تصدير هذه المعادن إلى أي دولة دعمت اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو. وقد أثار هذا القرار قلقًا بالغًا لدى عمالقة التكنولوجيا الأميركية مثل آبل، ومايكروسوفت، وغوغل، وإنتل، التي تعتمد على سلاسل التوريد الصينية في مكونات أساسية، إذ باتت أنظمتها الإنتاجية مهددة بالانهيار خلال أسابيع.

خاتمة:

من أهداف اختطاف رئيس ڤنزويلا من طرف الولايات الأمريكية؛ إخضاع عدد من دول العالم للإمبريالية والغطرسة الأمريكية المتسلطة وإضعاف اقتصادها، الأمر الذي دفع دولا كثيرة، منها الحليف للولايات المتحدة، لإدانة تصرفات واشنطن الأحادية المبنية على القوة العسكرية والتحكّـم الاقتصادي.

لكن الـرّد الصيني كان صدمةً نظامية متسارعة، وجّهت ضربة مباشرة إلى القلب الاقتصادي للإمبراطورية الأميركية. وصُمّمت لتعطيل القدرة الأميركية على الرّد. كما نجحت الصين في تشكيل ائتلاف مناهض للولايات المتحدة بشكل فوري، مستخدمةً سلاح الحوافز الاقتصادية.

فهل ستتطور الأحداث إلى حرب اقتصادية عالمية؟

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.